موسوعة أونيفرساليس خمسون عاما (1/2)

لماذا لم تتطور الدراسات الأدبية واللسانية العربية، ولم تتشكل عندنا العلوم الاجتماعية والإنسانية؟ لا نطرح مثل هذه الأسئلة، وحين نطرحها لا نجيب عنها. عوامل كثيرة ومتنوعة، أجملها في غياب لغة واحدة ومشتركة نشتغل بها. إننا نتكلم اللغة العربية بعدة لغات، بعضها عربي، وآخر لا علاقة له بها. يعود تبلبل لساننا العربي، ونحن نفكر، أو نترجم، أو نكتب، إلى غياب لغة واحدة موحدة على مستوى المفاهيم والمصطلحات.
ما أكثر ما كتبنا عن أزمة المصطلح العربي في مختلف الاختصاصات? ولكننا لا نتقدم قيد أنملة في حل هذه المعضلة، التي لها أسبابها المتعددة والتي من بين ما تتصل به غياب البحث والمجتمع العلميين.
أذكر أننا ما بين سنتي 1983 و1984، ونحن ننخرط في الدراسات الأدبية الجديدة، كيف كنا نتسابق إلى مكتبة الكلية، حين كانت الكلية كلية، والمكتبة مكتبة، للحصول على المجلدات التي نريد من موسوعة أونيفيرساليس للاطلاع على مواد كتب رولان بارث عن «نظرية النص»، أو تودوروف أو جينيه، كانت هذه الموسوعة تغنيك عن بعض الكتب التي لا يمكن أن تعثر فيها على ضالتك في تحصيل معرفة متنوعة وجديدة. فموادها طويلة وعميقة، وفيها جهد السنوات الطوال لكتابها الأعلام في المواد المسندة إليهم. صورنا العديد من موادها لنطلع عليها، على مهل، خارج جدران المكتبة. رأيتها بعد ذلك عدة مرات في مكتبات فرنسا، ولم أكن قادرا على الحصول عليها. لكنها منذ أن باتت إلكترونية حتى صرت أقتني في كل سنة نسخة جديدة منها. كانت في البداية على عدة أقراص مدمجة، وبعد ذلك على قرصي الـ «دي في دي». وآخر نسخة حصلت عليها منها كانت 2012. ومنذ هذا التاريخ صرت أتعامل معها من خلال الفضاء الشبكي. كما أنني كنت حريصا على الحصول على الكتب التي كانت تستجمع فيها بعض الدراسات في موضوع واحد مثل «نظرية الأجناس»، وآخر حول «المفاهيم والمصطلحات». وأوصي طلبتي دائما بالرجوع إليها، وإلى رديفتها الموسوعة البريطانية (بريطانيكا). ما كان يغريني في هاتين الموسوعتين: العمق والشمول والوضوح. ويصعب أن تجتمع كل هذه السمات الثلاث في العديد من المؤلفات في أي اختصاص من الاختصاصات.
تحتفل هذه الموسوعة الفرنسية بمرور نصف قرن على صدورها. وهي في هذا الاحتفال تكشف بالملموس أنها مهما تقدم الزمن، بل وبسببه، لا تزداد إلا قوة وصلابة.
تحتفل هذه الموسوعة الفرنسية بمرور نصف قرن على صدورها. وهي في هذا الاحتفال تكشف بالملموس أنها مهما تقدم الزمن، بل وبسببه، لا تزداد إلا قوة وصلابة، وإثباتا للحضور في مختلف المجالات المعرفية والعلمية القديمة والجديدة والمتجددة. وأنها في كل يوم، بفعل ترهينها الدائم على الفضاء الشبكي تفرض نفسها مرجعا لا غنى عنه لأي باحث مبتدئ أو متمرس.
صدرت هذه الموسوعة في عز البنيوية للانخراط في إبدال معرفي جديد قيد التشكل، وللإسهام في تقديم لغة جديدة قيد التبلور، ومبتغاها البعيد تأسيس رؤية موحدة للتصورات والمفاهيم والمصطلحات والمعارف، وهي تتخذ في العصر الذي ظهرت فيه رؤية جديدة للكون وللطبيعة والإنسان والمجتمع. إنها رؤية متطورة عما تحقق منذ القرن التاسع عشر، ومتمثلة لما ساد في القرن العشرين، ومنفتحة على القرن الواحد والعشرين. وكان من بين الأهداف التي حققتها أن صارت موسوعة الجميع من التلميذ في المدرسة إلى الباحث الجامعي، مرورا بالهواة من القراء النهمين، والمتطلعين إلى تحقيق إنسانيتهم عبر الثقافة والمعرفة، بالإضافة إلى المختصين.
صدرت «موسوعة أونيفيرساليس» عن شركة نشر موسوعة أونيفيرساليس، وهي شركة مجهولة، تأسست سنة 1966 من لدن متخصص في نشر الكتب وتوزيعها، والنادي الفرنسي للكتاب، إلى جانب موسوعة بريطانيكا. إن مساهمة بريطانيكا في أونيفرساليس يعكس نقل الخبرة وتجربة التسويق الموسوعي. صدر المجلد الأول من هذه الموسوعة سنة 1968 تحت إشراف كلود غرغوري، فلقيت نجاحا باهرا على المستوى التجاري. ولقد استمر ذلك إلى بدايات السنوات التسعين من القرن العشرين. وتواصل صدورها محققة تطورا واتساعا ملحوظين، إلى أن صارت في العالم الفرنكوفوني قرينة بريطانيكا في الأوساط الأنجلو أمريكية.
أصدرت أونيفيرساليس ما بين سنتي 1968 و1975 عشرين مجلدا، ثم أصدرت المجلد 21 سنة 1980، والمجلد 22 سنة 1985. وفي سنة 2012 كانت قد أكملت 30 مجلدا. ولم تقف عند حد الطبعة الورقية، نظير قرينتها بريطانيكا، فأصدرت النسخة الإلكترونية 1995، وتحولت من موسوعة ورقية إلى موسوعة رقمية، في أقراص مدمجة سنة 2002، وبعدها على أقراص «دي في دي». وفي سنة 2017، صدرت على مفتاح USB. كما أنها عقدت سنة 1999 شراكة مع وزارة التربية الوطنية الفرنسية لتقدم نسخا تتلاءم مع متطلبات المدرسة والثانوية والجامعة.
إنها على غرار تجربة بريطانيكا الطويلة اعتمدت على كبار المتخصصين في مختلف المجالات (7400 أستاذ وباحث وأكاديمي) ممن لهم شهرة واسعة في مضمار تخصصهم الدقيق.
يكتب لوران لوازون وهو متخصص في تاريخ العلوم: قبلت الكتابة في أونيفيرساليس لسببين: عاطفي يتمثل في أن أبي ابتاع لي نسخة ورقية عندما كنت تلميذا في الثانوي، والثاني مهني يتعلق باستكتابي في مجال تخصصي.
لماذا لم تظهر عندنا موسوعة من هذا القبيل؟

إضافة تعليق