من لطيف الأخبار . . في سيرة النبي المختار

هذه بعض القطوف المنيرة من أخبار من تحلى بأعظم سيرة، سيدنا النبي المصطفى صلى الله عليه وسلم، فيها عظة وذكرى، وتحريك لما كمن من الشوق في قلوب المحبين، أحببت أن أذكّر بها في هذه الذكرى العطرة، ذكرى مولده الشريف صلوات الله وسلامه عليه، مع تعليقات خفيفة على كل شذرة من تلك الشذرات المباركات، فمن ذلك:

1- ما أخرجه ابن حبان في صحيحه وغيره عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ، أَنَّ رَجُلا مِنْ أَهْلِ الْبَادِيَةِ يُقَالُ لَهُ زَاهِرُ بْنُ حَرَامٍ، كَانَ يُهْدِي إِلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الْهَدِيَّةَ، فَيُجَهِّزُهُ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِذَا أَرَادَ أَنْ يَخْرُجَ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: “إِنَّ زَاهِراً بَادِينَا، وَنَحْنُ حَاضِرُوهُ، قَالَ: فَأَتَاهُ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَهُوَ يَبِيعُ مَتَاعَهُ، فَاحْتَضَنَهُ مِنْ خَلْفِهِ وَالرَّجُلُ لا يُبْصِرُهُ، فَقَالَ: أَرْسِلْنِي، مَنْ هَذَا؟ فَالْتَفَتَ إِلَيْهِ، فَلَمَّا عَرَفَ أَنَّهُ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ جَعَلَ يُلْزِقُ ظَهْرَهُ بِصَدْرِهِ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: مَنْ يَشْتَرِي هَذَا الْعَبْدَ؟ فَقَالَ زَاهِرٌ: تَجِدُنِي يَا رَسُولَ اللَّهِ كَاسِداً، قَالَ: لَكِنَّكَ عِنْدَ اللَّهِ لَسْتَ بِكَاسِدٍ، أَوْ قَالَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: بَلْ أَنْتَ عِنْدَ اللَّهِ غَالٍ” .

 وإنك لتدرك من خلال هذا الأثر، مدى ملاطفة النبي صلى الله عليه وسلم لأصحابه رضي الله عنهم، وحسن أخلاقه معهم، ومدى محبتهم له صلى الله عليه وسلم، ومعرفتهم بجليل قدره وعلو مكانته، ولذا فإن زاهراً لما علم أن الذي يحتضنه من خلفه إنما هو رسول الله صلى الله عليه وسلم كاد يطير من الفرح، فما كان منه إلا الحرص على قربه، والتزود من بركته صلوات الله وسلامه عليه، فقد جعل يلزق ظهره بصدر النبي صلى الله عليه وسلم، وحق له والله أن يفعل ذلك، وتلمح من خلال النص ما كان عليه الصحابي الجليل من التواضع بين يدي رسول الله صلى الله عليه وسلم إذ قال: تجدني يا رسول الله كاسداً، لكن النبي صلى الله عليه وسلم كشف عن حقيقته وبشره بأنه عند الله غال .

  “بالمؤمنين رؤوف رحيم”

 2- جاء في سيرة ابن هشام، وأصله في الصحيحين في قصة جابر بن عبد الله رضي الله تعالى عنهما أنه قال: “خَرَجْتُ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إلَى غَزْوَةِ ذَاتِ الرِّقَاعِ مِنْ نَخْلٍ، عَلَى جَمَلٍ لِي ضَعِيفٍ، فَلَمَّا قَفَلَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، قَالَ: جَعَلَتْ الرِّفَاقُ تَمْضِي، وَجَعَلْتُ أَتَخَلَّفُ، حَتَّى أَدْرَكَنِي رَسُولُ الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَقَالَ: مَالك يَا جَابِرُ؟ قَالَ: قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَبْطَأَ بِي جَمَلِي هَذَا، قَالَ: أَنِخْهُ، قَالَ: فَأَنَخْتُهُ، وَأَنَاخَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، ثُمَّ قَالَ: أَعْطِنِي هَذِهِ الْعَصَا مِنْ يَدِكَ، أَوْ اقْطَعْ لِي عَصاً مِنْ شَجَرَةٍ، قَالَ: فَفَعَلْتُ . قَالَ: فَأَخَذَهَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَنَخَسَهُ بِهَا نَخَسَاتٍ، ثُمَّ قَالَ: ارْكَبْ، فَرَكِبْتُ، فَخَرَجَ، وَاَلَّذِي بَعَثَهُ بِالْحَقِّ، يُوَاهِقُ نَاقَتَهُ مُوَاهَقَةً  أي يسابقها  قَالَ: وَتَحَدَّثْتُ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَقَالَ لِي: أَتَبِيعُنِي جَمَلَكَ هَذَا يَا جَابِرُ؟ قَالَ: قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، بَلْ أَهَبُهُ لَكَ، قَالَ: لَا، وَلَكِنْ بِعْنِيهِ، قَالَ: قُلْتُ: فَسُمْنِيهِ يَا رَسُولَ اللَّهِ، قَالَ: قَدْ أَخَذْتُهُ بِدِرْهَمِ، قَالَ: قُلْتُ: لَا . إذَنْ، تَغْبِنُنِي يَا رَسُولَ اللَّهِ، قَالَ: فَبِدِرْهَمَيْنِ، قَالَ: قُلْتُ: لَا . قَالَ: فَلَمْ يَزَلْ يَرْفَعُ لِي رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي ثَمَنِهِ حَتَّى بَلَغَ الْأُوقِيَّةَ . قَالَ: فَقُلْتُ: أَفَقَدْ رَضِيتَ يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ قَالَ: نَعَمْ، قُلْتُ: فَهُوَ لَكَ، قَالَ: قَدْ أَخَذْتُهُ . قَالَ: ثُمَّ قَالَ: يَا جَابِرُ، هَلْ تَزَوَّجْتَ بَعْدُ؟ قَالَ: قُلْتُ: نَعَمْ يَا رَسُولَ اللَّهِ، قَالَ: أَثَيِّباً أَمْ بِكْراً؟ قَالَ: قُلْتُ: لَا، بَلْ ثَيِّباً، قَالَ: أَفَلَا جَارِيَةً تُلاعِبُهَا وَتُلاعِبُكَ؟ قَالَ:قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إنَّ أَبِي أُصِيبَ يَوْمَ أُحُدٍ وَتَرَكَ بَنَاتٍ لَهُ سَبْعاً، فَنَكَحْتُ امْرَأَةً جَامِعَةً، تَجْمَعُ رُؤوسَهُنَّ، وَتَقُومُ عَلَيْهِنَّ، قَالَ: أَصَبْتَ إنْ شَاءَ اللَّهُ، أَمَا إنَّا لَوْ قَدْ جِئْنَا صِرَاراً  مكان في ضاحية المدينة المنورة  أَمَرْنَا بِجَزُورٍ فَنُحِرَتْ، وَأَقَمْنَا عَلَيْهَا يَوْمَنَا ذَاكَ، وَسَمِعَتْ بِنَا، فَنَفَضَتْ نَمَارِقَهَا  جمع نمرقة وهي الوسادة، أي تهيأت لك  قَالَ: قُلْتُ: وَاَللَّهِ يَا رَسُولَ اللَّهِ مَا لَنَا مِنْ نَمَارِقَ، قَالَ: إنَّهَا سَتَكُونُ، فَإِذَا أَنْتَ قَدِمْتَ فَاعْمَلْ عَمَلاً كَيِّساً . قَالَ: فَلَمَّا جِئْنَا صِرَاراً أَمَرَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِجَزُورٍ فَنُحِرَتْ، وَأَقَمْنَا عَلَيْهَا ذَلِكَ الْيَوْمَ، فَلَمَّا أَمْسَى رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ دَخَلَ وَدَخَلْنَا، قَالَ: فَحَدَّثْتُ الْمَرْأَةَ الْحَدِيثَ، وَمَا قَالَ لِي رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، قَالَتْ: فَدُونَكَ، فَسَمْعٌ وَطَاعَةٌ قال: فَلَمَّا أَصْبَحْتُ أَخَذْتُ بِرَأْسِ الْجَمَلِ، فَأَقْبَلْتُ بِهِ حَتَّى أَنَخْتُهُ عَلَى بَابِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، قَالَ: ثُمَّ جَلَسْتُ فِي الْمَسْجِدِ قَرِيباً مِنْهُ، قَالَ: وَخَرَجَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَرَأَى الْجَمَلَ، فَقَالَ: مَا هَذَا؟ قَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ، هَذَا جَمَلٌ جَاءَ بِهِ جَابِرٌ، قَالَ: فَأَيْنَ جَابِرٌ؟ قَالَ: فَدُعِيتُ لَهُ، قَالَ: فَقَالَ: يَا ابن أَخِي خُذْ بِرَأْسِ جَمَلِكَ، فَهُوَ لَكَ، وَدَعَا بِلَالاً، فَقَالَ لَهُ: اذْهَبْ بِجَابِرِ، فَأَعْطِهِ أُوقِيَّةً . قَالَ: فَذَهَبْتُ مَعَهُ، فَأَعْطَانِي أُوقِيَّةً، وَزَادَنِي شَيْئاً يَسِيراً . قَالَ: فوالله مَا زَالَ يَنْمِى عِنْدِي، وَيَرَى مَكَانَهُ مِنْ بَيْتِنَا، حَتَّى أُصِيبَ أَمْسِ فِيمَا أُصِيبَ لَنَا يَعْنِي يَوْمَ الْحَرَّةِ” .

 هذه قصة لطيفة ظريفة، ودلالاتها على ملاطفة النبي صلى الله عليه وسلم لجابر رضي الله تعالى عنه ظاهرة، وقد اشتملت على معجزات متعددة لنبي الله صلى الله عليه وسلم، وتفقده لأصحابه وعمله على مساعدتهم ودفع الضر عنهم بأسلوب ظريف بديع، ممتلئاً رحمة وحباً وشفقة، ولا غرو فهو الذي قال الله تعالى فيه: “بالمؤمنين رؤوف رحيم” صلوات الله وسلامه عليه .

 مكانة الأنصار

 3- وفي سيرة ابن هشام أيضاً: أن النبي صلى الله عليه وسلم حين افتتح مكة ودخلها قام على الصفا يدعو الله وقد أحدقت به الأنصار فقالوا فيما بينهم: أترون رسول الله صلى الله عليه وسلم إذ فتح الله عليه أرضه وبلده يقيم بها؟ فلما فرغ من دعائه قال: ماذا قلتم؟ قالوا: لا شيء يا رسول الله فلم يزل بهم حتى أخبروه، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: معاذ الله، المحيا محياكم والممات مماتكم .

 وفي هذا الأثر بيان خلق الوفاء عند رسول الله صلى الله عليه وسلم، وعلوّ مقام الأنصار رضي الله تعالى عنهم، حيث ظفروا بمقام النبي النبي صلى الله عليه وسلم عندهم حياً وميتاً، فهنيئاً لهم، “وذلك جزاء المحسنين” .

 النبي و”فضالة”

 4- وفيها: أن فَضالة بن عمير الليثي أراد أن يقتل النبي صلى الله عليه وسلم وهو يطوف بالبيت عام الفتح، فلما دنا منه قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: أفضالة؟ قال: نعم فضالة يا رسول الله، قال: ماذا كنت تحدث به نفسك؟ قال: لا شيء كنت أذكر الله، قال: فضحك النبي صلى الله عليه وسلم ثم قال: استغفر الله، ثم وضع يده على صدره فسكن قلبه فكان فضالة يقول: والله ما رفع يده عن صدري حتى ما من خلق الله شيء أحب إليّ منه، قال فضالة: فرجعت إلى أهلي فمررت بامرأة كنت أتحدث إليها فقالت: هلم إلى الحديث فقلت: لا، وانبعث فضالة يقول:

 قالت هلم إلى الحديث فقلت لا

 يأبى عليك الله والإسلام

 لو ما رأيت محمداً وقبيله

 بالفتح يوم تكسر الأصنام

 لرأيت دين الله أضحى بينا

 والشرك يغشى وجهه الإظلام

 وفي هذا الأثر تتجلى رحمة النبي صلى الله عليه وسلم العظمى، حيث أشفق على فضالة وهو يعيش حالة من الإرباك والقلق النفسي، ويظهر مزيد تلطفه به، وابتسامه بوجهه وهو يريد قتله، ودعوته إلى الاستغفار لينجو من غضب الجبار، ثم ظهور معجزة النبي صلى الله عليه وسلم في تغيير الأحوال، فإنه بمجرد أن وضع يده الشريفة على صدر فضالة تغير حاله من كره شديد إلى حب شديد، وفيه أيضاً بيان مدى صدق الصحابة رضي الله عنهم، وقوة إيمانهم، ولذا فإن فضالة رضي الله تعالى عنه أعرض عن صاحبته في الجاهلية، وأعلمها بكل صراحة أن ما تدعوه إليه شيء يأباه الدين الحنيف الذي اعتنقه، وهكذا يفعل الصادقون .

* أستاذ التفسير وعلوم القرآن - كلية الشريعة - جامعة الشارقة

 

 

إضافة تعليق

5 + 11 =
Solve this simple math problem and enter the result. E.g. for 1+3, enter 4.