مكافحة الاحتكار . . فريضة دينية وواجب وطني

قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: “من دخل في شيء من أسعار المسلمين ليغليه عليهم كان حقاً على الله أن يعقده بعظم من النار يوم القيامة”، وقال: “من احتكر طعاماً أربعين يوماً فقد برئ من الله وبرئ الله منه”، وقال “المحتكر ملعون والجالب مرزوق” .
هذا إذاً وعيد شديد . . يمثل سياج حماية وأمن داخل المجتمع المسلم، ضد فئة من الجشعين والطامعين الذين يحتكرون السلع، فيكنزون الأموال على حساب أقوات البسطاء، ويمتصون دماءهم، ويكوّنون المليارات على أشلائهم .
لكن السؤال الأبرز هنا هو: كيف تتم مواجهة هؤلاء؟ وهل من وسائل تمثل أدواراً مختلفة للدولة والأفراد؟ ثم كيف تعاملت الشريعة الإسلامية معهم؟ وهل يجوز للحاكم أن يفرض سعراً معيناً للسلع لمواجهة أمثال هؤلاء؟

أسئلة كثيرة تجيب عنها هذه السطور .

في البداية يعرّف الدكتور عبدالهادي النجار، أستاذ الاقتصاد في جامعة المنصورة، الاحتكار بكلمات بسيطة فيقول: “الاحتكار حبس الطعام أو كل ما يحتاجه الناس أو يعسر اختفاؤه عليهم معيشتهم” .

ويوضح أن الاحتكار لا يكون محرماً حتى تجتمع فيه ثلاثة شروط، هي: أن يكون الشيء المحتكر طعاماً أساسياً ولا يدخل فيه حبس الكماليات أو أطعمة البهائم، وأن يكون المحتكر قد اشترى الطعام، وترتب على احتكاره إضرار بالناس وتضييق عليهم ثم يقوم المحتكر ببيعه بالأسعار التي يريدها بغير رحمة .

مخاطر الاحتكار

وعن مخاطر الاحتكار على الفرد أو الدولة يقول د . النجار: الاحتكار مخاطره كثيرة، منها على سبيل المثال قتل روح المنافسة الشريفة التي تؤدي لإتقان العمل وتحسين الإنتاج، وكذلك لجوء المحتكرين إلى تبديد جزء من الموارد أو التخلص منها خوفاً من انخفاض الأسعار في السوق العالمية، كما أن الاحتكار سبب في انتشار الأحقاد والكراهية، ما يهدد بتفكك المجتمع وانهياره، خاصة في ظل انتشار الأمراض الاقتصادية والاجتماعية، مثل البطالة والتضخم والكساد والرشوة والمحسوبية والنفاق والسرقة والغش .

ويضيف د . النجار: هناك عوامل مؤدية لظاهرة الاحتكار أهمها أن يكون هناك من يقوم بشراء سلع أو خدمات من دون الحاجة إليها لمنع عامة الناس من شرائها أو إنتاجها، مشيراً إلى أن تخزين السلع بقدر يزيد على حاجة الفرد وأهله لفترة طويلة خشية الغلاء أو لتحقيق أرباح كبيرة لشدة حاجة الناس إليها وندرتها في الأسواق، يعد من الاحتكار، لأن في التخزين ضرراً يساعد على انتشار ظاهرة السوق السوداء .

مواجهة مصاصي الدماء

وفي إطار مواجهة من سمّاهم “مصاصي الدماء” يؤكد الدكتور حسين شحاتة أستاذ الاقتصاد الإسلامي بجامعة الأزهر والخبير في العديد من المؤسسات الاقتصادية، أن التصدي للمحتكر الظالم فريضة شرعية وواجب وطني، ويدخل في باب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر بدليل قوله تعالى: “كنتم خير أمة أخرجت للناس تأمرون بالمعروف وتنهون عن المنكر وتؤمنون بالله”، وقول الرسول صلى الله عليه وسلم: “من رأى منكم منكراً فليغيره بيده، فإن لم يستطع فبلسانه، فإن لم يستطع فبقلبه، وذلك أضعف الإيمان” .

وعن ترجمة تلك النصوص إلى وسائل عملية يقول شحاتة: أهم هذه الوسائل هي التصدي للمحتكرين وأعوانهم باليد وهذا من مسؤولية ولي الأمر بما له من سلطان، ودليل ذلك قول الله تعالى “الذين إن مكناهم في الأرض أقاموا الصلاة وآتوا الزكاة وأمروا بالمعروف ونهوا عن المنكر ولله عاقبة الأمور” .

لكن د . شحاته يستدرك مؤكداً أن للمجتمع المدني ومنظماته المختلفة دوراً إذا تقاعست الدولة وولي الأمر عن التصدي للمحتكرين، حيث يجب على المنظمات الحرة التصدي لهما بالنصح والجهاد المدني، سواء القضائي أو المؤسساتي من خلال مؤسسات الدولة القضائية، مثلاً، لقول رسول الله صلى الله عليه وسلم: “أفضل الجهاد كلمة عدل عند سلطان جائر” .

وينتقل د . شحاتة إلى نوع آخر من المواجهة، يتعلق بالعلماء، والدعاة، حيث أوجب عليهم التصدي للمحتكرين بالكلمة لتعبئة المظلومين المعتدي على حقوقهم، من خلال جميع وسائل الإعلام .

حرب شاملة

وعن النصوص الشرعية المحرمة للاحتكار يقول الدكتور محمد نبيل غنايم، أستاذ الشريعة الإسلامية بجامعة القاهرة: النصوص كثيرة حيث قال صلى الله عليه وسلم “لا يؤمن أحدكم حتى يحب لأخيه ما يحب لنفسه”، ولا شك في أن الاحتكار فيه إضرار بالناس واستغلال لحاجتهم .

ويلفت د . غنايم إلى أن النبي، صلى الله عليه وسلم، وصف المحتكر وصفاً يطابق وصف القرآن للطغاة المتجبرين ورمزهم الأول فرعون، حيث قال صلى الله عليه وسلم: “من احتكر فهو خاطئ”، وهو وصف القرآن نفسه لفرعون وهامان وأعوانهما حين قال تعالى: “إن فرعون وهامان وجنودهما كانوا خاطئين” .

ويتابع: لقد شن الإسلام حرباً شاملة على المحتكرين لدرجة قد تخرجهم من الملة وتبعدهم عن رحمة الله، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: “من احتكر طعاماً أربعين يوماً فقد برئ من الله وبرئ الله منه”، وقال صلى الله عليه وسلم “من احتكر حكرة يريد أن يغلي بها على المسلمين، فهو خاطئ”، وقال أيضاً “من احتكر على المسلمين طعامهم ضربه الله بالجذام والإفلاس”، وقال “من دخل في شيء من أسعار المسلمين ليغليه عليهم كان حقاً على الله أن يعقده بعظم من النار يوم القيامة” .

لكن د . غنايم يستدرك ليبين أنه لابد من التفرقة بين الادخار والاحتكار، حيث أكد أن الادخار يقصد به جمع الإنسان الطعام لنفسه وأسرته في أوقات الحاجات كالحروب، فهذا لا يعد محتكراً، بل إنه عمل جائز شرعاً .

وعن مشروعية التسعير في ظل الجدل الدائر حوله، استشهد د . غنايم بموقف عملي على عهد رسول الله - صلى الله عليه وسلم - حيث غلت الأسعار في عهده فقالوا: سعر لنا يا رسول الله، قال: “إن الله هو القابض الباسط الرازق المسعر، وإني لأرجو أن القى الله وليس أحد منكم يطالبني بمظلمة ظلمتها إليه في دم ولا مال” .

ويخلص د . غنايم من تلك الحادثة إلى أن التسعير من غير ضرورة ظلم، ولكنه يكون مشروعاً إذا تلاعب المحتكرون بالأسعار، واستغلوا حاجة المستهلكين، ما يوجب على الدولة التسعير كعقوبة للجشعين .

عقوبة مزدوجة

وعن عقوبة المحتكر يؤكد د . غنايم أن عقوبته مزدوجة في الدنيا والآخرة، فأما عقوبة الدنيا فقد اتفق فقهاء مختلف المذاهب على أنه يجب على أولي الأمر في الدول الإسلامية أن يراقبوا الأسواق ويطهروها من المحتكرين .

وعن الحكم الشرعي إذا لم يمتثل المحتكر لأوامر ولي الأمر، يقول د . غنايم: اختلف الفقهاء في ذلك، فمنهم من قال: إذا خاف ولي الأمر الضرر على عامة الناس يحق له أخذ ما عند المحتكر والقيام ببيعه وإعطائه المثل من بضاعته عند وجوده في ظل الظروف العادية أو إعطائه قيمته المادية .

وهناك من يرى - حسب د . غنايم - أنه إذا لم يكن هناك خوف على العامة فإن للحاكم اتخاذ الخطوات اللازمة لإجباره إذا لم يمتثل للأمر بالبيع، ومن العلماء من يرى أنه لا يجبر على البيع وإنما إذا امتنع عن البيع يعاقبه الحاكم بعقوبة تعزيرية، وقد اختلفوا في أن يكون التعزير في البداية أم بعد إنذارات، حسب المصلحة .

وعن جواز الحجز على المحتكرين من أجل مصلحة الأمة يشير د . غنايم إلى أن الفقهاء اختلفوا، فمنهم من قال: إن تعدى بائعو السلع خاصة الضرورية كالطعام وتجاوزوا قيمتها السعرية تعدياً فاحشاً وعجز القاضي عن صيانة حقوق المسلمين إلا بالتسعير قام بالتسعير عن طريق مشورة أهل الخبرة منعاً للظلم .

ويتطرق د . غنايم إلى نقطة جوهرية، حيث يؤكد أن الإسلام لم يكتف بتحريم الاحتكار عند وقوعه وإنما حذر من الاحتكار المتوقع وذلك بسد الوسائل المؤدية، سواء كان الاحتكار فردياً أو جماعياً، ليكون ذلك وسيلة استباقية لمنع ما يؤدي إلى التحكم في الأسواق .

كما أن “الوكالة الحصرية” لمنتج ما لا بديل له تعد من قبيل الاحتكار المنهي عنه إذا أدت إلى رفع أسعار هذه السلعة فوق المستوى المقبول، مقارنة بالأسعار في البلاد المختلفة، لأن العبرة من تحريم الاحتكار هي وقوع الضرر على الناس، وليس مجرد الانفراد بإنتاج أو توزيع السلعة، ولهذا فإن صاحب الوكالة الحصرية إذا قدم السلعة بسعر مناسب خرج من دائرة الاحتكار المحرم .

دار الخليج

إضافة تعليق

2 + 9 =
Solve this simple math problem and enter the result. E.g. for 1+3, enter 4.