نجا من التأطير التعليمي فغيَّر العالم بإبداعاته " ستيف جوبز"

إن قابلية الإنسان للتعود والتبرمج هي أهم وأخطر خصائصه وأشدها تأثيرًا وفاعلية إيجابًا أو سلبًا وهي تتبرمج تلقائيًّا في الطفولة كما تتبرمج قصدًا بعد بزوغ وعيه إن هذه القابلية الأساسية شديدة الضرر كما أنها عظيمة النفع فالإنسان هو ابن عاداته ليس فقط بالمستوى الذي عناه ابن خلدون حين لَفَتَ الأنظار إلى هذه الظاهرة البشرية وإنما بشكل أعمق وأشد فاعلية وحَسْمًا كما تؤكد ذلك العلوم الحديثة خصوصًا المكتشفات الأخيرة في علم الأعصاب فليس تفكير الإنسان في ارتقائه وهبوطه وفي حقائقه وأوهامه وليس سلوكه في خيره وشرِّه وليست معارفه أو جهالاته وكذلك مهاراته وكلاله وانفتاح عقله أو انغلاقه ولطفه أو تحجُّره وتَعَصُّبه أو تسامحه وفاعليته أو سلبيته إن هذه وغيرها مما يصدر منه وعنه ليست سوى سلسلة من العادات الذهنية والسلوكية والعملية فكل محتوى الذهن الفردي هو ثمرة التشرُّب التلقائي كشيء تأسيسي ثم هو ثمرة التعبئة الواعية وتكرار الفعل كشيء لاحق ومتواصل إنها عملية بناء مستمرة تمتد وتتسع وتقوى وتتأصَّل وتكتظ وترسخ بمقدار التكرار فقابليات الإنسان تعطي ماتلقته وبمقدار التشبُّع والاكتظاظ والرسوخ يكون التدفق أو الانسياب التلقائي وهي تفيض باللُّطف أو بالعنف وبالعلم أو بالجهل وبالخير أو بالشر وبالحق أو بالباطل وبالمهارة أو بالكلال فكل إناء بما فيه ينضخ إن القابليات التي كانت فارغة عند الولادة تمتلئ تلقائيًّا ثم يتواصل التشبُّع تلقائيًّا وقصدًا فلا تُعطي القابليات إلا ماتلقته.. هكذا هي قابليات الإنسان تفيض تلقائيًّا بما تبرمجت به واعتادت عليه وتعبَّأتْ به فلولا هذه التلقائية في التلقي وفي الأداء لما كانت الحياة ممكنة لكن المعضلة البشرية العامة أن التأثير الحاسم للتبرمج الأسبق وهو تبرمجٌ تلقائي لم يخضع غالبًا لأي تمحيص..
ولأن الإنسان كائنٌ تلقائي فإنه يظل منتظمًا على ماتبرمج به أوَّلاً لكنه في حالات استثنائية نادرة يتعامل مع الواقع ومع محتويات ذهنه بعقل فاحص ورؤية منفكة عن البرمجة التلقائية فيعيش همَّ التحقق ويمضي مندفعًا في هذا الاتجاه الصعب بكل صدق وإخلاص وتصميم وحرص ودقة ووعي وكما يقول آينشتاين : (إن أولئك الأفراد الذين ندين لهم بأعظم الإنجازات العلمية كانوا جميعا تواقين عقليا للمعرفة ولو لم يكن هذا الاقتناع جياشًا بالعاطفة لما استطاعوا الانقطاع الدائب الذي يستطيع وحده أنْ يدفع المرء إلى القيام بجلائل الأعمال) إن الشغف والتوق الذاتي شرطٌ لانفتاح القابليات واستجابتها أخْذًا وعطاءً وهذا يؤكد أن الإنسان كائنٌ تلقائي فلا بد أن يتأجج الدافع في داخله للتلقي أو للإفضاء أما إذا كان يعمل أو يتعلَّم قسرًا أو اضطرارًا فإن قابلياته لا تستجيب وهذا يستوجب أن يتم التعامل مع الإنسان بوصفه كائنًا تلقائيًّا فتستثار طاقاته لكي تنفتح قابلياته للتلقي أو للإفضاء فتتدفق من أعماقه...
فلولا تلقائية الإنسان وقابليته للتعود والتبرمج لما تحققت هذه المهارات الفردية المدهشة التي يقف الناس أمامها مبهورين وتقام من أجلها المهرجانات الحاشدة والاحتفالات العالمية إن العادات المكتملة التكوين.. والقابليات التي عُبِّئت باهتمام وشغف بمواد منتقاة بعناية هي مصدر الإبداع ومنبع المهارات ومنهل الإنجاز ولكن بمقدار مافي هذه القابلية الأساسية من نفع عظيم للقلة المبدعة فإنها ذات أضرار فادحة على الأكثرية الإمَّعية حيث إنه بالتعود والتبرمج يذوب الفرد في التيار العام ويصير مجرد خلية في جسد المجتمع وكما يقول الفيلسوف الأكبر كانط: (إن النظام الذي يُفرَض من جانب الآخرين على الأطفال يجعلهم حتمًا مقيَّدين) إن الناس غالبًا يعتقدون أن التعليم خيرٌ محْض ويغفلون عن أن قابلية الإنسان للتعود والتبرمج تجعل التعليم التلقيني يؤطِّر العقل والعواطف ويحدد المسار والاتجاه ويغلق دون قصد مسارات التفرد والإبداع...
إن قابلية التعود والتبرمج تجعل كلَّ تأطير تحديدًا وتقييدًا وتضييقًا وحصرًا فالدارسون يبقون على المقاعد الدراسية حتى الخامسة والعشرين من أعمارهم إن اكتفوا بذلك ولم يواصلوا الدراسات العليا فخلال كل فترة التشكل يظل الدارسون في حالة إصغاء واستسلام وهي مدة طويلة جدا إنها أكثر من كافية لكي يعتاد الدراسون على فقدان النزعة الفردية وضمور إمكانات التفكير الفردي المستقل والتشبُّع بغبطة التبرمج والإمعية والقبول الأعمى وتلاشي احتمال ظهور العقل النقدي وغياب أهلية المغامرة الذهنية...
ومن ناحية أخرى فإن التعليم الجمعي في كل مجتمع يسعى لتوطيد الواقع وتزكية السائد وبرمجة العقول والعواطف على تصورات ونماذج وتفضيلات وقيم واهتمامات متوارثة ومستقرة وراسخة فالتعليم الجمعي ليس وسيلةً للإبداع والتغيير وإنما هو وسيلةٌ للتوطيد والترديد والتأكيد وتعميم الغبطة بالانتظام في السائد والاستمرار عليه والاستماتة في الدفاع عنه..
وإذا كان هذا هو شأن التعليم الجمعي في مختلف المجتمعات حيث يبقى التعليم محكومًا بالواقع وامتدادًا له وتأكيدًا لتصوراته وقيمه واهتماماته وخاضعًا لرؤاه ووسائلة وأهدافه سواء كان المجتمع مزدهرًا أم كان متخلفًا فإن العلم بعكس ذلك تمامًا إنه انفصالٌ فرديٌّ عن التلقائية العامة ومغامرةٌ فردية في المجهول واكتشافٌ للطبائع الخفيَّة للأشياء إنه تغييرٌ للنماذج الذهنية وتصحيحٌ للتصورات الثقافية واستبدالٌ للاهتمامات غير المنتجة وفتحٌ للآفاق المجهولة وكما يقول عالم الفيزياء الشهير ريتشارد فينمان في كتابه (معنى هذا كله): ((إنك لا تعيش عصرك إنْ لم تعرف بأن العلم مغامرةٌ هائلة وأنه شيءٌ جامحٌ مثير) إنه ليس حفظًا لمعلومات جاهزة وقواعد مستقرة ولكنه إبحارٌ جريء في المجهول.. وارتيادٌ جسور للآفاق.. واهتمامٌ تلقائي قوي مستغرق بالتحقُّق.. وتوقُّفٌ فاحصٌ لمحتويات الذهن وعاداته ونماذجه وتفضيلاته وما تَكَوَّن فيه تلقائيًّا ورَسَخَ من تصورات...
إن المعضلة البشرية الكبرى أن قابليات الإنسان في طفولته في كل زمان ومكان يحتلها الأسبق فيتشكَّل وعيه بهذا الأسبق ويتحدد به اتجاهه وقيمه وغاياته.. وتتضاعف المعضلة بأن الإنسان بطبعه يبقى مغتبطًا بما تَشكَّل به وما اعتاده وما تبرمج به فهو بشكل عام ليس مستقلاً في تفكيره وإنما هو قطرةٌ في التيار السائد إنه يستوحش من الانفراد ولا يسعى إليه ولا يرغب فيه وينفُر تلقائيًّا مما هو مغاير لما تبرمج به أما الذين اكتشفوا المجهول وأبدعوا الإضافات النوعية التي تقدمت بها الحضارة فهم أفرادٌ معدودون على مر التاريخ فالريادة حالة استثنائية خارقة ونادرة تظهر من حيث لا يتوقعها أحد ولم يُخَطِّط لظهورها أحد فهي ليست نتاجًا مقصودًا شائعًا...
لذلك فإن الإنسانية ليست مدينة بحضارتها العظيمة لعموم المهنيين التنفيذيين المرددين من المتعلمين وحاملي الشهادات وأهل الألقاب الأكاديمية ولا للملايين من خريجي الجامعات في مختلف التخصصات فهؤلاء مجرد مستخدمين لمعارف وقواعد ومناهج وأساليب ووسائل وأدوات أنجزها الرواد والمكتشفون والمبدعون والمخترعون .. لذلك فإن الحضارة مدينةٌ لأهل المبادرات الفردية الخارقة الذين نجوا من التأطير التعليمي الجمعي من أمثال: كوبرنيكوس وكبلر وجاليليو وبرونو ونيوتن ومندل وليفنهوك وهارفي وهوك ودافي وجوتنبرج وكولومبس وآركرايت وفولتا وامبير وجيمس وات وفراداي ودافنشي وإيستمان واديسون وفورد وماركوني وبنز ونوبل وديزني وكلاشنكوف وبل قيتس وستيف جوبز وغيرهم من الرواد الخارقين الذين بقوا أحرارًا بعقول مفتوحة وميول تلقائية متوثبة..
وقبل هؤلاء المكتشفين والمبتكرين والمخترعين والمغامرين الذين غيروا طبيعة الحياة البشرية كان المفكرون والفلاسفة هم الأعظم تأثيرًا من أمثال: طاليس وسقراط وأفلاطون وأرسطو وفرانسيس بيكون وديكارت وجون لوك وهيوم وآدم سميث وكانط وفولتير ومونتسكيو وروسو وجوته وتوكفيل ووليم جيمس وبرتراند راسل وغيرهم...
إن إنجازات القلة المبدعة على امتداد التاريخ صارت ملكاً لكل الناس من مختلف الأمم وفي مختلف الأوطان وبات الجميع يتحدثون عن الحضارة الإنسانية من دون تَذَكُّر أنها إبداع القلَّة ومن غير تفريق بين أفراد خارقين فكَّروا بفاعلية وغامروا بجسارة وساروا ضد التيار العام فأبدعوا وأنجزوا وبين الملايين الذين قاوموا الإبداع وحاربوا الرواد وواصلوا إغلاق النوافذ وإيصاد الأبواب وداوموا على إقامة حصون التخلف وأمعنوا في قمع الفكر الخلاق المغاير ولكنهم بعد أن تنتشر المنجزات الإبداعية يصيرون هم الأشد شراهة لاستخدامها غير أنهم مع الرفض ابتداء والشراهة لاحقاً لا يحترمون من أنجزوها ولا يعترفون لهم بالتميُّز وهذه إحدى مفارقات المجتمعات المتخلفة بل هي إحدى المفارقات البشرية في كل زمان ومكان فالريادات عند ظهورها تكون مرفوضة ومنبوذة في كل المجتمعات تقريبا ثم تأتي أجيالٌ لاحقة فتستجيب لها وتأتي الاستجابة بواسطة قلَّة واعية تتولى نشر المنجز أما الأكثرية فتعيش التطور الحاصل وتستمتع به من دن إدراك لأسبابه وبهذه الاستجابة الإيجابية المتأخرة من القلة الواعية وبهذه المعايشة التلقائية من الأكثرية تنمو وتتطور الحضارة في عملية جدلية مستمرة بين الإشراقات الريادية الخارقة والاستجابات الاجتماعية الإيجابية الكافية التي لا تأتي أبدًا إلا متلكئة أما الاستجابات السلبية فهي الرد التلقائي الغالب حيث تستمر البيئة غالبًا في الرفض والمقاومة...
إن الرواد المغامرين يسيرون دائمًا في اتجاه مضاد للتيار العام السائد فإذا كان التعليم الجمعي يستهدف تكريس الواقع وتزكية السائد فإن المبادرين المبدعين يسعون لتغيير الواقع وتجاوز السائد وشق مسارات جديدة للتقدم والازدهار ولقد كان ستيف جوبز واحدًا من أبرز الرواد المغامرين في هذا العصر ويعود انفراده الباهر إلى أنه نجا من التطويع الأُسري ومن التأطير التعليمي فعاش حُرًّا طليق العقل مفتوح الوجدان فصاغته الظروف القاسية على هذا النحو الفريد...
إن شعور ستيف جوبز المبكر بأنه مسؤول عن نفسه وعن مستقبله وبأنْ لا أحد يعتني به سوى ذاته قد أكسبه وعيًا مبكرًا وصلابة مبكرة فنما ذكاؤه وخياله ونمت قدراته فصار مقدامًا في مجالات الفكر والفعل فكان يفكر لنفسه ويتخذ القرارات المصيرية بنفسه ويتحمل المسؤولية بنفسه فالحياة وظروفها ومكابداتها وقسوتها هي المعلِّم الحقيقي وبقدر المواجهة لهذه الظروف يكون النضج.. وبالمقابل فإنه بقدر الاعتماد على الغير كما هي حال المترفين المدللين أو من يستسلمون للتلقين التعليمي الكثيف الطويل تبقى الفجاجة وتستمر السذاجة ويتأصَّل الكلال فالإنسان يعتاد أن يعتمد على غيره إذا كان محميًّا ومعتنىً به أو يعتاد أن يعتمد على نفسه إذا واجه الظروف منفردًا وبهذه المواجهة تتكوَّن العصامية كما هي حالة دافنشي وروسو وجان جانيه وهنري ميلر وغيرهم وهي الحالة التي وَجَدَ ستيف جوبز نفسه محاصرًا بها فانطلق في المواجهة بهذه الانطلاقة العصامية الباهرة..
يقول مؤلفو كتاب (كيف تعمل جوجل) وهم إريك سميدت وزميلاه: (رأى ستيف جوبز المستقبل رأي العين ولا يوجد مثالٌ على تأثير المبدع العبقري على العالم أفضل منه فقد كان مثالاً حيًّا على المزيج بين التعمق التقني والموهبة الفنية والإبداعية كما كان عبقريا في مجال المشروعات التجارية.. مكَّن نفسه من ابتكار منتجات حاسوبية أسَرَتْ العالم كلَّه كما أنه مَزَجَ بين الجمال والعلم في المجتمع التقني المليء بالكثير من المهووسين بالتقنية لكنه لا يحتوي إلا على القليل جدا من الفنانين.. ) ويقول روزنبرج وسميدث: (لقد تعلم كلانا الكثير عن المبدعين العباقرة عبر العمل مع ستيف ومراقبته وتعلَّمنا كذلك الكثير عن كيف يمكن للأسلوب الشخصي أن يؤثر على ثقافة الشركة وكيف أنَّ تكوُّن هذه الثقافة مرتبطٌ بشكل مباشر بالنجاح).
إن قصة حياة ستيف جوبز زاخرة بالدلالات العظيمة فهو منذ ولادته لم يعرف أمه ولا أباه وإنما تبنته أسرةٌ أميركية بعد أن وجدتْه في أحد ملاجئ الأيتام فحَمَل اسم العائلة التي تبنته فهو لم يعرف حنان الأمومة ولا دلال الأسرة ولا نعومة التنشئة ولا تدخُّلات الأب الآمرة الناهية كما أنه قد اكتفى من التعليم بالمرحلة الثانوية فنجا من التأطير التعليمي حيث لم يجد ما يغريه في مواصلة الدراسة الجامعية وهذا يؤكد أنه صاحب عقل استثنائي حر فريد، فقد أدرك أن استمراره في المحاجر الدراسية هو تنازلٌ عن الفردية وبخسٌ للذات وإهدارٌ لسنوات ثمينة من عمره وتأطيرٌ لعقله وعواطفه وذوبانٌ في التيار العام.. ومن ناحية أخرى فإن قصة حياته تقدِّم دليلاً استثنائيًّا نادرًا يمكن أن يحسم الخلاف المتجدد بين من يزعمون بأن الوراثة هي أساس التميز ومن يقولون بأن الثقافة هي العامل الحاسم في افتراق الناس وتفاوتهم وكذلك افتراق وتفاوت الشعوب والأمم فالإنسان بما ينضاف إليه وليس بما يولد به..
إن قصة نجاحات ستيف جوبز المتنوعة والباهرة قد تكون دليلاً حاسمًا على أن اختلاف الثقافات هو المصدر الحقيقي للتفاوت الهائل على مستوى الأفراد وعلى مستوى الأمم فهذا المبتكر المدهش والملهم ينتمي جينيًّا وعرقيًّا إلى العرب ولكنه ينتمي ثقافيًّا إلى الغرب فأبوه رجلٌ عربي سوري لكنه تخلَّى عنه منذ ولادته وسلَّمه لأحد الملاجئ لأنه نتاجُ علاقة من غير زواج ثم تبنته أسرة أميركية فتشرَّب الثقافة الأميركية ولم يتأثَّر بانتمائه العرقي ولا بالجينات التي ورثها من أبيه العربي وإنما صاغته الثقافة الأميركية فالإنسان كائنٌ تلقائي يتبرمج بالبيئة التي ينشأ فيها..
تخيَّل لو أن هذا الأب العربي لم يتخلَّ عن ابنه ستيف جوبز وأنه قد أرسله إلى أهله في سورية فتشرَّب الثقافة العربية وتشبَّع بشتم الغرب ومعاداة أميركا فماذا سيكون مآله؟! ربما يصير جنديًّا في جيش النظام يقاتل الثوار أو يكون مقاتلاً من مقاتلي داعش أو جبهة النصرة فالإنسان بما يتبرمج به وينشأ عليه وليس بما يولد به إنه كائنٌ ثقافي وهو كائنٌ تلقائي تتشكَّل قابلياته بالأسبق ويبقى هذا الأسبق يحتل عقل الفرد ووجدانه ويتحكَّم به ويحدِّد اتجاهه وقيمه واهتماماته ومصيره..
حين نتأمل في الأعظم تأثيرًا إيجابيا في الحياة الإنسانية حاليا سوف تبرز بضعة أسماء لأفراد مبدعين يأتي في مقدمتهم ستيف جوبز وبل قيتس ومارك زوكربيرج وجوليان أسانج.. وكلهم عزفوا عن مواصلة التعليم الجمعي واعتمدوا على أنفسهم في التعلُّم والإبداع والإنجاز، إن هذا التأثير العالمي الهائل لبضعة أفراد أميركيين لو أنه قورن بتأثير وإبداع وإنجاز ملايين العرب الذين خَرَّجَتْهم الجامعات خلال قرن كامل لكانت النتيجة فاضحة ومخزية.. وهنا نكرر التأكيد على أن المعوَّل عليه هو الثقافة وما تدفع إليه من اهتمامات وما تتضمنه من قيم ومعايير وتصورات.. يؤكد ذلك أن ستيف جوبز عربي العرق والجينات لكنه أميركي التنشئة والمعايير والاهتمامات والقيم وطريقة التفكير وأسلوب الحياة فجيناته عربية وثقافته أميركية وهذه الحقيقة الفارقة تستوجب التوقف الطويل والتأمل الفاحص..
إن العالم كله يعرف ستيف جوبز بواسطة إبداعاته الخارقة التي يستخدمها الجميع فلست أقصد التعريف به ولكنني أردت إبراز بعض ما تتضمنه قصة حياته الاستثنائية من دلالات عظيمة لقد فكَّر باستقلال وتَحَرَّك بتفرُّد فأبدع وأنجز وخَدَم الإنسانية كلها وبنى لنفسه مجدًا باذخًا فمن العدم أنشأ شركة إبداعية صارت إمكاناتها المالية تعادل إمكانات عدد من دول أميركا الجنوبية أو دول أفريقيا.. لقد كان رياديًّا خارقًا عاش في بيئة تتقبِّل الريادة وتستجيب للنجاحات وتتلقَّف الابتكارات فتضافر العامل الفردي الخارق والبيئة الاجتماعية الإيجابية لتجعل منه هذا الرجل الأسطوري المذهل..

إضافة تعليق