مكتبة الإسكندرية اتسع مفهومها إلى مؤسسة تُعنى بالثقافة والعلم والفنون

تعد مكتبة الإسكندرية التي تحتفي بمرور (15) عاماً على إنشائها صرحاً ثقافياً وتنويرياً، استطاع أن يحدث نقلة في الفكر والعلم والمعرفة، ويكون واجهة مصر للعالم، من خلال ما تقدمه من خدمات معرفية وأكاديمية، وأنشطة وأبحاث علمية، لتجتمع في طياته الفنون والعلوم والثقافة معاً، فهي تمتلك نحو (15) مركزاً بحثياً يستخدم لخدمة الإنسان، فضلاً عن (6) متاحف تحتوي على مجموعة من الكنوز الأثرية الفريدة، وتحمل على عاتقها توثيق التراث الحضاري على المستوى المحلي والعربي والعالمي، باستخدام التقنيات الحديثة؛ لذلك نجحت في استقطاب نحو مليار زائر على شبكتها، وهذا ما جعلها من أفضل (10) مكتبات على مستوى العالم، كما أنها رابع أكبر مكتبة فرانكفونية في العالم.

وتتكون من (10) قطاعات، منها المكتبات وتكنولوجيا المعلومات والبحث الأكاديمي، وبحسب آخر تقرير خاص بالمكتبة خلال الفترة من يوليو (2016) وحتى يونيو (2017) قامت بتنظيم واستضافة أكثر من (1171) فعالية، منها (297) محاضرة، و(202 116) ورشة عمل، وأقامت (161) حفلاً و(34) معرضاً و(96) ندوة، وقامت المكتبة أيضاً بتنظيم (51) دورة تعليمية وتدريبية.
ونجحت مكتبة الإسكندرية في توصيل رسالتها للعالم، من خلال نشرها للعلم والثقافة، كما أنها أعادت الروح مرة أخرى للجسد فخرجت من رحم المكتبة القديمة، التي أنشئت عندما قدم (ديمتريوس الفاليري) وهو فيلسوف يوناني وطرح فكرة تأسيس مكتبة الإسكندرية القديمة للملك بطليموس الأول، وفي عام (288 ق.م) قام الملك بطليموس الأول بتأسيس مكتبة الإسكندرية القديمة، وكانت مكتبة الإسكندرية القديمة تحتوي على (700.000) لفافة بردي بما يوازي (100.000) كتاب، وتعتبر اللغة العبرية أول لغة تمت ترجمتها في المكتبة.

وفي عام (???) وأثناء الصراع الدائر بين الديانة المسيحية والوثنية، تهدم معبد السيرابيوم بجميع محتوياته، إضافة إلى المكتبة الصغرى. وتلاشت المكتبة القديمة نهائياً في (400) ميلادية نتيجة الحروب المتعاقبة، لا يوجد شيء متبقٍ من مكتبة الإسكندرية القديمة، إلا بردية وحيدة، وتوجد نسخة طبق الأصل منها داخل متحف المخطوطات في المكتبة، بينما أصل البردية موجود بالمكتبة القومية في فيينا.
وفي عام (1972) أطلق د. مصطفى العبادي، أستاذ التاريخ اليوناني والروماني بكلية الآداب جامعة الإسكندرية، أول نداء دولي لإعادة إحياء مكتبة الإسكندرية، وفي عام (1989) نظمت الحكومة المصرية بالتعاون مع اليونيسكو مسابقة معمارية لاختيار أفصل تصميم لمكتبة الإسكندرية.
وفاز بالجائزة الأولى المكتب النرويجي (سنوهتا)؛ المهندس المصري إيهاب الحباك والذين قاموا جميعاً بتصميم مكتبة الإسكندرية الجديدة، بينما كان مكتب د. ممدوح حمزة هو المكتب الاستشاري للمشروع.
واستغرق إنشاء المكتبة (6) سنوات من (1995 حتى 2001)، وفي (19 أكتوبر 2002)، تم الافتتاح الرسمي لمكتبة الإسكندرية ، ويذكر د. مصطفى الفقي مدير مكتبة الإسكندرية أن مصر لطالما كانت سفيرة العالم في الثقافة ومصدر إشعاع ثقافي وتنويري، فالثقافة هي أغلى سلعة تصدرها للعالم، وهي المتغير المستقل في حركة المجتمعات الدولية. وأضاف أن مكتبة الإسكندرية تركت بصمتها على الساحة الدولية في هذا المجال، كما يؤكد الفقي أن المكتبة تسعى إلى أن تكون مركزاً للتنوير، وتعزيز الحوار والنقاش العام، من خلال الفعاليات المتعددة التي تقوم بها، سواء في (صالون الإسكندرية)، و(رواق المعرفة)، و(بيت السناري)، والتوثيق والنشر العلمي.
ويوضح أن المكتبة لا تخاطب النخب المثقفة فقط، بل تسعى من خلال (سفارات المعرفة) التي بلغ عددها عشرين سفارة إلى الوصول للباحثين والدارسين في مختلف المحافظات، والتي تتيح لروادها الاطلاع على مصادر المكتبة بالجامعات المتعددة، ومتابعة الأنشطة التي تجرى فيها لحظة بلحظة من أي مكان، كما أنها تمتلك إمكانات مادية وبشرية مهمة، وقد شهدت العديد من الفعاليات المهمة محلياً وإقليمياً ودولياً، منها مؤتمر مواجهة التطرف السنوي، ومؤتمر الفن الإسلامي يواجه التطرف، وإطلاق جوائز سنوية للشباب المبدعين وتوثيق ذاكرة العرب.

ويرى الدكتور خالد عزب رئيس قطاع المشروعات في مكتبة الإسكندرية، أن المكتبة تخطت المفهوم المتعارف عليه في وجود الكتب والاطلاع عليها، فقد أصبحت مصدراً لإنتاج ونشر المعرفة في كافة تخصصاتها، لأنها تملك مراكز بحثية لإنتاج ما يحتاج إليه الإنسان والدولة والمجتمع على الصعيدين المحلي والدولي، وذلك يظهر في حجم الخدمات التي تقدمها المكتبة والتي جعلتها من أفضل (10) مكتبات على مستوى العالم، ليتسع مفهومها من مجرد مكتبة أو مركز ثقافي إلى مؤسسة ثقافية تنويرية معنية بالعلم والثقافة والفنون، من خلال تقديم أكبر وأهم المشاريع الثقافية، وتمتلك مجموعة كبيرة من الخدمات المقدمة على شبكة الإنترنت، وهذا ما جعل زائريها يصلون لنحو المليار زائر، أيضاً تعد أكبر مركز ثقافي منتج للمعرفة على شبكة الإنترنت باللغات المتعددة ومنها العربية، وهذا ما يميز خدماتها، فضلاً عن أنها تمتلك نحو (2,200) مليون كتاب، ومن أهم خدماتها مشروع (المكتبة الرقمية العالمية المعنية بالتراث العالمي)، والذي كان بمبادرة من مكتبة الكونجرس الأمريكي وبرعاية ومشاركة تقنية من مكتبة الإسكندرية، وتم إطلاقه في عام (2009)، والتي قمنا بضخ مجموعة هائلة من المخطوطات والكتب النادرة منها (وصف مصر)، والأفلام والصور بسبع لغات؛ العربية والإسبانية والإنجليزية والفرنسية والبرتغالية واليابانية والروسية، ويهدف هذا المشروع الضخم إلى تضييق الفجوة الواسعة بين الثقافات والشعوب.
أيضاً من أهم المشاريع (ذاكرة مصر المعاصرة)، وفيه توثيق للقرنين (19و20) من تاريخ مصر، من خلال الوثائق والصور والشخصيات والحياة الاجتماعية والعملات والمقالات، ومن خلال شبكة الإنترنت وبالتعاون مع المعهد الدولي للدراسات المعلوماتية، ويحتوي الفهرس على (14) مدخلاً نوعياً للمواد المختلفة، ويضم نحو (120) ألف مادة، فضلاً عن الصور ويبلغ عددها نحو (82538).
ثم يأتي (مشروع ذاكرة العرب)، وهو من أكبر المشاريع لتوثيق تراث الشعوب في الوطن العربي خلال القرنين الأخيرين، خاصة أن بعض الدول تعرضت لحروب دُمّر بعض تراثها مثل العراق واليمن والصومال وسوريا، ويعمل عليه عدد من المراكز البحثية، وقد تم جمع الأرشيف الصحافي والصور والوثائق لكل بلد عربي، ويسعى هذا المشروع للحفاظ على التراث العربي وسينطلق العام القادم.

وأضاف، نعمل على إحياء الأماكن الأثرية وجعلها مراكز لتعليم الفنون والمعرفة داخل الأحياء الفقيرة مثل (بيت السناري) بحي السيدة زينب، كما نقيم العديد من الندوات والمؤتمرات التي تهم المجتمع مثل (مؤتمر مكافحة الإرهاب والتطرف)، والتي جاءت على عدة محاور، الأول إقامة دورات عن الثقافة العربية بلغت (31) دورة في قرى ومدن مصر، واستهدفت الشباب من (15 إلى 35) سنة، أما المحور الثاني فيقوم على الرصد والتحليل والبحث؛ فيرصد اتجاهات المتطرفين وكيفية تفكيرهم، ومن جانب آخر نهتم بغرس قيم التفكير المستقبلي وترسيخ علة المستقبليات ونشرها في سلسلة (أوراق) التي تصدرها المكتبة، لتحفيز الجيل الجديد على النشر في هذا العلم.
ومن أهم القطاعات في مكتبة الإسكندرية، قطاع التواصل الثقافي، لأنه يعد ذراع مكتبة الإسكندرية للتواصل بينها وبين المجتمع ونشر وإتاحة المعرفة، والمنصة التي ترعى وتشجع الإبداع الفني والابتكار العلمي لجميع الفئات العمرية كما يقول د. محمد سليمان رئيس القطاع، وذلك من خلال تنظيم عدد من الأنشطة والفعاليات، التي تدور بصورة أساسية حول الفنون والعلوم والتراث، ويضم القطاع بين جنباته مجموعة مهمة من المتاحف، وهي: متحف الآثار ومتحف المخطوطات ومتحف السادات، إلى جانب متحف تاريخ العلوم ، إضافة إلى عدد من المراكز العلمية والثقافية والفنية.
ويتابع رئيس قطاع التواصل الثقافي: كما نقوم بتنظيم عدة مؤتمرات سنوية، هدفها ترسيخ المفاهيم العلمية، والتوعية بأهمية العلوم والتكنولوجيا والتراث والفنون عند طلبة المدارس والجامعات، ولعل من أبرز هذه المؤتمرات مؤتمر (إنتل للعلوم والهندسة)، ويجذب الانتباه إلى أهمية البحث العلمي والأسلوب المناسب لتنفيذه، من خلال مشروعات تقدم من الطلبة ويتم اختيار العشرة الأوائل لتمثيل مصر في إحدى أكبر المسابقات على مستوى العالم في معرض (إنتل الدولي للعلوم والهندسة) في الولايات المتحدة الأمريكية. 
وقد بلغ عدد زوار متحف المخطوطات، حتى نهاية عام (2017) نحو (14) ألف زائر، كما بلغ عدد الزيارات لمتحف السادات ما يقرب من (38) ألف زائر، وكذلك عدد زيارات متحف الآثار بلغ ما يقرب من (41) ألف زائر.
ثم تأتي (سفارات المعرفة) التابعة لقطاع التواصل الثقافي، فقد بلغت حتى الآن عشرين سفارة منتشرة خارج الحيز الجغرافي لمدينة الإسكندرية، لتكون نموذجاً مصغراً للمكتبة الأم، وامتداداً لها في كافة المحافظات داخل أروقة الجامعات المصرية وذلك خدمةً للباحثين والطلاب.
كذلك يعمل مركز المخطوطات حالياً على إصدار العدد الأول من أول دورية متخصصة في علوم المخطوطات باللغات الثلاث؛ العربية والإنجليزية والفرنسية، والتي سيتم إصدارها سنوياً، ونتيجة لمجهود قطاع التواصل الثقافي الملموسة، فقد حصل على عدد من الجوائز خلال العامين الماضيين، حيث فاز متحف المخطوطات بجائزة (يوم في متحف) للأطفال التي منحتها له اللجنة الوطنية المصرية للمجلس الدولي للمتاحف
ICOM Egypt في شهر مايو من عام (2017).
ويؤكد د. حسين عبدالبصير مدير متحف الآثار والمشرف على مركز د. زاهي حواس للمصريات بالمكتبة، أنها تتميز بوجود (6) متاحف منها (5) داخل المكتبة نفسها، وأهم هذه المتاحف هو متحف (الآثار) الذي يسجل حضارة مصر منذ العصر الفرعوني مروراً باليوناني والقبطي ثم الإسلامي، ويضم نحو (2276) قطعة أثرية منتقاةً من مواقع ومتاحف مصرية، ليتميز هذا المتحف بالتنوع ثقافياً وحضارياً، لأنه يرصد حضارة (5000) عام، ويعد من أهم مقتنياته (رأس الإسكندر الأكبر)، ومن أهم محتوياته متحف المخطوطات و(كسوة الكعبة)، ثم متحف الإسكندرية عبر العصور ليشكل بانوراما عن المدينة ويستعرض أقدم العصور في مدينة الإسكندرية حتى القرن الـ(20).
وتوضح لمياء عبدالفتاح رئيسة قطاع المكتبات أن قطاع المكتبات يحتوي على كتب سمعية وبصرية وأيضاً دوريات، فضلاً عن الكتب الإلكترونية وتبلغ الأوعية المعرفية نحو (2,200) مليون كتاب.
ويحتوي قطاع المكتبات على المكتبة الرئيسية، التي تقدم خدمات أساسية هي خدمة المراجع والبحث والتواصل الإلكتروني وإعداد قوائم مختارة من المراجع في موضوعات معينة، ونقدمها للباحثين باستقطاب المادة العلمية من (قطاع البحث الأكاديمي).
ويؤكد محمود نخيلة نائب مدير إدارة الأمن الصناعي والسلامة المهنية، أن المكتبة تتبع أنظمة عالمية للحفاظ عليها من الكوارث الطبيعية والسرقات، ويقول: نتبع أنظمة آلية وأنظمة يدوية، فضلاً عن أنظمة متعددة للإطفاء في حالة وجود حريق، ويضيف: يقوم قسم الأمن والسلامة، بعمل خطط للكوارث وخطط للأزمات لحماية المكتبة، إضافة لإطلاعنا على أحدث الأجهزة التي تخص الأمن والسلامة على مستوى العالم، بما يتناسب مع مقام مكتبة الإسكندرية ومكانتها العالمية.

إضافة تعليق

1 + 2 =
Solve this simple math problem and enter the result. E.g. for 1+3, enter 4.