ملحمة "ممو زين" الكردية

ملخص ملحمة روميو وجولييت الكردية يقول أن الأميرة زينة التي تنكرت بهيئة الرجال مع أختها ستي بحثاً عن حبيب لها، تقع في حب الشاب مم في يوم الربيع النيروز لكنّ حاجب أخيها الأمير عز الدين"بكو"والذي يشبه في بشاعته القس الشرير في رواية الفرنسي فكتور هيغو"احدب نوتردام"، يعلم بالحب فيغلي حسداً ويشي بحبهما لأخيها. يقرر الأخ أن يحرمها من الزواج - كما فعل أبو ليلى مع قيس بن الملوح - حتى لو كان مم آخر الرجال في الأرض. تسير الأقاويل بحبهما ولوعتهما وعشقهما، يتضايق الأمير عز الدين فيأمر بسجن العاشق مم فيموت مسلولاً ومسجوناً. يذهب رواة القصة إلى الجمع بين الحبيبين في التراب، وفي العالم الآخر، بل ويدفنون مفرقهما"بكو"تحت قدميهما فلولاه لما كانت ملحمة مم زين"أجمل قصة حب نبت في الأرض وأينع في السماء"العنوان الفرعي لملحمة مم زين في الترجمة العربية، التي نثرها بتصرف الأستاذ في كلية الشريعة جامعة دمشق، مواطن العاشقَين، محمد سعيد رمضان البوطي عن قصيدة الشاعر احمد الخاني والمزينة بالمفردات العربية الإسلامية.
يقارن نور الدين ظاظا في توطئة الترجمة الكردية النقدية للملحمة عن الفرنسية بين روايتي الملحمة: رواية الباحث والمستشرق الفرنسي في الشؤون الكردية روجيه ليسكو التي نقلها عن رواة وشعراء أكراد شفاهياً أهمهما ميشو برازي وصبري مهاجر وطبعها في عام 1942 بعنوان"مم آلان"، في بيروت بمساعدة الأمير جلادت بدرخان، وبين رواية الشاعر الكردي الصوفي المعروف احمد الخاني والمكتوبة بالأوزان الشعرية العربية والمعنونة"مم زين"فيجد فروقاً بين القصتين أهمها: إن مم صيغة التحبب لاسم محمد بالكردية اخذ صبغة إسلامية في رواية الخاني، وبعض الروايات ينسب مم إلى ولادة أسطورية، مم خاني شجاع ونبيل وكريم، فارس، رومانسي صوفي، يموت في محبسه وهو يلهج بالصلوات والأدعية، ويكاد أن يتحول من عاشق مأسوي تراجيدي إلى عاشق صوفي على غرار رابعة العدوية. أما في الرواية الكردية الأصلية الفرنسية فهو يتصف بصفات بشرية مادية: عاشق ولكنه قاسي القلب، وأناني ومتكبر وظالم، بدليل أن يكاسر خطيب"زينة"جكو ويخطبها على خطبته لها، وغير لطيف فعند لقائه معها قرب النبع تخلو لغته من عبارات الحب، ويخادع جماعته ليعود إلى زينة متسللاً إلى مخدعها. زينة هي نفسها في الروايتين، زينة شخصية نمطية، مرد ذلك ثبات النمط الأنثوي في المخيال الذكوري الكردي، فهي خجولة وعاشقة، وواثقة، وحكيمة وجميلة وطيبة القلب وملتزمة ووفية. وكذلك بكو شر مطلق في الصياغتين. عنوان الشاعر خاني أجمل بكثير من عنوان النسخة الأصلية والتي ينحاز لها المترجم عبدالناصر حسو والمقدم ظاظا إصدار دار التكوين - دمشق- 2006
تستعير"مم آلان"بدايتها من حكاية شهرزادية عنوانها"حكاية الملك قمر الزمان ابن الملك شهرمان"مع استبدال الجنيين ميمونة والعفريت دهنش بثلاث جنيات يجمعن مم وزينة في سرير واحد، لليلة واحدة ثم يفرقن بينهما بعد تبادلهما خاتميهما.أما رواية الخاني فهي متماسكة وتتمتع بالوحدة العضوية والتماسك الداخلي والتناغم والتصاعد والانتظام وتخلو من التكرارات والتبسيطات التي تحتويها"مم آلان"التي مردها شفويتها وروايتها في ليال تستوجب بعض الإعادة للتذكر بالأحداث السابقة ووجود صغار بين المستمعين وتتضمن رواية الخاني نقداً سياسياً، فالأمير عز الدين شقيق زينة سطحي، والشاعر الخاني يحذر من خراب العمران الكردي وزوال الإمارة.
مهما يكن فان الملحمة المأسوية الرومانسية التي تجمع الأبحاث على وقوع أحداثها في القرن الرابع عشر الميلادي وثيقة أدبية رفيعة عن المرحلة المذكورة، وهي تحوي، إلى جانب ذلك عقائد وثنية قديمة مع غلبة الصبغة الإسلامية. كما تشي الملحمة بتمدن الإمارة الكردية الواقعة على ضفة نهر دجلة جزيرة بوطان والمؤلفة من 25 حياً ومن خانات وقصور كما تشير الملحمة إلى تعدد طبقات المجتمع المكون من أمراء وتجار ووجود أحياء فقيرة تضم المشردين والرعاع، وتؤكد على تقدم مكانة المرأة في الجماعة الكردية وتصف مواكب الحداد والاحتفالات. احد أهم مشاهد الملحمة هو مشهد مبارزة الأمير لمم في"حرب عقلية"ميدانها رقعة شطرنج، وهي مبارزة يخسر فيها مم حبيبته في الجولة الثانية، لان بكو اللئيم يقترح على الأمير تبادل المقاعد، فيسلب العاشق بجعله يرى حبيبته المطلة على الرقعة. تحفل الملحمة بأخلاق الفروسية، وعلاقة التآخي الاختيارية بين حسن ومم، كما تحمل آمال الأكراد في وحدة الإمارات بجعل بطلهم مم يأمل في توحيدها بلا نجاح.
تشبه قصة مم وزين روميو وجولييت في مسرحية شكسبير فهما يلتقيان في كرنفال أيضاً وينتهيان عشقاً حتى الموت. وهناك تشابه كبير مع قصة إغريقية رواها المؤرخ اليوناني شارس ميتلي، تتحدث عن شقيقين تملأ صورهما جدران معابد وبيوت آسيا، وهما هيستابيس وزارايادرس ابنا ادونيس وافروديت، الأول حكم بلاد ميديا والثاني حكم شمال بحر الخزر. وكان للملك هومارتيس الذي يحكم بلاد مارتان ابنة اسمها اواديتس، حلمت بزاياردس وأحبته كما حلم بها وأحبها، لكن الأب لم يوافق على طلبه ابنته الحسناء لرغبته تزويجها احد أفراد عائلته لضمان العرش في سلالته. تقول الأسطورة إن العاشق قطع المسافات مع أخيه لخطبتها وإخراجها من البلاط وسط دهشة الجميع. الصفات متشابهة بين شخصية مم وزاريادرس وبين زينة واواديتس وبين الأمير عز الدين وهوماريتس وبين بانكين وقائد العربة إلا إن الحكاية الكردية توسع الحكاية الام الإغريقية وتكردها وتصعدها... الحكايات والأساطير تهاجر مثل الطيور كما يشير الباحث فاضل الربيعي في كتابه"أبطال بلا تاريخ"الذي أورد أمثلة كثيرة على هجرة الأساطير وأظهر أن أسطورة قصر الخورنق وجزاء سنمار مأخوذة عن أسطورة المعماري تروفونيوس وان أسطورة زرقاء اليمامة مأخوذة عن اسطورة العرافة اليونانية العمياء كاسندر.
http://daharchives.alhayat.com/issue_archive/Hayat%20INT/2006/40/25/%D9%...

إضافة تعليق