مكونات صورة الإسلام والمسلمين في المقررات والكتب المدرسية في الغرب

تعد المقررات والكتب المدرسية المرتبطة بمادة التاريخ المجال الأكثر تناولاً لصورة الإسلام والمسلمين. وبمراجعة مناهج التاريخ المدرسية في الغرب،

تنويه: هذه المقالة مقتطفة من كتاب "الإسلام والإعلاموفوبيا" الصادر عن دار الفكر- الصفحات 39، 40، 41، 42
--------
 للبحث عما ذكرته عن تاريخ الآخر عامة وتاريخ العرب والمسلمين خاصة، وجد الدارسون الذين اهتموا بهذا الموضوع أن معظم الدول الغربية تشيد بتاريخها المجيد؛ وتندد بتاريخ الآخر وتشوهه عمداً أو دون عمد. وأجمع هؤلاء الدارسون على خطورة هذه الظاهرة، وأطلقوا عليها مصطلح ( Eurocentrisme ) أي المحورية العرقية الأوربية التي تجعل من أوربة محور العالم والثقافة والتاريخ، وتهمش تاريخ الشعوب الأخرى ومن ضمنها الشعوب الإسلامية.
وتعد ظاهرة (تهميش الآخر) نوعاً من رفض (الآخر)؛ أي الإنسان المسلم والحضارة الإسلامية المختلفين عن الإنسان الغربي الأوربي وحضارته، وعدم قبول التعرف عليهما وعلى مكوناتهما وعلى دورهما في تاريخ الإنسانية وحضارتها. وتعكس هذه اللامبالاة واحتقار تاريخ الآخر وحضارته، خاصة تاريخ الإسلام والمسلمين، الرفضَ الواعي المتعمد أو غير الواعي للآخر. وقد حرص الأوربيون منذ العصور الوسطى وعبر الأجيال على تصوير الآخر؛ أي المسلم وكل ما يتعلق به، بأسلوب منفر بقصد تشويه صورته حتى يخاف منه الطلاب في أول لقاء لهم مع الإسلام والمسلمين على صفحات كتب التاريخ المدرسية، لينضاف ذلك إلى ما تروجه برامج وسائل الإعلام الموجهة إلى الأطفال من رسوم متحركة ذات مضامين محتقرة للإنسان المسلم وحضارته وقيمه الدينية والثقافية.
ومع أن المناهج الدراسية الأوربية تحاول الحفاظ بقدر الإمكان على العلاقات الدبلوماسية الموجودة بينها وبين الدول الإسلامية منذ بداية القرن الماضي، ومراعاة المواثيق والمعاهدات الدولية التي تربط بين الدول والتي تنص على احترام حقوق الإنسان وحقوق الأقليات في جميع أنحاء العالم، فإن الصورة التي تقدمها معظم هذه المناهج عن الإسلام والمسلمين لا تزال مشوهة وعالقاً بها كثير من الشوائب والمغالطات المتعمدة، وكثير من النواقص وعدم الاهتمام بالجوهر، والتركيز على الأنماط المتكررة والأفكار المتوارثة.
فالمقررات والكتب المدرسية لمادة التاريخ في فرنسة مثلاً - مازال يوجد بها كثير من الشوائب والسلبيات، والإغفال المتعمد للحضارة العربية والإسلامية، وقد يرجع ذلك إلى الخلفية التاريخية والآثار المترتبة عن استعمار فرنسة لدول إسلامية في المغرب العربي، والسياسة الاستعمارية التي اتبعتها فرنسة لتشويه صورة المسلمين في هذه الدول وتحقيرهم والاستهزاء بمعتقداتهم. ولذلك ترسخت هذه الصورة السلبية عن المسلمين العرب والتصقت هذه التشوهات في أذهان الفرنسيين بالمسلمين عامة.
أما بقية الدول الأوربية الأخرى المجاورة لفرنسة فقد خطت خطوات كبيرة خلال السنوات العشر الأخيرة من القرن الماضي، ولا سيما النمسة وإنجلترة وإيطالية وألمانية والسويد والدانمارك وإسبانية والتي اعترف أغلبها بالإسلام رسمياً. وقد كانت صورة الإسلام والمسلمين متشابهة في أغلب كتب التاريخ المدرسية في هذه الدول، وأصبحت صورة بعيدة إلى حد ما عن التشوهات السابقة على وجود بعض السلبيات، خاصة الإغفال المتعمد لفضل الحضارة العربية والإسلامية على الحضارة الإنسانية، وفضل العلماء العرب والمسلمين في الأندلس في العصر الذهبي للإسلام على النهضة الأوربية في القرن الخامس عشر الميلادي.
غير أن الأمور في فرنسة ظلت مختلفة تماماً؛ حيث لا زالت صورة الإسلام والمسلمين في المقررات والكتب المدرسية المتداولة صورة مشوهة، وفيها كثير من الشوائب والسلبيات بدرجات متفاوتة في طبعات مختلفة لدى ناشرين متعددين، من أكثرها انتشاراً طبعات هاتييه ( Hatier ) وهاشيت ( Hachette ) وبلين ( Bellin ) وناثان ( Nathan ) وبورداس ( Bordas ). وتحتوي كل هذه الطبعات على المنهج نفسه تقريباً، ويتم تدريسها في المدارس الحكومية أو المدارس الخاصة، إذ إن كل مدرسة تختار كتاب التاريخ من بين مختلف الطبعات وتقرره لتلاميذها، ولا يتم تعديل هذه الكتب إلا كل خمس سنوات.
وباستعراض معظم هذه الكتب وتحليل ما تذكره عن الإسلام وعن المسلمين توصلت الدكتورة فوزية عشماوي في دراستها حول الإسلام في المقررات الدراسية الأوربية إلى أن عدد الصفحات المخصصة للشرق وحضاراته، بما في ذلك الحضارتين البيزنطية والصينية، يقل عن 10% من إجمالي كتاب التاريخ، والنسبة المخصصة للحضارة الإسلامية داخل الحضارات الشرقية لا تتعدى نسبة 4.5% من إجمالي المقرر الدراسي، وهي نسبة ضئيلة جداً بالمقارنة بباقي المقرر أي نسبة 5.5% المخصصة لتاريخ أوربة وأمريكة.
وبمراجعة كتب التاريخ الفرنسية المذكورة سلفاً توصل الباحث (هنري دال بيب) في دراسته حول صور الشرق في كتب التاريخ الفرنسية إلى أن كتاب هاتييه للتاريخ ( Hatier ) في طبعة عام 2001م المخصص للصف الثالث الإعدادي، خصص أكبر عدد من الصفحات لعرض الحضارة الإسلامية، حيث بلغ عددها أكثر من عشرين صفحة من مجموع 288 صفحة بنسبة 7% تقريباً. وهي أعلى نسبة بين جميع الكتب والمقررات الدراسية التي تناولها الباحث (هنري دال بيب) في دراسته المذكورة.
ويمكن تحديد مكونات صورة الإسلام والمسلمين في المقررات والكتب المدرسية في الدول الأوربية من خلال بعض القضايا المحورية التي تم التركيز عليها في هذه المقررات، نذكر منها على سبيل المثال لا الحصر المحاور المتعلقة بالقرآن الكريم وشخصية الرسول (ص)، والحضارة العربية الإسلامية، وفضل العلماء العرب المسلمين على النهضة الأوربية، والقوالب النمطية للمسلمين، ومكانة المرأة في الإسلام، والحج والجهاد.
 

إضافة تعليق

2 + 2 =
Solve this simple math problem and enter the result. E.g. for 1+3, enter 4.