من الإسلاموفوبيا إلى العربوفوبيا: «المستشرقة» ياسنا شاميتش نموذجاً

تمثل المستشرقة ياسنا شاميتش (1949) رمزاً للتحولات الكبيرة في الاستشراق في يوغوسلافيا السابقة عشية انهيارها.
احتضنت جامعة بلغراد في 1926 أول قسم للاستشراق في البلاد، وازدهر الاستشراق مع تأسيس أول معهد للدراسات الشرقية في سراييفو (1950) وثاني قسم للاستشراق في جامعة سراييفو (1950) وثالث قسم للاستشراق في جامعة بريشتينا (1973).
وقد عكس «الاستشراق الجديد» مع التوجه نحو الجنوب المسلم (البوسنة وكوسوفو) والعالم الثالث، قطيعة مع روح المركزية الأوروبية التي كانت تعتبر «الشرق» (التي اختلقت حدوده) معادلاً للآخر الأدنى، بينما أصبح «الاستشراق الجديد» يعتبر التراث الـــشرقي المكتوب في العربية والتركية والفارسية خلال الحكم العثماني جزءاً من تراث شعوب يوغوســــلافيا نفســـها، كما أن الاهتمام بالأدب العربي دراسةً وترجمةً وصل إلى ذروته في الستينات والسبعينات مع انفتاح يوغوسلافيا على العالم العربي ضمن حركة عدم الانحياز.
لكن وفاة تيتو (1980) والأزمة السياسية التي أعقبتها وصولاً إلى انهيار يوغوسلافيا، أبرزت حالة من الفرز بين المستشرقين بين مدرستين مختلفتين حول مفهوم الاستشراق وعلاقته بالمركزية الأوروبية وتوظيفه لخدمة أجندة معينة. وقد بدأ هذا في 1986 مع النقاش القوي بين المستشرقين البشناقي أسعد دوراكوفيتش والصربي داركو تاناسكوفيتش، حيث انتقد الأول بقوة النزعة الأوروبية المركزية في الاستشراق الأوروبي، ورد عليه الثاني بأنه مع انتقاده النزعة المركزية الأوروبية يؤسّس لمركزية شرقية «تسيطر عليها العناصر الأصولية الإسلامية والمركزية العربية»، واصطف المستشرقون في يوغوسلافيا بين هذا وذاك. وضمن هذا الاصطفاف انشغل الصرب منهم في تعبئة الرأي العام الصربي ضد «الخطر الإسلامي» المزعوم في البوسنة على كل يوغوسلافيا، وهو ما مهّد لما حدث من مجازر خلال حرب البوسنة 1992 - 1995 ضد المسلمين من جانب القوات الصربية، التي خصّص لها الـــباحث الأمـــيركي كتابه «دور المستشرقين الصرب في تبرير الإبادة الجماعية للمسلمين في البلقان» (سراييفو 2000).
في هذا السياق، حين كانت سراييفو تحت الحصار وحين تعرّض «معهد الدراسات الشرقية» لقصف صربي متعمد في 17/5/1992 حوّله إلى أنقاض، مدمراً أكبر ثروة من المخطوطات الشرقية والوثائق في البلاد، شاءت الأستاذة المساعدة للأدب التركي في قسم الاستشراق في جامعة سراييفو ياسنا شاميتش (التي اصطفت إلى جانب المستشرق تاناسكوفيتش في النقاش الساخن الذي دار خلال 1986 - 1988) أن تترك عملها وتغادر إلى باريس كما غادرها المستشرق الصربي سرجان يانوكوفيتش. حتى ذلك الحين، كانت شاميتش قد برزت كباحثة شابة في الأدب البوسنوي خلال الحكم العثماني للبوسنة، بعد أن ناقشت رسالتها للدكتوراة عن ديوان الشاعر البوسنوي المعروف حسن قائمي (توفي 1691 - 1692) الذي توجد نسخ من ديوانه في مكتبات اسطنبول والقاهرة وبرلين وباريس الخ. وبسبب مغادرتها المفاجئة وبقاء الطلبة دون أستاذ، اضطر القسم للإعلان عن حاجته إلى أستاذ للأدب التركي، وتقدم لشغل الموقع عالم معروف (فهمي ناميتاك)، لكن بعد انتهاء الحرب في 1995 عادت شاميتش إلى سراييفو لتطالب بإبعاد ناميتاك، وذلك كان مخالفاً للقانون، لتنتهي بذلك مسيرتها الأكاديمية في سراييفو.
بعد أن استقرت في باريس، برزت شاميتش كشاعرة وكاتبة قصة ورواية ومخرجة مسرحية سواء في الفرنسية أو في لغتها الأصلية، لكنها أصبحت مشهورة أكثر بفضل مقالاتها التي تنتقد فيها «الخطر الإسلامي» على سراييفو التي تركتها في أصعب الظروف، وذلك مع تصاعد الإسلاموفوبيا في الغرب التي أصبحت تركز على البلقان بمسميات مختلفة. في هذه الحالة، عندما كانت تكتب أو تُدعى شاميتش لإلقاء محاضرة ضد «الخطر الإسلامي»، كان يشار إليها باعتبارها «مستشرقة» أو «متخصصة» في الإســـلام حتى تـــكون لما تقوله مـــصداقية، مع أن كل كتبها تقريباً بعد 1986 (تاريخ نشرها لرسالة الدكتوراة) أصبحت في مجال الأدب (الشعر والقصة والرواية).
في السنوات الأخيرة، أصبحت شاميتش «متخصصة» بحملتها ضد الحجاب ودور العرب، في إنتاج إسلام يقوم على إخضاع المرأة من خلال الحجاب، وهو ما أصبح يهدّد بتحويل شوارع سراييفو «من شوارع دولة ديموقراطية إلى شوارع قرية بدوية تنعزل فيها المرأة عن المجتمع ويصبح الدور الوحيد لها أن تنجب الأولاد».
هذا الموقف تبلور في شكل واضح، في مقالة نشرتها شاميتش في النسخة الإلكترونية للجريدة الصربية «نوفينه» E.Novine بتاريخ 6/2/2016. في هذا المقال، تنطلق شاميتش من أن الحجاب في القرآن ليس له سوى معنى واحد ألا وهو «الحاجز الذي يوجد وراءه الله»، وأنها سألت أحد الصوفيين في سراييفو عن سبب غطاء المرأة لشعرها، فقال لها «إن الملائكة حين هبطت من السماء اختفت في شعر النساء، لذلك وجب على النساء أن يغطين شعرهن».
لكن شاميتش تهوّل الأمر حين تقرر بالنسبة الى البوسنة، «أن شوارع سراييفو يتراجع مظهرها من شوارع دولة ديموقراطية لكي تشبه أكثر وأكثر شوارع قرية بدوية» وتعبّر عن فزعها من «انتشار التوليتارية في البوسنة، حيث يصـــبح شـــعر المرأة في سراييفو العدو الأول للحرية والديموقراطية».
هذا الخطاب عن سراييفو يذكّر بالحديث الاستشراقي الصربي عن «الإسلام الجهادي» في البوسنة مع تأسيس علي عزت بيغوفيتش لحزب العمل الديموقراطي وفوزه في أول انتخابات ديموقراطية في 1990، ليصبح أول رئيس جمهورية منتخب، حيث أن التهويل من «الخطر الإسلامي» في البوسنة على كل يوغوسلافيا كان من المبررات التي سبقت العدوان الصربي على البوسنة، التي استقلت وأصبحت عضواً في الأمم المتحدة في 1992. فمثل هذا الخطاب الاستشراقي الجديد يصبّ لمصلحة تبرير طلب رئيس «جمهورية الصرب» في البوسنة (التي تحتل 49 في المئة من مساحة الدولة) بالانفصال عن البوسنة بحجة الخطر الذي يمثله الإسلام الذي يحوّل سراييفو «من شوارع دولة ديموقراطية إلى شوارع بلدة بدوية» على قاعدة «مالنا ومالهم، إذا يريدون هكذا خيار فليكونوا وحدهم».
خطاب شاميتش وجد من يردّ عليه ويفنّده من المثقفين المسلمين في البوسنة، التي لم تعد تجد نفسها فيها كما تقول، ودعيت شاميتش بصفتها «مستشرقة» و «متخصصة في الإسلام» إلى محاضرة في عاصمة كوسوفو في شهر رمضان، وأن تلقي محاضرة بدعوة من منظمة مجتمع مدني لتكرر فيها أفكارها، وقامت الجريدة الكوسوفية الأولى «كوها ديتوره» بنشر نصف صفحة عنها وعن أفكارها (عدد 21/6/2018).

إضافة تعليق