نحن والاخر (الغربي)،وفاق ام افتراق؟

ان نكون مسلمين يعني فيما يعني اننا نسلم بما تفرضه علينا أحكام السنن الكونية المتحكمة بحركة العالم بعيدا عن رغباتنا، او إدراكنا،أو إسقاطاتنا الذاتية الخاصة بنا حول العالم.ومما تفرضه علينا السنن الكونية التي لا محيص عنها هو كون هذا العالم مليئا بمن هو غيرنا ،ومن لم يسمع بنا ، ولم يتعرف علينا ولم نتعرف عليه نحن ايضا ،لكنه برغم ذلك قد يكون مثلنا ،ويتحدث عن الشئ نفسه الذي نتحدث عنه دون ان يدري هو، وأيضا دون ان نعلم نحن بأنه يتحدث الشئ نفسه الذي نتحدث عنه.

فكما العالم المادي(غير العقلي) أو (غير العقلاني) متنوع ومتعدد الأشكال والصيغ والهيكليات، لكنه يؤدي وظيفة واحدة ، ويعبر عن حقيقة واحدة ،فان العالم البشري العقلي والعقلاني المتنوع والمتعدد في أشكاله وهيئاته يبدو انه في النهاية يلهج بلغه واحدة في النهاية وان تحدث بلغات متعددة .وفي هذا السياق ينقل احد كبار العلماء نكتة ذات دلالة خاصة في هذا الباب،مفادها ان ثلاثة فقراء من المسلمين ،فارسي ،وتركي ،وعربي،كانوا يجلسون على قارعه الطريق،فمر بهم رجل فتصدق عليهم بمبلغ من المال،فقال الفارسي:لا نشتري به إلا (أنكور) وقال التركي:لا،بل نشتري به (رستخيس)، وقال العربي:لا،بل نشتري به (العنب)، وتجادلوا كثيرا حتى كاد يصل جدالهم إلى الصدام ،حتى مر بهم رجل يعرف اللغات الثلاثه فقال لهم:انكم انما تتكلمون عن شئ واحد!..
ان تجربه العالم المعاصر التي تكاد تقرب الشعوب والأمم بعضها من بعض إلى درجه التماثل والتطابق (ولا تدخل القلة القليلة من أرباب المال والثروة والسلطان التابعين لحكومة (اليهود)الخفية التلمودية) تؤكد يوما بعد يوم ان الإسلام دينا ومنهجا وقاعدة عمل بات منتشرا في العالم سنه كونيه متحكمة في مسيرات الأمم والشعوب سواء بطريقه البحث للوصول الى الحقيقة المطلقة ،او بطريقة الانجازات المترتبة على جهود ومساعي العلماء والباحثين والمفكرين ،او بطريقه العيش اليومي الذي تمارسه شعوب الأرض المختلفة .
صحيح إننا قد لا نرضى او نقبل او نقر بالعديد من تصرفات وسلوكيات سكان العالم الأخر الذي نطلق عليه العالم الغربي،باعتبارها تصرفات ومسلكيات لم تنشأ عن تعاليم الإسلام وإرشاداته التي نعرفها او نظن اننا الوحيدون الذين نعرفها،ولكن المتبحر بكثير من تلك التصرفات سرعان ما يجد فيها تصرفات اقرب ما تكون من دعوة الاسلام وندائه، وهو ما يجعلنا نقول كما قال المفكر والمصلح محمد عبده ، عندما زار بعض بلاد أوروبا في القرن التاسع عشر:(( رأيت الإسلام موجود عندهم من دون مسلمين ،هذا فيما نرى ساحات بلادنا خالية في كثير من الأحيان من الإسلام المقدم إلى الرأي العام برغم تكدس المسلمين في ثناياها وزواياها ومساجدها وتكاياها)).
وبرأينا المتواضع فان صدق التعامل الذي نراه غالبا لدى الطبقة العادية من الناس في الغرب مجسدا دعوة الإسلام و(غش)التعامل الذي نراه أحيانا لدى الطبقات الموغلة في النهب باسم التجارة في الشرق مجسدا مخالفة صريحة لدعوات الإسلام والمسلمين إنما تشكل سلوكين معبرين عن حقيقة واحدة،فالأول يأتي نزولا واستسلاما او تسليما لتحقيق الوعد الإلهي،فيما الثاني تمردا وجحودا في مواجهة انقلاب أهل الدار والدعاة باسم الإسلام على قواعد الإسلام الحقيقية وسننه المفترضة.
من هنا فأنني على اعتقاد يمضي قدما في الترسخ مع الأيام بان إسلاما ما قد يطبق في مجتمع ما من مجتمعات الغرب لا يعرف أهله بأنه الإسلام،ولا نعترف به، بأنه الإسلام بسبب التعقيدات الطارئة على حياة البشر المعاصرة وتشابكات وصعوبات النسيج البشري المكون لكل مجتمع.كما ان سلوكيات بعض مجتمعاتنا التي غالبا ما(نكفرها) و(نفسقها) ظنا منا بأنها قد خرجت عن الإسلام ليست في الواقع سوى علامة من علامات الخروج الإجباري لهذه المجتمعات على واقع ظالم ومجحف وهيمني يزعم رفع رأيه الإسلام،في الوقت الذي هي فيه ابعد ما تكون عن الإسلام!
وتأسيسا على ما تقدم فأنني اكاد اجزم بان الحل الأمثل في فهم حقيقة الشعوب والامم يكمن في الاقرار سلفا بوجود الاخر ليس فقط داخل كل واحد فينا وداخل مجتمعاتنا ،بل وداخل كل وحدة اجتماعية في العالم ايا كانت توجهات أهلها وانتماءاتها الفكرية ومعتقداتها . وتاليا فان الإسلام الذي تعلمناه على انه رسالة للعالمين وللناس أجمعين قد يكون قد وصل الى العديدين من ديار غير المسلمين دون ان نحمله نحن ، كما انه قد يكون قد غاب واختفى من مجتمعاتنا كما نظن فيما هو كامن ،بل ومترسخ في داخل كل واحد فينا،حتى وان أظهرنا عكس ذلك في دعوتنا النظرية او ممارساتنا العملية .
ان ذلك لا يتأتى لأحد منا إلا بالاعتراف بوجود الأخر وضرورة احترامه ومحاورته على قاعدة من المساواة ،وتكافؤ الفرص،حتى يتم اكتشاف كنهه وحقيقة ميله واتجاه البوصلة التي يسير عليها.
من هنا فان القول : اننا والغرب على طرفي نقيض يكون صحيحا إذا ما كان المقصود تلك القلة القليلة من نخب الغرب التي ترفض الاحتكام للعقل(النبي) واما الأكثرية ممن تعود يوميا في استنباطاتها وقراءاتها الى العقل بوصفه مرجعية مقبولة وتتخذ من العقل مفتاحا للتعامل مع الظاهرات الكونية فنحن واياها قد نكون على اتفاق في كثير من الأمور والشؤون، بما فيها الشؤون الدينية إذا ما أحسنت استخدام العقل ،وأحسنا بدورنا استخدامه .وكما ورد في احد الكتب المرجعية الهامة للمسلمين : (( ما حكم به العقل حكم به الشرع والعكس صحيح )).
الأمر الذي يجعلنا نؤمن بإمكانية الوفاق مع من هم في عالم (الغرب)جغرافيا وحضاريا..شرط ان نلتزم بقواعد الحوار والتعددية وهو أيضا أمر مسموح به،بل ممدوح شرعا ، وتتم الدعوة إليه باستمرار من خلال الآية القرآنية الخالدة: (قل يا أهل الكتاب تعالوا إلى كلمة سواء بيننا وبينكم ألا نعبد إلا الله ولا نشرك به شيئا ولا يتخذ بعضنا بعضا أربابا من دون الله){ال عمران3/64}.
نعم وما (كتاب) اهل الغرب اليوم سوى العقل ، والعقل العلمي الذي يقترب يوما بعد يوم من حقائق السنن الكونية الربانية.
لقد جاءت الحداثة التي نعرفها في عالم الغرب اليوم في الواقع ،ابتداء بسبب قرار الغرب المسيحي باللجوء الى العقل للخروج من عصر الظلمات، فأفرزت الجانب الخير والعلمي و(الإسلامي) من الحداثة،أي كل ما يتناسب والسنن الكونية والقوانين المرعية في سلم الصعود العلمي ، ويوم تخلى الغرب عن العقل ولجأ الى منهج التمرد عليه افرز خواء الروح، وأنتج أسباب تدمير عقله وتدمير مدينته وحضارته.
ان مستقبل الحضارة الإنسانية اليوم رهن بعودة المسلمين للاسهام في صناعة المدنية الإنسانية انطلاقا من قواعد الاعتراف بالاخر ومحاورته استنادا الى قانون((ما حكم به العقل حكم به الشرع والعكس صحيح)).ولا يكفي المسلمين ويغنيهم عن هذه المشاركة الفعالة والجسورة والشجاعة كونهم يمتلكون حضارة مجيدة في العصور الغابرة،لان ذلك يعني ويساوي عمل ذلك الرياضي أو الفيزيائي الذي كلما عرضت عليه مسالة رياضية معقدة أشار إلى قانون نيوتن دليلا للحل فيها،فيما الأمر يتطلب منه ترجمة علمية لذلك القانون،بل واكتشاف قوانين تفصيلية جديدة لمعالجة المسائل المستحدثة التي لا يمكن ان تحل جميعا بقانون واحد عام او بالقانون نفسه في كل الحالات والمصاديق.
ان اكتفاء البعض من أبناء امتنا او أهلنا ولا سيما النخب الواعية والمثقفة من أبناء وطننا الإسلامي الكبير بأقطاره المتنوعة والمختلفة والمليئه بالتجاعيد والتضاريس المحلية المعقدة والمتشابكة بشعار((الإسلام هو الحل)) يشبه تماما ذلك الفيزيائي او الرياضي المشار اليه انفا.
ان العالم اليوم بهوياته المركبة من جهة وتحدياته المشتركة من جهة اخرى،ولا سيما ما بات يعرف بتحديات العولمة ،تجعل من واجب المسلمين اكثر من أي وقت مضى ان يفتحوا ذراعيهم للاخر ايا كان ذلك الاخر،لا من اجل التوحد معه بالضرورة او الذوبان في حضارته ومدنيته الغالبة،بل من اجل البحث عن القواسم المشتركة وهي الكثيرة ولا سيما ان هذه(المدنية)الغالبة هي في جزء كبير منها صناعة إنسانية مشتركة .ومثل هذا لا يحصل بغير الاعتراف بوجود الأخر والإقرار له بحقه في الدفاع عن وجهة نظره والاستماع اليه جيدا من دون ان تتخذ من دون الله أربابا لنا ، لا شرقيين ولا غربيين،ولكن بالتأكيد في اطار الترجمة الحية للقول المأثور لاحد علماء اهل الحديث والجماعة والذي يقول ما مضمونه: ((ان رأينا صواب يحتمل الخطأ،ورأي غيرنا خطا يحتمل الصواب)).
ثم أخيرا فان مراجعه متأنية وعميقة لدعوة الباري تعالى لأهل الكتاب بقوله : (تعالوا الى كلمة سواء..) ما هي في الواقع إلا دعوة للكلمة الجامعة وليس دعوة الأنا كما يتصور البعض.دعوة للكلمة الوسط بين الأنا والأخر،إلا وهي الله سبحانه وتعالى بما يعني الحقيقة الخالصة والكمال المطلق الذي هو اكبر وأعلى وأنمى وأكثر رقيا وسموا من كل إشكال الأنا والأخر.

للأستاذ سيد محمد صادق الحسيني

من كتاب نحن والأخر-حوارات لقرن جديد-
د.غريغوار مرشو ، و ا. سيد محمد صادق الحسيني

اصدار دار الفكر دمشق

إضافة تعليق

2 + 0 =
Solve this simple math problem and enter the result. E.g. for 1+3, enter 4.