مكتبة ليدن الهولندية حكاية تسردها 4 ملايين كتاب

صنف مكتبة جامعة ليدن في هولندا، من بين أهم المكتبات في العالم وأعرقها، فهي تضم كما هائلاً من الكتب والمخطوطات النادرة. كما يوازي قيمتها ومكانتها تلك، ما تمثله وتجسده على صعيد الثقافة والتاريخ الاوروبي والعالمي، كونها تعد صرحا ثقافيا وعلميا، إذ واكبت تقدم الجامعة نفسها، وتأسست في عام 1575، ومن ثم تماشت مع مراحل تطورها المتلاحقة. ولعبت مكتبة ليدن، في ظل دورها التنويري على صعيد اوروبا، مذاك، كبير الدور في التأسيس لقاعدة معرفية وعلمية ثرية في أوروبا بشكل عام.
وتشتمل المكتبة، حسب احصائية شهر يونيو لعام 2000، على 50 ألف منشور، 60 ألف مخطوطة اصلية ومستنسخة، 450 الف رسالة، 70 الفاً من الخرائط والرسوم، 40 الف صورة فوتوغرافية. كما أنها تضم، في الوقت الحالي، ما يزيد على 3.5 مليون كتاب (البعض يقدر العدد بـ 4 ملايين)، في الحقول المعرفية والعلمية والثقافية كافة.
vv
مفردات جمال
تحاكي وتناغم مكتبة جامعة ليدن، مفردات جمال المدينة التي تتركز فيها ضمن هولندا: (مدينة ليدن)، التي تتزيا بملامح جمال طبيعي، غنية بالزهور وجداول المياه، إضافة إلى مبان كلاسيكية جاذبة وجسور فريدة. ولا ينفصل تاريخ المكتبة وحكايات تطورها ودورها عن تاريخ المدينة وحالها. إذ تصنف واحدة من المدن التي صنعت تاريخ هولندا. فبعد انتهاء حرب الثمانين(1568 ـ 1648) بين هولندا واسبانيا، بدأت الأولى تخطط لتكوين هوية خاصة بها، وكيان ثقافي مميز. وبذا أنشئت أول جامعة في ليدن.
وخصصت قاعة صغيرة لاحتواء المكتبة التي كانت كتبها عبارة عن هبة من الامير وليام، الذي عرف عنه تعلقه بالعلم والثقافة. وبعد عشر سنوات أصبح عدد الكتب فيها (بين عامي 1568 ـ 1573)، 500 كتاب، ولكن مع بداية القرن الثامن عشر وصل عدد كتبها حوالي 25 ألف كتاب، تتخصص في مختلف حقول العلوم الانسانية والطبيعية والطبية.
اتساع حركة الثقافة
عندما بدأت حركة الثقافة الهولندية، تتجه نحو مدينة ليدن، وعبرت، غرف المكتبة، بفعل التطوير والتحسين، القناة التي تفصلها عن جامعة ليدن، لتتسع في الضفة المقابلة لها، تحقق أفق تطور نوعي للمكتبة، وهكذا توزعت على ضفتي القناة، ذاك عقب أن كانت بنايتها في أول تأسيسها، مكونة من طابق واحد، ثم توسعت على ضفتي القناة، وأصبح عدد الكتب فيها 25 ألف كتاب..
وكذا بنيت مكتبة خاصة تستوعب مفردات تنامي حركة الثقافة ضمنها، لتصبح، حاليا، مكونة من خمسة طوابق، يحتوي الطابق الأول منها فقط على مليوني كتاب، وأما في العام 1587. فكانت مكتبة ليدن تتضمن كادر عمل متواضع، إذ كان يعمل فيها 23 موظفاً فقط. واعتادت أن تفتح أبوابها، لعدة ساعات في الأسبوع. لكن، وبدءا من القرن السابع، شرعت تفتح أبوابها، اسبوعيا، خلال أيام: السبت والأربعاء، من الساعة الـ2 بعد الظهر وإلى الـ4 مساء. وبقيت تعمل بهذا النظام، حتى القرن التاسع عشر.
الحرب العالمية الثانية
عندما نشبت الحرب العالمية الثانية كانت هولندا من الدول المهددة بخطر الاحتلال النازي، وأثناء ذلك، عمدت سكرتاريا المكتبة إلى التنسيق مع عدد من اصحاب المكتبات الخاصة في ليدن، بهدف وضع الخطط والبرامج الكفيلة بحمايتها من الخطر القادم، آنذاك، والحؤول دون وقوع محتوياتها بين يدي النازيين.
وما ان احتلت المانيا هولندا، حتى الغت وظائف 20 من العاملين ضمن كادر عمل المكتبة، ثم سيطرت سيطرة تامة على محتوياتها، ذاك بعد أن كانت، حينها، قد شهدت مشروعات توسعة وتطور كبيرة، فأفلحت في زيادة كل ما تحتويه أرففها من مؤلفات ووثائق، والتي بلغت أرقاما عالية جدا بمقاييس تلك السنين.
قنوات تواصل
ومع نهاية الحرب العالمية الثانية، وتعافي المكتبة ورجوعها الى خط تطويرها ونمائها المستديمين، بدأت تتغير الكثير من المفاهيم السائدة في طرق الاستعارة والقراءة لديها، وتوازى ذلك مع انطلاقة ثقافية نوعية في هولندا، كجزء من النهضة الشاملة، تحديدا بين عامي 1947 ـ 1961. وكان نتاج ذلك بالنسبة للمكتبة، تزايد عدد العاملين فيها..
وازدحام مخازنها بالكتب القديمة والحديثة، ونجاحها في تعزيز قنوات التواصل والتفاعل مع مكتبات عالمية كثيرة. كما أنها افتتحت جناحاً خاصاً للكتب الطبية، فتأسست ضمنه أول مكتبة للعلوم الطبية. وترافقت هذه القضايا، مع وضع الدولة ميزانية خاصة بها، تكفل استيعاب جميع متطلبات تطورها وتحسينها، وتلبي احتياجات مشروعاتها الجديدة.
1984
شكل العام 1984، نقطة مرحلة ارتقاء ونماء، مهمة، في تاريخ مكتبة ليدن. إذ افتتحت الملكة الهولندية بياتريس، المكتبة مجددا، بعد عمليات التطوير والتحسين في مبناها، المكون من خمسة طوابق، والمتضمن لمجموعة من الاقسام . ووازى ذلك، الاعلان عن ان المكتبة ستفتح ابوابها للقراء طوال 70 ساعة في الاسبوع، ومن ثم ازدادت الفترة المخصصة، في عام 1994 الى 80 ساعة. وايضا استحدثت المكتبة مجموعة خاصة من القراء، أسمتها: "اصدقاء مكتبة جامعة ليدن".. ومنحت أعضاءها امتيازات خاصة في نظام الاستعارة.
الخزائن الزجاجية
لا يمكننا النظر إلى مكتبة ليدن، في واقع الحال، كمكتبة اعتيادية تضم مجموعة من الوثائق والكتب والخرائط، بل إنها نموذج فريد للنظام المكتبي المتكامل والمتطور. ويمكننا ان نلمس جودة اعمالها، وتميز أسلوب تعاطيها من خلال طريقة عملها في حفظ الوثائق القديمة، خاصة الخرائط والمصورات التي تحفظ في خزائن زجاجية، وذلك وفق أدق الشروط وانجعها، وبطريقة مثلى تكفل صونها من التلف والسرقة، وتفي بأغراض حفظها عليه كما لو كان هو إرثها.
الشرق العربي والإسلامي
كانت هولندا واحدة من مجموعة الدول الأوروبية التي اهتمت بالمشرق العربي والعالم الإسلامي، وموروثهما العلمي، فخلال الـ400 سنة الماضية، استحدث ضمن جامعة ليدن أول قسم للاستشراق. كما تأسست، ايضاً مدرسة لتدريس تعاليم الدين الإسلامي واللغة العربية. كما أنها تشتمل على أقدم مطبعة بلغة برايل. كذلك قدم القسم نفسه، مئات الكتب العربية والإسلامية، مترجمة الى الهولندية.
استعارة إلكترونية
توفر مكتبة ليدن خدمة نوعية لروادها وزوارها، ولجميع الراغبين، إذ تتيح للجميع الاستفادة من طريقة الاستعارة الإلكترونية، المتوافرة لديها. فأي الاشخاص، وضمن أي بقعة في العالم، يستطيع ان يستعير الكتاب منها، بنسخة الكترونية، او عن طريق الانترنت او المراسلة.
وتحتوي أيضا على: المكتبة السمعية الخاصة بالتسجيلات على الاشرطة، المكتبة البصرية التي تقرن الصورة بالشرح، مجموعة شاملة من الاقسام المكتبية ذات التخصصات المتفرعة ( ومن بينها: الارشيف واللغات والتعليم الاكاديمي).
حرص على اقتناء المخطوطات والمؤلفات العربية والإسلامية
جامعة ليدن، التي تحتوي على مكتبة تعد من أعرق المكتبات العالمية والتي تنبه أصحابها والمشرفين عليها ومخططي ومهندسي استراتيجيتها منذ القدم، تنبهت مبكرا، خلافا لنظيراتها في العالم، إلى دور الحضارة العربية والاسلامية.. وضرورة جمع الوثائق والمؤلفات التي أنتجتها. فاهتمت بجلبها من مختلف الاصقاع. وعملت جاهدة على شراء الكتب والمخطوطات والمصادر، من البلاد العربية والاسلامية، ومن كل مكان..
وحيث وجدت هذه الجواهر الثمينة، وهكذا بذلت المكتبة جهودا كبيرة ووظفت إمكانات هائلة، من أجل الوصول إليها والحصول عليها بأي ثمن، ذلك مع عدم إدراك بائعيها لقيمتها الحقيقية وجلبوها للاستفادة منها، لأن هذه الجامعة تهتم بجمع كل ما ينشر قديما وحديثا في عالمنا العربي والإسلامي، من مجلات وصحف سياسية وثقافية واجتماعية واقتصادية ودينية.
«كراسة ليدن».. وأنظمة حفظ الكترونية
اعتمدت مكتبة ليدن، وبعد أن تزايد عدد الكتب والوثائق فيها، تحديدا في عام 1988، على طريقة حفظ خاصة، سميت "كراسة ليدن"، تمتاز بسمات تطور لافت يواكب احدث التقنيات، ومن ثم تطور نظام الاعتناء بالمحتويات. فأصبح عن طريق الكمبيوتر، وبذا حفظت عبر المكتبة كل ما تملك من كتب وصحف ووثائق وأرشيف. وتضم المكتبة الآن أقساما كثيرة، منها: علوم الانسان، الفنون، علم الفلك، علم الآثار، وفن رسم الخرائط، الآداب، وغيرها من العلوم.

إضافة تعليق