مكانة العلماء في الإسلام

لأن العلم نور، وكلما زادت مساحته في المجتمع ازدادت مساحة النور والهداية فيه، فقد جعل الإسلام من العلم مطلوباً أساسياً له، ودعا الناس إليه وحببهم فيه، ورغبهم في القيام بمهامه، وذلك بأسلوب يفيد بحب الإسلام العلم واعتزازه بالعلماء وتكريمه لهم .

لأنهم يؤدون رسالة إسلامية جليلة تتفق مع ما يريده الإسلام للناس من خير ونور وهداية، ولأن الامتثال لأحكامه العادلة، ومبادئه الرفيعة يتوقف على العلم بتلك الأحكام، بل إن الدعوة إلى الله لا يمكن أن تقوم على نحو صحيح إلا به، ومن ذلك أن الله ذكر العلماء في كتابه بما يدل على رفعة شأنهم وعلو مكانتهم فقال سبحانه: “شهد الله أنه لا إله إلا هو والملائكة وأولو العلم قائما بالقسط”، فقد شهد الله في هذا القول الكريم لأهل العلم بما شهد به لوحدانيته ولملائكته وفي معية المذكورين بتلك الشهادة، ما يدل على رفعة العلماء، وقال سبحانه: “يرفع الله الذين آمنوا منكم والذين أوتوا العلم درجات”،

، حيث ذكر الله أهل العلم ضمن معية المؤمنين في مجال التكريم والرفعة، وفي هذا ما يفيد بعلو مكانة العلماء، كما جعل العلم طريقا لخشية الله عز وجل والإيمان به، فقال سبحانه: “إنما يخشى الله من عباده العلماء”، حيث جعل العلم وسيلة لخشية العلماء له سبحانه، وقال عز من قائل: “سنريهم آياتنا في الآفاق وفي أنفسهم حتى يتبين لهم أنه الحق أولم يكف بربك أنه على كل شيء شهيد”، فقد بيّن هذا القول الكريم أن الله جعل آياته في الكون وفي الخلق علامات تدل عليه، وأنه سبحانه سوف يمكن من يشاء من عباده من الوقوف على أسرار تلك الآيات حتى يعلموا منها أنه هو الواحد الحق الذي لا معبود سواه، والذي لا يجوز أن يتخذ الناس ربًا غيره، وفي هذا ما يدل على أن العلم بتلك الآيات الكونية في النفس والخلق أداة للوصول إلى الله سبحانه، ومدخل إلى الإيمان الصحيح به، كما بيّن أن هناك فرقًا بين من يعلمون ومن لا يعلمون بقوله تعالى: “قل هل يستوي الذين يعلمون والذين لا يعلمون”، وهذا الفرق لصالح أهل العلم قطعاً .

والعلم في الإسلام ليس وسيلة عقيمة أو غاية مقطوعة الصلة عن النتائج والثمار، لكنه طريق لتحصيل خيري الدين والدنيا، فهو في مجال الدين أداة لمعرفة أحكامه والوقوف على أسراره حتى تكون عبادة الله عن رشاد وهداية، وهو في مجال الدنيا وسيلة لتحصيل عزها وكشف أسرارها وتبادل الحوار، ونقل الأفكار وتطوير الحياة نحو ما هو أسمى وأفضل، ولهذا كان علم الدنيا مطلوبا كما كان علم الدين مطلوبا، وهو في الحالين لن يكون محققا للهدف منه إلا إذا كان مقرونا بجملة من الضوابط التي تحدد مساره وترشد غايته، وهي كما يلي:

- يجب أن يكون العلم مقرونا بتقوى الله سبحانه، ودون التقوى لن يصل طالب العلم إلى غايته، ولن يستطيع أن يأخذ من العلم ثمرته، ولن يفلح المجتمع الذي ينتمي إليه في الاستفادة به، ولهذا ربط الله بين العلم وبين تقواه سبحانه فقال في محكم كتابه: “واتقوا الله ويعلمكم الله”، وفي نسبة العلم لله سبحانه وأنه مصدر العلم، ما يجب أن يلفت نظر طالب العلم إلى أهمية القرب من ربه عند طلبه .

- أن يلتزم العلم بحدود الشارع وأحكامه، فلا يتجاوز تلك الحدود، ولا يستخدم لإبطال الحق، أو رفعة الباطل .

- التواضع في طلب العلم، فإن الكبر يمنعه، والترفع يزيله ويطمس على بصيرة طالبه، وهذا ما يشير إليه قوله تعالى: “وقل رب زدني علما”، فإن من يدعو ربه بالمزيد من العلم لا يشعر بأنه قد اكتفى منه، وفي هذا ما يدل على خفض جناحه وانكسار نفسه وتواضعه له .

* عضو مجمع البحوث في الأزهر

إضافة تعليق

2 + 1 =
Solve this simple math problem and enter the result. E.g. for 1+3, enter 4.