منظومة إسلامية متكاملة لمكافحة الفساد

بتليت مجتمعاتنا العربية والإسلامية بظاهرة خطيرة تتمثل في استشراء الفساد والنهب المنظم لثروات الأمة وتهريب الأموال إلى الخارج، وتشير إحصائية صادرة عن مؤسسة الشفافية العالمية إلى أن الفساد يلتهم ألف مليار دولار من رصيد الاستثمارات المتداولة سنوياً على مستوى العالم، وأن العالم العربي يسيطر على ثلث ذلك الرقم وهو ما أدى إلى تراجع منحنى النمو في الاقتصادات العربية كلها، وهو ما يؤثر بالتالي في كل خطط النهضة التي تضعها الحكومات . ورغم محاولة الكثير من الأجهزة الرقابية محاصرة الفساد المالي والإداري الذي استشرى في مجتمعاتنا، إلا أن الأرقام مازالت تتوالى لتؤكد أن الفساد مازال يمثل الخطر الأكبر الذي يأكل معظم ثمار التنمية والنهضة المنشودة في عالمنا العربي وبلا أدنى شك فإن تخلص العرب والمسلمين من الفساد المالي هو أهم سبيل الوصول إلى النهضة .

يقول الدكتور أحمد جويلي  الأمين العام السابق لمجلس الوحدة الاقتصادية العربية: للفساد صور عديدة لا يمكن حصرها في قالب واحد، إلا أن أبرزها الواسطة والرشاوى وسرقة المال العام بطريقة مباشرة أو غير مباشرة، إضافة إلى الاحتكار والغش وغيرها من الرذائل التي تسبب انتشارها في عرقلة كل جهود التنمية التي تنشدها الأمة وتسعى إلى تحقيقها، وللأسف فإن الفساد الاقتصادي نما وترعرع في العديد من مجتمعاتنا العربية وأخذ صوراً عديدة، وهو ما يشكل عبئاً كبيراً على الاقتصاد العربي والإسلامي، ومن هنا لا بد أن ندرك أهمية الاقتناع بوجود الفساد كبداية حقيقية لاجتثاثه من مجتمعاتنا ثم يأتي بعد ذلك العلاج الذي أراه يتركز في أهمية تنفيذ القوانين الرادعة على الجميع من دون استثناء ولنتذكر جميعاً قوله صلى الله عليه وسلم: “إن الله يزع بالسلطان ما لا يزع بالقرآن”، فعلى الجميع أن يستيقظوا من سباتهم ويعملوا على مواجهة الفاسدين والضرب على أيديهم بيد من حديد حتى يكونوا عبرة لغيرهم .

يضيف د . جويلي: الأمة لو نجحت في مواجهة الفساد وتعطيل الفاسدين عن تحقيق مكاسبهم غير المشروعة لأمكنها أن تحقق وفرة مالية تستطيع من خلالها تنفيذ الخطط التي وضعتها المؤسسات المالية الإسلامية التي تهدف إلى تنفيذ عشرات المشروعات الاستثمارية الكبرى التي من شأنها تحقيق قفزات معتبرة في معدلات نمو الدول العربية والإسلامية ليعود المال ويلعب دوره المفقود في عالمنا العربي والإسلامي كأداة للتنمية، وباعتباره مسؤولاً عن تحقيق الرفاهية لملاكه المباشرين وللمجتمع العربي والإسلامي ككل .

 ظاهرة معطلة للتنمية

 يقول الدكتور حسين شحاتة أستاذ الاقتصاد الإسلامي بجامعة الأزهر: للأسف فإن آفة الفساد لم تعد محصورة في بلد معين أو قطاع معين بل أصبحت ظاهرة معطلة للتنمية في كثير من الدول العربية والإسلامية، وذلك بشهادة الأجهزة الرقابية في معظم هذه الدول ولا بد أن نعي ونحن نتعرض لتلك الظاهرة أن انتشار الفساد المالي والإداري تسبب في جعل الكثير من الموارد والإمكانات الاقتصادية العربية غير مستغلة بكفاءة، رغم ضخامة الموارد والطاقة الاقتصادية العربية، ويكفي أن نشير إلى أن التقرير الاقتصادي العربي الصادر عن جامعة الدول العربية يؤكد أن 30% من الإمكانات الزراعية العربية غير مستغلة بسبب الفساد والحال نفسه للقطاع التعديني باستثناء البترول، وكذلك بالنسبة لكثير من الموارد الاقتصادية الأخرى، ولهذا فقد آن الأوان لإيجاد منظومة رقابية جادة وموحدة في العالم العربي ككل من أجل إيجاد بيئة اقتصادية آمنة تجذب الاستثمارات العربية والأجنبية في آن واحد .

 ويشير إلى أن أهم سبل انتشار الفساد في الأمة يتمثل في غياب المرجعية الأخلاقية والذي يتسبب في عدم التزام الكفاءة والفاعلية وحسن الأداء واختلال مفهوم الحقوق والواجبات الذي لا يستقيم إلا من خلال علاقة متوازنة بين أداء الواجبات والمطالبة بالحقوق من قبل الأفراد والجماعات والدولة بحيث لا يطالب كل طرف بحقوقه قبل تأدية واجباته .

 سبل المواجهة

 وحول كيفية مواجهة هذا المرض الاقتصادي الخطير يرى الدكتور شحاتة أن مواجهة الفساد في الاقتصاد تتطلب في البداية وجود استعداد حقيقي لنخبة لديها الاستعداد لاتخاذ إجراءات حاسمة مهما كانت عواقبها لمكافحة كل صور الفساد، ومن أهم تلك الإجراءات ضرورة اختيار القيادات في المواقع الاقتصادية على أساس القيم والكفاءة من دون التأثر بالعواطف والنوازع الشخصية والضغوط الوظيفية وغيرها، لأنه إذا صلح القلب صلح سائر الجسد، وإذا فسدت الرأس فسد كل شيء . . وفي الوقت نفسه علينا أيضاً أن نستغل الإعلام وعلماء الدين للعمل على تنمية الضمير لدى الأفراد لمنع الوقوع في جرائم الفساد الاقتصادي، وذلك من خلال التربية الروحية والخلقية والسلوكية . . كذلك لا بد من تحرير أجهزة الرقابة من القيود والضغوط لتؤدي دورها في إطار من الحق والعدل والمساواة ونصرة المظلوم والأخذ على يد الظالم المعتدي .

 ويؤكد أن الإسلام بتعاليمه السامية وقيمه الفاضلة وضع قواعد للوقاية من جرائم الفساد الاقتصادي وحماية المجتمع من مخاطرها وآثارها فقد أمر الشرع برد الأمانة إلى أصحابها وأصل ذلك من الكتاب قول الله تبارك وتعالى: “فإن أمن بعضكم بعضا فليؤد الذي أؤتمن أمانته وليتق الله ربه” . . وقد حذّرنا رسول الله صلى الله عليه وسلم من الخيانة فقال: “إياكم والخيانة فإنها بئست البطانة”، وتعتبر خيانة الأمانة من صفات المنافقين التي أشار إليها الرسول صلى الله عليه وسلم في الحديث: “وإذا أؤتمن خان وإذا عاهد غدر” .

 تفعيل قانون الحسبة

 الدكتور رفعت العوضي  أستاذ الاقتصاد بجامعة الأزهر  يرى من جانبه أن الفساد عامل مخرب للاقتصاد والمجتمع والسياسة ومواجهته من أسهل ما يمكن في مجتمعاتنا الإسلامية حيث يكمن الحل فقط في تفعيل قانون الحسبة، كما وضعه الإسلام، فالقارئ في التاريخ سيلاحظ أن الفساد المالي كان أول المظاهر الاقتصادية السلبية التي عالجها الإسلام منذ بداياته فشن حرباً لا هوادة فيها على الاستغلال وتطفيف الميزان والغش والاحتكار والسرقة والرشوة والربا والاغتصاب ومن ثم التعدي على المال العام وغير ذلك، واستمر في محاربة الفساد بكل أشكاله وألوانه . . ومن طرق مكافحة الإسلام للفساد أنه حرم السرقة فقال تعالى: “السارق والسارقة فاقطعوا أيديهما جزاء بما كسبا نكالاً من الله والله عزيز حكيم” . . وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: “إن رجالاً يتخوضون في مال الله بغير حق، فلهم النار يوم القيامة”، وهناك الكثير من الأدلة الشرعية المحرمة للغش والرشوة والاحتكار والاختلاس وغيرها .


كذلك جعل الإسلام المجتمع بكل مؤسساته وتكويناته قائماً على مراقبة الأداء العام وتعقب المفسدين من خلال مؤسسة الحسبة والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر . . ومن هذا المنطلق علينا ونحن نفكر في كيفية مكافحة الفساد أن نعمل على تفعيل الشعار الإسلامي الشهير “من أين لك هذا؟” . . فعندما يُفَعَّل هذا الشعار يكون للدولة الحق في محاسبة أي موظف أو مسؤول بدت عليه علامات النعمة المفاجئة أو المستغربة ولنا في الفاروق عمر بن الخطاب القدوة في ذلك حيث كان يتابع أمر ولاته وإذا وجد أن أحد ولاته زادت ثروته بشكل مبالغ فيه يطالبه على الفور بتقديم ما يثبت براءته من الفساد فإذا لم يقدم الدليل على نزاهته كان يصادر نصف ممتلكاته لمصلحة بيت المال وخلاصة القول إن الإسلام وضع منظومة متكاملة لمكافحة الفساد .


تزكية النفوس


ويرى الدكتور محمد الدسوقي  أستاذ الشريعة بجامعة القاهرة  أن مكافحة الفساد تأتي عن طريق تزكية نفوس المسلمين في كل مكان ووقتها سوف تختفي هذه الآفة وغيرها من مجتمعاتنا . . فلا بد أن تعي الحكومات وهي تواجه الفساد بأن السبب الرئيس في خسارتنا لكل تلك المليارات يكمن في أن نفوس المسلمين خلت من الإيمان الكامل وأصبح يقين المسلم والعياذ بالله أن الفوز والفلاح ليس في طاعة الله عز وجل واتباع هدي النبي صلى الله عليه وسلم وإنما الفلاح والفوز يكمن في تكديس الأموال الكثيرة والتجارات الكبيرة حتى لو تم ذلك بطريق الحرام، وهكذا دخل الفساد إلى القلوب وبدأت النكسة والانحطاط فأقبل أهل التجارات على البحث عن سبل تنمية الأموال بكل الطرق المباحة وغير المباحة، وأصبحوا يشترون ذمم الموظفين والمسؤولين ويحملون كل ذلك على المستهلك المسكين، وأصبح الجميع يأكل بعضه وفي غمرة هذا الانشغال بهذه الماديات بدأ الإيمان يضعف في القلوب تدريجيا حتى أصبح هذا الإيمان لا يقيم صاحبه على أوامر الله عز وجل ولا يحجزه عن المحارم وضعفت العبادات بل ضاعت في كثير من الأحيان وهكذا انتشر الفساد بهذا الشكل الذي نسمعه حيث فسدت المعاملات وظهر التعامل بالرشوة وانتشر الاحتكار وعدم تحري الحلال في المأكل والمشرب والملبس ووقع الكثير من الناس في الحرام فضلاً عن الشبهات .

 يشير د . الدسوقي إلى أن الحل لا يكمن في تشديد العقوبات  كما يرى الكثير من العلماء  ولكن الحل يكمن في تزكية الأنفس وفي أهمية استبدال اليقين الفاسد  يقين الماديات  بيقين صحيح واستبدال الإيمان الضعيف بإيمان راسخ قوي واستبدال الحياة التي يحكمها في الأغلب الأمزجة الغريبة عن الإسلام بحياة دينية تحكمها أوامر الله تعالى وهدي رسوله الكريم صلى الله عليه وسلم وهكذا . . كما علينا تفعيل دور المسجد والمدرسة والإعلام في نشر قيم الدين الحنيف من جديد وتنشيط المؤسسة الدعوية كي تخلص الناس من رذيلة تكديس الأموال بكل السبل المشروعة وغير المشروعة .

 الجهاد في العمل

 ويقول الدكتور محمد رأفت عثمان  عضو هيئة كبار العلماء وأستاذ الشريعة بجامعة الأزهر: لقد حرص الإسلام على شن حرب لا هوادة فيها على الفساد، وقد جاء القرآن صريحاً ومباشراً في النهي والتحذير منه حيث يقول الله تعالى: “كنتم خير أمة أخرجت للناس تأمرون بالمعروف وتنهون عن المنكر وتؤمنون بالله”، كما حرص الشارع الحكيم على جعل الصدق في العمل من الفضائل القيمة التي فرضها الله علينا فلا تصح أعمال المسلم إلا إذا أخلص في العمل، ولهذا فلا نجاح لكل مشروعات النهضة التي نحلم بها من دون التخلص من أصحاب الذمم الفاسدة، ولن يتم ذلك إلا بالرجوع لعلوم القرآن ودراسة ما فيها من فضائل وقيم تحيي الضمائر وتصلح الذمم وفي هذا يقول الله تعالى: “من عمل صالحاً من ذكر أو أنثى وهو مؤمن فلنحيينه حياة طيبة ولنجزينهم أجرهم بأحسن ما كانوا يعملون” . . ولا بد أن يختفي من حياتنا حب الدنيا فالكثيرون منا يعملون اليوم عمل المخلدين في الأرض وهو ما تسبب في نشر الفساد بهذا الشكل المؤسف، وفي هؤلاء يقول الله تعالى: “إن هؤلاء يحبون العاجلة ويذرون وراءهم يوماً ثقيلا” .

 على الجانب الآخر لا بد من تفعيل القوانين على الجميع من دون استثناء ولنتذكر قول النبي صلى الله عليه وسلم عندما حاولوا إثناءه عن تنفيذ الحد في المخزومية التي سرقت حيث قال: “والله لو أن فاطمة بنت محمد سرقت لقطعت يدها إنما ضيع من كان قبلكم أنهم كانوا إذا سرق فيهم الشريف تركوه وإذا سرق الفقير أقاموا الحد عليه” . . والأمة اليوم في حاجة لرجال يقومون بتفعيل القوانين التي تمنع الفساد حتى تنهض من كبوتها لتعود أمة قوية ناهضة تتمسك بالفضائل ولا تجاهد إلا بصدق وإخلاص في العمل والعلم فحياة الأمة وعلوها في تطبيقها لأوامر الله عز وجل ومنها الجهاد في العمل والإتقان في الصنع.

 

إضافة تعليق

1 + 3 =
Solve this simple math problem and enter the result. E.g. for 1+3, enter 4.