من كتاب " من سنن الله في عباده"

وبعد، فإن معظم مجتمعاتنا وبلادنا الإسلامية، يعاني من منكرات متنوعة شتى، تشيع في أرجائها. ولعل ذلك هو سبب تزايد الفتن والمحن والابتلاءات فيها.

والحقيقة أن السبب لا يكمن في وجود المنكرات في المجتمع، فإن مردّ ذلك إلى ما هو معروف من ضعف الإنسان وتعرضه، من جراء ذلك، لارتكاب المعاصي على اختلافها، وقد علمت أن العصمة من الذنوب إنما هي للأنبياء والرسل وحدهم.
ولكن سبب تعرض هذه المجتمعات للمصائب والمحن، سكوت أهلها عن ملاحقة المنكرات، بالإنكار، فلا الناس العامة (والعلماء منهم) يستعملون ألسنتهم في إنكارها والتحذير منها بالحكمة واللطف، ولا القادة فيهم يستعملون سطوتهم وإمكاناتهم التي لا تتاح لغيرهم، في العمل على إزالة المنكرات، وتنظيف المجتمع جهد الاستطاعة منها.
ويجب أن لا يغيب عن البال، أن سكوت القادة عن منع المنكرات، منكر بحدّ ذاته، بل هو من أخطر المنكرات التي يتفرع عن وجودها وجود سائر المنكرات التي تشيع في المجتمع.
وإنما السبيل إلى القضاء على هذا المنكر الأمّ لسائر المنكرات الأخرى، توجُّهُ عامة الناس، وفي مقدّمتهم العلماء القائمون بمهامّ الدعوة الإسلامية، إلى أولياء الأمور، يذكرونهم بضرورة العمل على تطهير المجتمع من المنكرات الظاهرة التي تشيع علناً في أرجائه. فهذا من أهم المنكرات التي يجب على سائر المسلمين التعاون في السعي إلى إنكارها، على أن لا يخرج ذلك عن حدود الكلام والحوار وتذكير الحاكم بواجب حماية المجتمع من تسرب الفتن والمحن إليه، من جراء شيوع المنكرات فيه.
ولعلك تسأل: فهب أن الناس كلهم قاموا بواجبهم في تذكير أولياء الأمور بما هم مكلفون به من تطهير مجتمعاتهم من المنكرات التي يُستعلن بها، فلم تُجْد تذكرتهم شيئاً، وبقيت المنكرات على حالها، بل ربما أخذت تزداد وتتفاقم، ما الذي يجب فعله عندئذ؟
والجواب: أن الإنكار اللساني من الناس يجب أن يستمر، وفي ذلك ما يرفع اللائمة عنهم أمام الله عز وجل. ولكن أفيحقّ لهم في مجال الحوار أن يطالبوا الحاكم بالتنحي عن الحكم عندئذ، دون أن يتجاوزوا في ذلك حدود الحوار والكلام، والإعلان عن الرغبة التي في نفوسهم؟
الذي أعلمه أن هذا لا يعدّ بحدّ ذاته خروجاً على الحاكم (وقد علمت أن الخروج عليه غير جائز فيما اتفق عليه جمهور المسلمين، ما دام لم يتورط في كفر صريح بواح) إذ الخروج الذي حذر منه علماء الشريعة الإسلامية، هو العمل على خلعه بالقوة، أي بقوة السلاح. والاحتجاجات اللسانية، بوسائلها السلمية المعروفة اليوم، لا تدخل في المعنى الذي حدده العلماء لكلمة (الخروج على الحاكم)
فإن قلت: أفرأيت إن كان المنكر الذي يقع في المجتمع تلبساً بالكفر الذي كثيراً ما يكون ردّةً عن الإسلام، أيظلّ هذا التفصيل في الفرق بين وظيفة أولي الأمر وعامة الناس وارداً هنا أيضاً؟
والجواب أن هذا الفرق يظل هو المحكّم بالنسبة لسائر المنكرات، بما فيها ما يتسبب عنه الخروج عن الإسلام، لا يملك الناس، وفي مقدمتهم علماء الدين ورجال الدعوة إلى الإسلام، إلا النصيحة والتحذير، ودعوة المرتدّ إلى الاستغفار وعودة النطق بشهادة الإسلام. ذلك هو واجبهم لا يجوز لهم السكوت عنه كما لا يجوز تجاوز الإنكار اللساني إلى ما وراء ذلك. ولا يرد هنا ما قلناه من أن الواجب هو السكوت عن المنكر، إن غلب على الظن نشوء منكر أشدّ منه إن أزيل المنكر الأول؛ لأنه لا يوجد منكر أخطر وأشدّ من الردّة والكفر، حتى يُبرَّر السكوت عنه تفادياً للمنكر الأخطر.
أما واجب وليّ الأمر عند ظهور من يستعلن بالكفر والردة عن الإسلام، فإن عليه أولاً أن يعلم أن الاستعلان بالردة في المجتمع المسلم من شخص واحد أو جماعة، هو في الحقيقة إعلان باتخاذ موقف الحرابة من ذلك المجتمع المسلم. إذ لو كانت المسألة داخلة في مساحة ما يسمى بحرية المعتقد والرأي، لوسع المعلِنَ عن ردّته بين المسلمين، أن يستخفي بها وأن يمارس معتقده الجديد مع خاصته وضمن بيته وأسرته. وليس على وليّ الأمر في هذه الحالة أن يقتحم عليه دائرة حياته الخاصة ويقوم بدور المفتش والمراقب.. ثم على ولي الأمر بعد ذلك - إن ذهبنا إلى أن تصرف الحاكم مع من يأبى إلا أن يعلن ردّته، داخل في أحكام الإمامة لا التبليغ - أن يمارس الحكمة في حماية المجتمع من الانزلاق إلى هاوية الكفر والعقائد الباطلة التي يسعى إلى ترويجها بيننا محترفو الغزو الفكري ضد الإسلام، وأن ينفذ ما يراه الأضمن لتحقيق هذا الهدف، ولا ريب أن في مقدمة ما تقتضيه الحكمة استقدام المرتدّ وجمعه بثلة من العلماء الثقات المخلصين الحكماء، ليصغوا إلى الشبهات التي زلزلت عقيدته الإيمانية ودعته إلى الخروج من دينه، ثم ليناقشوه فيها مناقشة علمية هادئة بحيث تعيده إلى معتقده الإيماني.. فإن هم حاوروه وتبين أن العامل الكامن وراء كفره وردته لا يتمثل في شبهة سرت إلى عقله، وإنما هي استجابة منه لخُطة ترمي إلى غزو الأمة الإسلامية في معتقداتها، وإلى تقويض ما ينسجه الإسلام من الثوب الحضاري الذي تغلَّبَ ولا يزال على الألق الكاذب للحضارات الأخرى، فإن على الدولة الإسلامية، أو قل: إن على وليّ أمر المسلمين أن يعلم أنه أمام أخطر حرب غير معلنة ترمي إلى القضاء على الوجود الإسلامي ممثلاً في عقائده وأخلاقياته وحضارته. والمحارَبُ يجب أن يدافع عن وجوده، ووجود من هو أمين على وجودهم، مكلَّف من قبلهم برعايتهم وحراسة عقائدهم ومصالحهم وقيمهم. ولا يصغينّ إلى من قد يتهمونه في ذلك بما يسمونه الإرهاب، فقد علم عقلاء الدنيا جميعاً أن هذه الكلمة التي ينعتوننا بها ويخيفوننا منها، إنما هي طبول حرب تقرع بين يدي سعيهم إلى تمزيق ما بقي من وحدتنا وتضامننا ثم القضاء علينا، ولست أدري كيف تُنعتُ مقاومة الفريسة بالإرهاب، كي تُنعتَ مخالب السبع الضاري إذ تنشب في جنباتها بالإنسانية بل الملائكية الحنونة!!..
* * *
وبعد، فقد غدت المنكرات المتنوعة التي يُستعلن بها في مجتمعاتنا، لا سيما في مواسم الخير، وعند مقتضيات التقرب إلى الله، عن طريق وسائل الإعلام المختلفة وغيرها، نوافذ شرٍّ تتجمع منه عوامل فتنة ومصائب لا يعلم مدى خطورتها إلا الله.
والنذير الأكبر لا يكمن في هذه النوافذ المفتحة، ولكنه يكمن في السكوت على ما تأتي به من شرّ والإعراض عنه، وفسح المجال أمامه تكريماً له وإعجاباً به وركوناً إليه.
أمَّا أن يوجد المنكر في المجتمع فذلك من مقتضيات عدم العصمة، وذلك ما شاء الله.
وأما أن يُستعلن بها مع التبرير لها والتباهي بها، فذلك نذير بركان يوشك أن يتفجر بوابلٍ من المصائب والفتن.
وقى الله أمتنا شرّ البراكين الخفية، وشرّ الخطط الكائدة المعلنة.. إنه سميع مجيب.
 

إضافة تعليق

1 + 1 =
Solve this simple math problem and enter the result. E.g. for 1+3, enter 4.