موقف من التنوير (الجزء الثاني )

ويُعدّ هامان (Haman) ومواطنه الألماني هردر (Herder) من النقاد المعاصرين الذين انتقدوا التنوير. فبحسب دراسة للفيلسوف الإنجليزي إشعيا برلين (Isaiah Berlin) فإنّ هامان يمثل أصل اللاعقلانية الحديثة، وأنّه مع جوزيف دي ميستر (Joseph de Maistre) يعدّان من أعداء التنوير[17].

إنّ الأرضية التي انطلق منها هامان في نقده للتنوير، هي أرضية (الوطنية) باسم ألمانيا وثقافتها وتاريخها ولغتها، فقد رأى أنّ ما قام به: "ملك بروسيا بمثابة مؤامرة سياسية محضة عقدها مع فلاسفة التنوير"[18]. وهو ما يعني بلغتنا المعاصرة أنّه نقد التنوير باسم الخصوصية والهويّة والحق في الاختلاف، وهو الخطاب السائد والغالب كما هو معلوم في الثقافة العربية الحديثة والمعاصرة. وحجّة هامان هي اللغة التي تمثل الحقيقة الأولى، وأنّ العالم يتكلم، وأنّ هذا الكلام يتجاوز الخطاب العلمي من جميع جوانبه. ولذلك لم يتردد إشعيا برلين في وصف هامان بأنه: "العدو الأول والأكثر انسجاماً والأكثر تطرفاً للتنوير بوجه خاص، وللعقلانية بوجه عام، وهو الذي عاش ومات في القرن الثامن عشر"[19]. وقد ظهرت آثار هذه العداوة في كتابه الأساسي: الشعر والحقيقة، الذي يعُد ّمنبعاً للاعقلانية في الثقافة الأوروبية الحديثة.

وقد استمرّ هذا الخط، خط نقد التنوير مع الفيلسوف واللغوي هردر[20]، الذي دافع عن قيم التعدد والنسبية في مقابل الكليّة أو الكونية التي دعا إليها التنوير، رافضاً الاستعمار، ومميّزاً بين استعمار داخلي تقوم به الشركات التجارية والصناعية، واستعمار خارجي تقوم به الدول والإمبراطوريات باسم قيم التنوير. كما ناهض العنصرية، ودافع في فلسفته التاريخية عن فكرة التعدّد أو التنوع الثقافي[21].

ويُعدّ هردر في نظر بعض الدارسين بمثابة المفكر لحداثة بديلة، حداثة مناهضة للتنوير، إنّها الحداثة الجمعاتية (communautarienne)، تلك الحداثة التي تحدّد الفرد بأصوله العرقية وبتاريخه ولغته وثقافته[22].

كما أجرت الحداثة ذاتها التي انبثقت من التنوير عملية نقدية واسعة للتنوير، وبيّن ذلك فيلسوف الحداثة الألماني هيغل في نقده للطابع اللاهوتي للعقل التنويري، مؤكداً أنّ عصر التنوير قد رفع شيئاً متناهياً إلى مرتبة المطلق. وفي تقدير هيغل فإنّ هذا يتماثل والفعل اللاهوتي والأرثوذوكسي. من هنا فإنّ التنوير ليس إلا الوجه الآخر للأرثوذوكسية: "هذه تدافع عن وضعية العقائد، وتلك تسلم بموضوعية أوامر العقل، كلتاهما تلجآن إلى الوسائل نفسها"[23]. مبرهناً على أنّ الذاتية هي التي تشكل مبدأ الأزمنة الحديثة، وهي التي سمحت بتفوق العالم الحديث. قال: "إنّ حرية الذات هي مبدأ العالم الحديث (...). وإنّ ما يصنع عظمة عصرنا يقوم على الاعتراف بالحرية بوصفها خاصية الروح"[24]. وتتضمن هذه الذاتية جملة من الخصائص، أهمّها: الفردية، وحق النقد، والاستقلال في العمل. ولذلك قام بنقد التنوير بوصفه عقلانية مجردة، كما انتقد الثورة بما انتهت إليه من علاقة ضرورية وفعلية بين الحرية وبين الموت[25].

وانتقدت الرومانسية التنوير من جهة تجاهله للمشاعر والعواطف والذات، وذلك لأنّ عصر التنوير الذي أشاد بالعقل إلى درجة التقديس، قد استخف بالخيال والعاطفة وبكلّ ما يبعث الحماسة، من هنا ستعمد الرومانسية إلى الإعلاء من شأن الخيال والإيمان، وهو ما أدى إلى نشوب صراع بين المذهب الكلاسيكي في الفن وبين المذهب الرومانسي.

وقد كانت الكانطية الجديدة ممثلة بفيلسوفها آرنست كسيرر سباقة إلى الدعوة إلى ضرورة إجراء فحص نقدي للتنوير. ولقد صاغ كسيرر نقده على هذا النحو: إذا كان شعار التنوير بحسب كانط هو: لتكن لك الشجاعة في استخدام عقلك؟ فإنّ هذا الشعار يعنينا أيضاً في علاقتنا بالتنوير، لتكن لدينا الشجاعة في تقدير وتقييم هذا الفكر، وأنه يتعين علينا أن ندخل في حوار داخلي معه. يقول: "إنّ العصر الذي مجّد العقل والعلم، والذي رأى في العقل والعلم (القوة العليا للإنسان) لا يمكن أن يكون بالنسبة إلينا مجرد عصر قد ولى، علينا أن نجد الوسيلة لاكتشاف وجهه الحقيقي، وبالأخص استخراج القوى العميقة التي أنتجت وصقلت هذا الوجه"[26]. ولا تكمن أهمية التنوير في نظر كسيرر في النظريات التي بلورها، ولا في المذاهب التي دافع عنها، وذلك لأنّ المضمون الفكري لعصر التنوير بقي تابعاً للفكر الفلسفي السابق عليه، وإنما تكمن أهميته في نوعية تملكه للميراث السابق، ولكيفية تنظيمه، واختباره، وتطويره، أي لطريقته في قراءة تراثه[27].

كما يُعدّ كتاب فلاسفة مدرسة فرانكفورت: جدل العقل، الكتاب النقدي للتنوير بلا منازع، ففيه دعا أدورنو وهوركهايمر إلى ضرورة أن: "نفهم كيف أنّ الإنسانية التي بدلاً من أن تلتزم بشروط إنسانية حقة، سرعان ما راحت تغرق في شكل جديد من أشكال البربرية"[28]. وأنّه: "منذ أن وجد التنوير بمعناه العام، بما هو تفكير متقدم، فإنه كان يعمل على أن يحرّر الناس من الخوف، وأن يجعلهم سادة أنفسهم. إلا أنّ مصير الأرض قد انتقل من التنوير إلى الكارثة الكليّة"[29]. وأنّ العقل الأداتي في محاولته للسيطرة على الطبيعة وعلى المجتمع والإنسان قد أدّى إلى الانحطاط الكامل. وقد حصلت هذه الكارثة بفعل الهيمنة والسيطرة ليس فقط للعقل الأداتي وإنما للأسطورة أيضاً، من هنا لم يتردّدا في القول إنّ: "التنوير قد سقط في الأسطورة"[30]، وبخاصّة أسطورة التقدم.

وأخيراً فقد قامت ما بعد الحداثة بنقد التنوير، هذا ما نقرأه على سبيل المثال وليس الحصر عند الفيلسوف الفرنسي جان فرانسوا ليوتار الذي نشر سنة 1979 كتابه: الوضع ما بعد الحداثي، الذي يُعدّ أول نص فلسفي طرح الأفكار الأساسية لما بعد الحداثة، والتي يمكن إجمالها في الاعتراض النقدي على مختلف قيم التنوير كالتقدم والحرية والعقل، والإقرار بفشل مشروع الحداثة الغربية. وفي تقدير ليوتار، فإنّ غياب الأفق الكوني والتحرر العام يسمح لإنسان ما بعد الحداثة بالتأكد من نهاية فكرة التقدّم والعقلانية والحرية، وأنّ الحداثة المنبثقة من التنوير قد أدّت إلى أنّ نصف البشرية يواجه التعقيد، والنصف الآخر يواجه المجاعة. وأنّ الحروب التي عرفتها البشرية تركت الإنسان يعيش بلا أوهام أو أساطير، أو وفقاً لتعبيره من دون نصوص سردية كبرى أو ميتا سردية (Métarécits / grands récits)[31].

ثالثاً: ما الموقف من التنوير؟

بناء على هذه المعالم الدالة في التعريف والنقد، ما موقفنا من التنوير؟ يمكننا الإجابة عن هذا السؤال بجملة من العناصر أهمها:

1. لا بدّ أن ينبثق موقفنا من التنوير من علاقتنا التاريخية والحضارية بالتنوير، وليس فقط من علاقتنا بالنظريات والتيارات الفكرية والسياسية. وإذا كانت هذه العلاقة التاريخية والحضارية تتميز بشيء معيّن، فإنها تتميز بطابع ازدواجي يظهر في شكل استعمار وهيمنة، ونهضة وتحرر، وعولمة وتنمية، ولذا فإنّ المطلوب هو تطوير منظور نقدي تأسيسي يراعي المعطى التاريخي والحاجة الحضارية.

2. على الموقف أن يستوعب درس التنوير ونقد التنوير الذي حصل في الغرب. والحال فإنه إذا كانت الثقافة العربية في حاجة إلى دراسة ماضيها وتراثها وتاريخها، فهي في أشدّ الحاجة إلى دراسة التنوير الغربي ومختلف التجارب الحضارية الناتجة عن التنوير، لا تكتفي بالجهود الفردية، وإنما ترقى إلى بناء مؤسسات ومراكز علمية تمكننا من معرفة دقيقة بعيدة عن المعرفة العامة والإعلامية والأيديولوجية.

3. ثمّة حقائق في نقد التنوير تتمثل بخاصة في نقد العقل التنويري بما هو عقل نفعي وأداتي وتسلطي، والعلم بما هو سلطة وسيطرة على الطبيعة وعلى الإنسان، والكونية بما هي إقرار لكونية القيم الأوروبية التي تمّ فرضها بالقوة العسكرية، وذلك تحت ذريعة الحضارة الراقية[32]، وتحول التقدّم، رغم ما حققه من إنجازات، إلى خطر يهدّد مصير البشرية، وذلك نظراً لطابعه الكمي والفردي.

4. رغم الإقرار بهذه المظاهر النقدية التي أصابت قيم التنوير، فإنّ ذلك لا يؤدي بالضرورة، كما فعلت بعض اتجاهات ما بعد الحداثة، إلى التضحية بالعقل والعلم والتقدّم والحرية، وإنما يجب أن يؤدي إلى ضرورة فحص هذه القيم، وذلك بالنظر في العقل بما هو ملكة معرفية وطاقة إبداعية لا تتعارض مع الخيال والذاكرة، أو ما يمكن تسميته بـ(العقل التضافري)، وتنمية المعرفة العلمية بما هي إمكانية إنسانية لتحسين قدراته، والنظر إلى العالمية من جهة الاختلاف والتنوع والمساواة في الوقت نفسه، وإلى التقدّم بما هو قدرة على: "اكتساب القدرات الخاصة لحلّ بعض المشكلات، والوعي بالمشاكل الجديدة"[33].

5. عرف موقف التنوير من الدين في السياق الغربي تحولات أساسية، وبخاصة التحول الذي عرفته المسيحية الكاثوليكية، كما بيّن ذلك مجمعها الكنسي الثاني الذي أقرّ بعدم التعارض بين العلمنة والحياة الروحية. كما أدّت ما بعد الحداثة إلى عودة الديني ومناقشة البعد الروحي عند العديد من التيارات الفلسفية والسياسية التي شرعت في طرح المسألة الروحية من خلال الحديث عن المقدّس والإلهي والديني.

6. إنّ ما يجري اليوم في الفكر السياسي الغربي من نقاش حول طبيعة الحكم عموماً يؤكد هذه الحاجة إلى إعادة النظر من جديد في مختلف الأسس التي قام عليها المشروع الحضاري الغربي. ومن بين هذه المواضيع نشير إلى مسألة الاعتراف، وطبيعة الدولة، وحقوق الإنسان، وبخاصة الحقوق الثقافية للأقليات، وما تطرحه من مشكلات.

وتُعدّ التحليلات التي قدّمها مارسال غوشيه، وليك فريي، وريجس دوبري مثالاً على هذا النقاش الذي يمكن اختصاره في: علاقة الدين بالدولة العلمانية، ومسألة الروحانية العلمانية (la spiritualité laïque)[34]، وموضوع المقدّس، وعلاقة الدولة بالأقليات الثقافية في الغرب، ومنها الجاليات الإسلامية التي تعتبر سبباً من الأسباب التي دفعت نحو إعادة النظر في علاقة الدولة بالدين.

7. إذا كان الفكر السياسي الغربي يعيد النظر في بعض مبادئه الناظمة للحياة الأخلاقية والسياسية، فإننا نعتقد أنّ الثقافة العربية والإسلامية في أشدّ الحاجة إلى إعادة التفكير في هذه العلاقة التي يحكمها غالباً توجّهان أساسيان متقابلان: توجّه يرى اندماج السياسي في الديني اندماجاً كاملاً، ويجد تعبيره في مختلف التيارات الإسلامية السياسية المعاصرة، وفي المقابل هنالك تيار علماني رفع العلمانية إلى درجة العقيدة والأيديولوجية، نافياً أن تكون إجراء قانونياً منظماً لعلاقة الدين بالسياسة. وقد قام هذان التياران باستبعاد منهجي منظم للرأي القائل إنّ: "الإسلام في نصوصه الأصلية، وفي فضاء (التيار الأغلبي) العمومي الذي يمثله، يعرض خلاصاً أرضياً مباشراً قائماً على (العدل) و(المصلحة) في سياق رؤية حضارية وقيم إنسانية رحيمة"[35].

8. يجب علينا النظر إلى الدين في مستوياته الأساسية، وبخاصة الدين بما هو نصوص مقدّسة خاضعة للتأويل، والدين بما هو تجربة تاريخية منجزة، والدين بما هو تصورات دينية نسبية وفاعلة في الحاضر. وإذا كان الدين بما هو معطى وجودي خاص بالإنسان تفرض الحرية الإنسانية احترامه وتقديره، فإنّ التجربة التاريخية والتصورات الفاعلة يجب إخضاعها إلى المناقشة العقلية والنقدية الهادفة إلى سعادة الإنسانية.

9. إنّ التنوير بما هو رفع للوصاية، وبلوغ لسن الرشد لا يتأسس إلا من خلال نظام ديمقراطي أساسه المواطنة بما هي علاقة قانونية بين الحاكم والمحكوم. وهو ما يعني أنّ التنوير ليس عملية موضوعية خارجية، وإنّما هو قبل كلّ شيء عملية تحويل ذاتية لذات النفس، تستجيب بشكل من الأشكال إلى القاعدة القرآنية القائلة: "إنّ الله لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم"[36].

(نشر بإذن خاص من مؤسسة مؤمنون بلا حدود للدراسات والأبحاث mominoun.com ).

http://thewhatnews.net/post-page.php?post_alias=_%D9%85%D9%88%D9%82%D9%8...

[17]. Isaiah Berlin, Le Mage du nord, critique des lumières: G.Hamann1730-1788, Paris, PUF, 1997,p.1

[18]. Ibid.p. 7.

[19]. Ibid.p.23.

[20]. Pierre Pénisson, Kant et Herder, In, Revue germanique Internationale, No 6,1996, p.63-74.

[21]. Pierre Pénisson, Herder et les Lumières, L’Europe de la pluralité culturelle et linguistique, In, Revue Germanique Internationale, N20, 2003. 

[22]. Zeef Sternhell, Les anti-lumières du XII siècle à la guerre froide, Paris, Fayard, 2006.

[23]. Ibid., p.67.

[24].Jürgen Habermas, Le discours philosophique de la modernité, trad. Christan Bouchindhomme et Rainer Rochlitz, Paris, Gallimard, 1985. p .25.

[25]. Ibid., p.103.

[26]. Ernst Cassirer, La philosophie des lumières, trad. Pierre Quillet, Paris, Fayard, 1966, p.32.

[27]. Ibid., p.33.

[28]. ماكس هوركهايمر وثيودور أدورنو، جدل التنوير شذرات فلسفية، ترجمة جورج كتوره، دار الكتاب الجديد المتحدة، بيروت-لنبان، 2006، ص 13

[29]. المصدر نفسه، ص 13

[30]. المصدر نفسه، ص 10

[31]. جان- فرانسوا ليوتار، الوضع ما بعد الحداثي، ترجمة أحمد حسان، دار شرقيات للنشر والتوزيع، القاهرة- مصر، 1994، ص 23

[32]. كان كوندرسيه يحلم بقيام دولة عالمية متجانسة، وهو ما سمح لأحد المنظرين الاستعماريين، وهو بول لورا بوليوا بالقول: (إنّ حوالي نصف سكان الكرة الأرضية من المتوحشين يناشدون الشعوب المتحضرة التدخل لمساعدتهم بصفة منتظمة ومستمرة).

[33]. يورغن هابرماس، بعد ماركس، ترجمة محمد ميلاد، دار الحوار، اللاذقية- سورية، 2002، ص 104

[34]. Luc Ferry & Marcel Gauchet, Le religieux après la religion, Paris, Grasset, 2004, p.14.

[35]. فهمي جدعان، في الخلاص النهائي: مقال في وعود الإسلاميين والعلمانيين والليبراليين، دار الشروق للنشر والتوزيع، عمّان ـ الأردن، 2007، ص 112

[36]. سورة الرعد، الآية 

 

إضافة تعليق

1 + 0 =
Solve this simple math problem and enter the result. E.g. for 1+3, enter 4.