ميشيل فوكو نصير المهمّشين وعدو الأسياد

يعتبر المفكر ميشيل فوكو، المتطرف بدفاعه عن الأقليات والمهمشين، موضع هجوم المؤرخين الذين اعتبروه فيلسوفاً فوق الحد والفلاسفة الذين اعتبروه أيضاً مؤرخاً زيادة عن الحد،
وكذلك المتهم بمساندته للثورة الإسلامية الإيرانية عام 1979 والذي كان عرضة للسخرية من قبل المتشددين الحمقى الذين رؤوا فيه القاتل الناقل للإيدز، المفكر الأكثر تناولاً في الدراسة والتعليق خلال النصف الثاني من القرن العشرين سواء لدى المختصين بالدراسات الثقافية ودعاة الليبرالية أو لدى المفكرين في مرحلة ما بعد الماركسية والمنظرين في الأدب والفن وتاريخ العلوم. وأي دراسة شاملة لن تستطيع استنفاذ ثراء مفكراً بهذا الحجم.
في كتاب صدر حديثاً في فرنسا بعد 25 عاماً على وفاته بعنوان «تلك الدروس عن الرغبة في المعرفة» للمفكر المقرب من اليسار الثاني فوكو، نجد فيه كافة أشكال الفكر التي تعج في غليان دائم ضمن خليط واحد. ومن هذا الإرث الفكري الواسع جمع صديقه دانييل ديفير الدروس الأولى التي ألقاها فوكو في كوليج دو فرانس من عام 1970 – 1971.
لم ينفع رفضه والإعراب عن رغبته بعدم نشر كتب له بعد وفاته، لأنه ووفق ما برره صديقه «نحن هنا لا نقوم بطبع مخطوطة له لم ينته من كتابتها، وإنما تسجيلات كان قد وافق فوكو عليها».
ويسلط هذا الكتاب الذي يعد بمجموعة إصدارات لاحقة، الأضواء على مقاربة جديدة شاملة للمفكر فوكو عن الجنسانية والجنون والطب وعلم النفس المرضي والفلسفة والمعارف المؤسسية الكبرى مثل: العلوم والاقتصاد والسياسة والقانون. حيث لم يمهله الموت وقتاً ليعرض بشكل واسع كل المواضيع التي سكنت فكره. لقد أراد فوكو أن يكشف ويشرح في تلك الدروس من خلال تأويله لنصوص مشهورة تعود لفلاسفة اليونان القدماء «هزيود، أرسطو، هوميروس، سوفوكليس والسفسطائيين» ومشروحة من قبل كانط وسبينوزا ونيتشه، كيف أن كل عصر يفرز خطاباً يهدف إلى الفصل بين الخطأ والصواب، الحق والباطل، الصافي والدنس. أي بالنسبة إليه لا بد من توضيح كيف تتشكل خلف النظام الظاهر للكلمات والأشياء شروح وتفسيرات متناقضة ومتعدية: اضطراب، طقوس، وقفات وثغرات.
وضمن هذا السياق تتصارع باستمرار عدة نماذج من المعرفة، صراع بين إرادة السيادة ورغبة الحقيقة: السلطة العليا الملكية للواحد، من جهة، ومن جهة أخرى التفاوت الناتج عن إنكار أي وحدة. وضمن تلك الدروس، خصص فوكو فصلاً كاملاً للمسرحية اليونانية الشهيرة «أوديب ملكاً» التي تقدم شهادة، وفق فوكو، وبشكل رمزي، عن لحظة أصلية لمواجهة الفكر الأوروبي لجميع نماذج المعرفة. وقد أعطى تفسيرات مغايرة لتلك الدراسات القديمة.
بالنسبة إلى اليونان، يعتبر أوديب بطلاً تراجيدياً تجاوز كل المقاييس. وفي عرض للمسرحية يقوم الملك لايوس بتسليم أوديب وهو صغير من أجل تفادي تحقق نبوءة أبولون التي تنبأت له بأن ابنه سوف يقتله، وهذا بدوره وبدلاً من أن يأخذه إلى جبل سيثيرون يعهد به إلى أحد الرعاة الذي يعطيه إلى بوليب، ملك كورنثه. وعندما يشب أوديب وفي محاولة للهرب من نبوءة تنبأت له بأنه قاتل أبيه، يتوجه إلى ثيبس، وفي الطريق يتواجه مع موكب أبيه الحقيقي لايوس ويقتله إثر مشاجرة. وفي مدينة تيبس التي يدخلها يتزوج الملكة جوكاست التي لم يحبها ولم يرغب بها عربون انتصاره على التنين وينجب منها أربعة أطفال. وعندما يتفشى الوباء في المدينة يعرف أوديب الحقيقة وجوكاست ما هي سوى أمه. يعتقد أوديب في قرارة نفسه أنه قادر وقوي لأنه متسلح بالمعرفة والحكمة، ولكنه اضطر لأن يكتشف في ذاته شخصاً آخر، شخصاً دنساً يعكر صفو نظام تراتبية الأجيال، ابن وزوج أمه، أب وأخ أطفاله وقاتل والده.
وعندما تناول فرويد تأويل تلك القضية عام 1896، حاد وتحول عن كافة التأويلات اليونانية بصدد تلك المأساة وجعل من أوديب بطلاً مذنباً لأنه رغب بشكل لاشعوري بوالدته إلى درجة الرغبة في قتل والده. وبالتالي، ربط فرويد علم التحليل النفسي بمصير العائلة البرجوازية الحديثة: عزل الأب من قبل ابنه، الرغبة في الاندماج مع الأم، كشكل أولي لكافة أشكال التعلق العاطفي.
ينتقد فوكو هذا التأويل الفرويدي مؤكداً أن المأساة الأوديبية وضعت في الواجهة مختلف أشكال المعرفة: الإجراء القضائي للبحث، القانون التنجيمي، السيادة الانتهاكية الآثمة، معرفة الناس في الأسفل «الرسول، الراعي» المعرفة الحقيقية للعراف. وينتهي إلى استخلاص نتيجة مفادها أن مأساة أوديب تعني نمطاً مؤسساً، وهو أنه يمكن دحض كل معرفة موحدة من قبل معرفة شعب ومعرفة حكيم «تيريزياس». حينما أصبح أوديب مدنساً فقد معرفته بالحقيقة، ولم يعد يستطيع الحكم، ويؤكد فوكو: «لا يمكن لأوديب أن يحكي عن حقيقة غرائزنا ورغباتنا، وإنما يحكي عن نظام إكراه وإرغام يخضع له خطاب الحقيقة في المجتمعات الغربية انطلاقاً من الحضارة اليونانية القديمة».
وها نحن نرى هنا كيف واجه فوكو خطاب التحليل النفسي، الذي أسس في مرحلة ما لمعرفة جديدة عن الإنسان. ولهذا السبب حوّل في عام 1976 في كتابه «الرغبة في المعرفة» المجلد الأول من كتابه «تاريخ الجنسانية» - ومنه استعار الدرس الأول عنوانه – عالم النفس فرويد إلى شكل آخر من أوديب عبر إعادة التأسيس للسلطة الرمزية لسيادة مفقودة «قانون الأب» في مواجهة تصاعد قوة ثلاثة رموز معادية من المرأة الهستيرية والطفل الاستمنائي والمثلي الجنس. طريقة التفكير عند أسس تاريخ التحليل النفسي.
ولكن خلف هذه المواجهة، يعكس تأويل فوكو لمأساة أوديب مفهومه السياسي. وبعيداً عن أي مناهضة للإنسانية – المصطلح الذي كان يخيفه – جعل فوكو من العلاقة بين معرفة الحكمة ومعرفة المجتمع المدني شرطاً لظهور خطاب ديمقراطي حقيقي قادر على قلب السيادات القديمة البالية.

إضافة تعليق