مكتبة تبحث عن صاحبها

يروي البرتو مانغويل في كتابه «المكتبة في الليل» كيف كان الكاتب خورخي لويس بورخيس يؤثر الجلوس في مكتبته بعد فقدانه النظر، من حوله الكتب التي يحبها والتي أمضى حياته يقلّب صفحاتها بنهم وشغف إلى أن أصيب بالعماء في الخمسين من عمره. لم يكن الفردوس وحده كما تخيله هذا الكاتب الأرجنتيني الكبير، يحمل شكل مكتبة، بل الحياة على الأرض أيضاً، حياته التي سيّجتها القصص والحكايات الغرائبية. ولعل مانغويل أخذ عن بورخيس هذا الولع بالكتب والمكتبات، منذ أن كان يقرأ له كتباً حال عماؤه دون قدرته على قراءتها. ثم راح يواصل المشروع الذي لم يكمله صاحب «كتاب الألف»، جائباً عبر القراءة والسفر، حضارات التاريخ والمكتبات القديمة والجديدة، بغية كتابة سيرة مبتكرة للكتاب والمكتبة والقراءة والقارئ. لكنّ مانغويل لم يقلد أستاذه بل سلك مسلكاً مختلفاً في الأسلوب واللغة والرؤية. ومثلما علمنا بورخيس كيف نحب الكتب والمكتبات، علمنا هذا الكاتب الأرجنتيني الذي اختار الانكليزية لغة للكتابة بعدما أصبح مواطناً من العالم، كيف نطور هذا الحب ليصبح شغفاً وهاجساً، من خلال كتبه التي دار معظمها حول المكتبات والقراءة. وهو راح عبرها ينبش التاريخ القديم، وبعضه لم يبق منه سوى أطلال، مستعيداً حكايات الكتب والمكتبات، ومآسيها في أحيان وقد تمثلت في إحراقها وتدميرها.
كم أصاب بورخيس عندما شبّه الفردوس بالمكتبة. هل أجمل من أن يقضي المرء أبديته بين الكتب؟ لكنّ الكاتب الايطالي شبه الملحد امبرتو إيكو تخطى بورخيس في حماسته فوصف الخالق بالمكتبة. وهذه صفة لا يوافقه عليها رجال الدين على اختلاف مشاربهم. ويجب ألا ننسى أن إيكو هو واحد من كبار القراء المأخوذين بالمكتبات التي يعدّها المكان المملوء بـ «اللقى» الثمينة. وروايته «اسم الوردة» دليل ساطع على شغفه بالكتب، فهو جعل المكتبة أشبه بـ «المتاهة» التي تنتهي بمن يتوه فيها، إلى مرآة نفسه. وكم كانت ذكية معادلة الكتب الفكاهية المسمومة الهادفة إلى قتل قارئها بحجة دينية.
ليس في العالم ما هو أجمل من مكتبة. مكتبتك الخاصة هي مملكتك الواسعة. كلما ضاقت بك الأمكنة ومنها الوطن، وجدت فيها فسحة لا تخوم لها. العالم هنا، التاريخ، الجغرافيا، السماء، والحروف التي تخلق لك فضاء تلو فضاء... ليس أوسع من مكتبة صنعها صاحبها بحسب مزاجه ونزواته وميوله وهواجسه. الكتب لا تنتهي مهما قرأتها وعاودت قراءتها، ولكن الشرط أن تكون كتبك أنت، الكتب التي تهوى قراءتها. ومثلما لكل قارئ كتبه، لكل قارئ مكتبته. بنظرة واحدة تستطيع أن تعلم أنّ هذه المكتبة ليست لك، وأنّ لا زاوية لك فيها. إنها مكتبة الآخرين، الآخرين الذين وجِدوا لها ووجِدت لهم. لكنّ الأمر يختلف في المكتبات العامة. هنا كل القراء يلتقون. كل قارئ يجد نفسه أمام الجناح الذي يجد فيه ما يهوى من كتب وعناوين. وربما هنا يكمن سر المكتبة العامة وسحرها أيضاً.
عندما كنت أقصد المكتبة العامة، لم أكن أشعر أن الوقت يمر. أنت بين الكتب، أنت في غابة من الكتب، تقرأ، تفلفش، تقلّب الصفحات بحثاً عن مقطع أو جملة... إنها المكان الذي تخرج إليه كما في نزهة. ولم يخطئ منشئو مكتبة الإسكندرية القديمة عندما كتبوا على إحدى لوحاتها «المكتبة مستشفى العقل». إنها مستشفى الروح أيضاً. أما رائحة هذه المكتبات فهي من أجمل وأغرب ما يمكن أن تتنسم من روائح. هذه الرائحة هي التي كانت تدفع بورخيس، على ما أظن، للجلوس في مكتبته. للمكتبات رائحة، رائحة غريبة وساحرة، هي مزيج رائحة الكتب والأرفف والجدران والمقاعد والكراسي والزمن... إنها الرئحة التي تبقى في الذاكرة والتي تتشابه بين مكتبة وأخرى. أبشع المكتبات هي المكتبات الحديثة التي تدخلها فلا ترى فيها كتباً ولا أجنحة ولا أرففاً... إنها المكتبات الالكترونية ذات الكتب الخفية التي تظهر على الشاشات. حتى رائحة مثل هذه المكتبات غير عطرة. إنها تشبه روائح الصيدليات.
أقف أمام مكتبتي وأستعرض الكتب. أنظر عالياً وإلى الأسفل وأسأل نفسي: متى سأنهي قراءة هذه الكتب؟ أعتقد أن المرء يحتاج إلى حياتين ليشبع غريزته في القراءة. لكنه إذا عاد سيكتشف أن كتباً أخرى جميلة صدرت وعليه أن يقرأها. كأنّ المكتبة وجدت لئلا تُقرأ كلها. يجب أن تبقى في المكتبة كتب تحتاج إلى من يقرأها. الكتب على الأرفف لا تضجر. إنها تعرف كيف تنتظر.
«المكتبة في الليل»... هكذا عنون البيرتو مانغويل أحد كتبه. لكنّ المكتبة هي في الليل كما في النهار كما عند الغروب. المكتبة هي دوماً بشمسها وقمرها... ونجومها.

إضافة تعليق