ندوات البرنامج الثقافي لفلسطين ضيف شرف معرض عمّان الدولي للكتاب مبدعات وأكاديميات يناقشن “دور المرأة الفلسطينية في المشهد الثقافي الوطني والعربي”

قدّم الشاعر د. المتوكل طه لندوة “دور المرأة الفلسطينية في المشهد الثقافي الوطني والعربي”، ضمن فعاليات دولة فلسطين ضيف شرف معرض عمّان الدولي للكتاب، بطريقة مبتكرة عبر نص أدبي إبداعي يلامس الشعر والنثر في آن، يتحدث بشكل أو بآخر عن موضوعات عدة قد تصب فيما يتعلق بعنوان الندوة.

وأشارت الشاعرة روز شوملي في بداية مداخلتها إلى أن المسجلات في لوائح الاتحاد العام للكتاب والأدباء الفلسطينيين من النساء لا يتجاوز ما نسبته 17% من مجموع المسجلين فيه، “وهي نسبة تقل كثيراً عما كانت عليه قبل ثلاثة أعوام”، أي أن هناك تراجعا في نسبة النساء المنتسبات للاتحاد العام .. وقالت: عدت إلى بعض الأنطولوجيات التي تقتطف مواد لشعراء وشاعرات، ووجدت أن نسبة الشاعرات اللواتي تم اختيار نصوصهن لا تتجاوز الـ14%، وهي نسبة قليلة جداً، وهذا ينطبق على أكثر من أنطولوجيا.
وقالت شوملي: بالرغم من هذا العدد القليل، برزت مبدعات فلسطينيات أحدثن فرقاً في المجال الأدبي، منهن، على سبيل المثال، سلمى الخضراء الجيوسي، التي تم تكريمها في أكثر من مكان، وعلمت على أن تكون بمثابة صلة الوصل ما بين الشرق والغرب، فيسجل لها إنجازات هامة على صعيد الترجمة، مع أنها بدأت شاعرة، فباحثة ساهمت في التعريف بالشعراء الفلسطينيين، وفي الوقت ذاته قامت بالترجمة ليس فقط من العربية للإنكليزية بل العكس، وبالتالي وضعت أمامنا كنزاً من المعارف.
وأضافت: في مجال الشعر، وعلى السعيد العربي، أرى أنه من الضرورة بمكان، الحديث عن الشاعرة العراقية نازك الملائكة التي كان لها دور كبير وريادي في التجديد بهذا المجال .. وعلى صعيد المبدعات العربيات هناك إيميلي نصر الله اللبنانية، وهي روائية وقصصية ومناضلة في مجال حقوق المرأة، وبداية عملها كان في الصحافة، وحصلت روايتها الأولى “طيور أيلول” على جائزة أدبية رفيعة المستوى، وطبعت أكثر من 13 طبعة، ولها سبع روايات، وتسع مجموعات قصصية .. في اجتياح العام 1982 احترق منزلها، واحترقت مع المنزل مجموعة من مخطوطاتها.
وعرجت شوملي للحديث عن الشاعرة فدوى طوقان، لافتة إلى أن الشاعر الكبير محمود درويش لقّبها بـ”أم الشعر الفلسطيني”، لافتة إلى أنها في بداية كتاباتها كانت تكتب بأسماء مستعارة، مرة باسم “بلالين”، ومرة باسم “المطوّقة” .. وقالت: استخدام الأسماء المستعارة لم يكن مستغرباً بالنسبة للمبدعات من النساء، فمثلاً عائشة عبد الرحمن كانت تكتب باسم “بنت الشاطئ”، ومي زيادة كانت تكتب باسم “غيزيس فوبيا”، وأحياناً باسم رجل (خالد رأفت)، وكذلك الأمر بالنسبة لزينة فواز المصرية التي كانت تكتب باسم “درر الشرق”، ومواطنتها ملك ناصيف وكتبت تحت اسم “باحثة البادية”.
ورأت شوملي أن هذا يؤشر إلى الضغوطات الاجتماعية التي كانت تمارس على المبدعات من النساء في الوطن العربي، وخاصة من الزوج والأب، فكن يضطررن للكتابة بأسماء مستعارة.
وأشارت أيضاً إلى تأخر النساء في اقتحام عالم القصة القصيرة، حيث كانت الليبية لبيبة هاشم أول من سجل لها الكتابة في القصة القصيرة، وكان لها قناة الشرق في مصر، بعد أن تزوجت من مصري، وباتت تدرّس في جامعة القاهرة، مستذكرة أيضاً سميرة عزام ودورها الريادي فلسطينياً وعربياً، ولها ثلاث مجموعات قصصية (أشياء صغيرة، والظل الكبير، وقصص أخرى)، كما لم تفعل الشوملي الحديث عن الروائيات العربيات والفلسطينيات، لافتة إلى أنه رغم حضورهن القليل كمّاً، إلا أنهم أحدثن فرقاً على مستوى الرواية.

“تشييئ المرأة”
وانطلقت د. هنيدة غانم في مداخلتها من أسئلة “المثقف والتغيير”، ودور المثقف في البناء الاجتماعي، وبناء هوية المجتمع .. وقالت: كان واضحاً بالنسبة لي أن هناك دوراً للمثقفين فيما يتعلق ببنية المجتمع والفرضيات الأساسية، ليس فقط في صياغة خطاب فلسطيني ما بعد العام 1948 فيما يتعلق بسردية النكبة، وصورة الوطن المسلوب، وغير ذلك، ولكن أيضاً في تشكيل المصطلحات الأساسية التي شكلت فيما بعد الخطاب القومي الفلسطيني، لافتة إلى أن التعاطي مع الإحصائيات قد يفضي إلى معلومات تتناقض أحياناً، فما يزيد عن نصف طلبة الجامعات الفلسطينية هنّ من الإناث، متحدثة أيضاً عن الدور الريادي للفلسطينيات في الانتفاضة الأولى (انتفاضة العام 1987)، مضيفة بأن آلاف النساء منذ العام 1967 كن في الصفوف الأولى للمقاومة، فاعتقلن، وعذبن، وتعرضن لأبشع أشكال التعذيب، محيلة إلى ما كتبته المناضلة عائشة عودة عن تجربتها في السجن.
وأكدت غانم: الإحصائيات قد تضللنا من جهتين فهي إما أن تصور لنا الواقع ورديا إذا ما تحدثنا عن أن الأغلبية للطالبات في الجامعات الفلسطينية، أو أن الواقع مظلم فيما يتعلق بنسبتهن كأديبات.
وتحدثت غانم عن “نوع الخطاب الثقافي الذي شكلت من خلاله الثقافة الفلسطينية بوصفها ثقافة ذكورية، ومؤسسة على تشييء المرأة، ووضع المرأة بين نموذجين في الكتابة الفلسطينية، والأدب الفلسطيني، وفي الشعر الفلسطيني بشكل خاص، إما بوصفها ترميزاً للأرض المسلوبة والمغتصبة، او بوصفها خائنة، وهنا أتحدث عن العلاقات العاطفية، ضاربة بذلك مثالاً لحوار متخيل في إحدى قصائد الشاعر الراحل راشد حسين يتحدث فيه عن المرأة بوصفها تعبيرا مجازيا عن صورة الوطن، فيقول “سحبت الحواكير من شعرها، وبعت جدائل زيتونها، وارخصت الأرض في السوق عرض السهول، وخنت وفاء بساتينها، ومزقت حلمات ليمونها، وبعت جدائل زيتونها .. أتفضح والدة أرضعتك لتستر عرضي؟، وتترك هذي البيادر جوعى ليشبع روضي؟، أمن وجع الأرض تصنع أفراح قلبي الحزين؟، أعريّ البيادر يا نذل يلبسني الياسمين”.
وفي ذات السياق، ولتبيان ما وصفه بـ”التشييء”، تحدثت غانم عن شيء مما ورد في قصيدة لمحمود درويش “يصف خيانة الأرض في حوار مع الصهيوني”، حين يقول “أتبحها .. أحببت قبلك، وارتجفت على جدائلها الظليلة .. كانت جميلة، لكنها رقصت على قبري وايامي القليلة، وتحاصرت والآخرين بحلبة الرقص الطويلة، وأنا وأنت نعاتب التاريخ والعلم الذي فقد الرجولة”، كما ضربت غيرها من الأمثلة من بينها مقطع من قصيدة لطه محمد علي .. وقالت: هذه القصائد وغيرها تعكس تشييء المرأة في الشعر الفلسطيني، فحتى التغني بالمرأة يتم من خلال تشييئها، حيث الأرض والوطن هما الأم والحبيبة والمغتصبة التي يجب أن نحررها، وبالتالي حتى عملية تحرير الوطن تتحول إلى عملية ذكورية، وفي ذات الإطار، وفق غانم، يأتي ما كتبه علي “الأرض خائنة .. الأرض لا تحفظ الودّ، والأرض لا تؤتمن .. الأرض مومس أخذت بيدها السنين .. تضحك بكل اللغات، وتلقم خصرها لكل وافد .. الأرض تتنكر لنا .. تخوننا وتخدعنا”.
وختمت غانم: ما بين حالتي الجسد المشيء وما بين المرأة المغطاة بالكامل تعيش المرأة الفلسطينية والعربية، ولكني أرى أن دور النساء عملياً لن يتحقق إلا بتحطيم الصورة النمطية، وتفكيك الهيمنة التي تعمل على تشييء النساء، ليس فقط من خلال الخروج من إطار النماذج المعدة لهن، ولكن عبر مساءلة الذات بشكل مستمر، كي لا تقع النساء في دائرة الخضوع للأدوار النمطية التي تتعاطى معهن كأشياء، فحين خبى دور المرأة ما بعد الانتفاضة، لم تنتقل إلى الصف الثاني بل إلى الصف العاشر، لافتة إلى تحول النساء إلى دراسة “الجندر” وما إلى ذلك ليس إلا حالة من حالات تبني “قواعد اللعبة”، حيث يصبحن مشغولات بشكل غير مخطط له ربما في نبش واقعهن، وبالتالي الانكفاء عليه بدلاً من الخروج منه.

وجوه متعددة للإبداع
وقدمت الفنانة التشكيلية لطيفة يوسف مداخلة مدعمة بالصور، لافتة إلى أن المرأة الفلسطينية المبدعة لها حضورها في مختلف صنوف الإبداع الثقافي والفني، خاصة أن الفن وسيلة للتعبير عن الذات والجمال وحب التغيير للأفضل، ولهذا اتجهت النساء كما الرجال إلى اللوحة والتصميم والنحت وغيرها من تفاصيل الفنون بشكل عام، والفن التشكيلي على وجه الخصوص، ما يصب في صالح تغيير واقع المرأة للأفضل.
وقالت يوسف: فيما يتعلق بالثقافة الفنية المتعلقة بالفن التشكيلي، اعتمدت الفنانة الفلسطينية على تطوير التراث الأصيل بأساليب مختلفة، واستحداث طرق بحيث تتناسب والعصر الحديث الذي نعيشه، والتأكيد على تراثنا، والوحدة الزخرفية الموجودة في مطرزاتنا والحلي وغيرها، وكذلك المساهمة في تطوير قدرات الأجيال الشابة التي تلعب دوراً كبيراً في مواصلة ما قامت به الرائدات ومن تلاهن من مبدعات، وهذا أمر في غاية الأهمية لضمان استمرارية وجودنا كفنانات يلعبن عبر الفن دوراً وطنياً بارزاً.
وقدمت يوسف شروحات حول لوحاتها الخاصة، ولوحات لفنانات وفنانين فلسطينيين، والتي كان لها دور بارز في نقل الرواية الفلسطينية عبر المشاركات الخارجية في المعارض الدولية، مشددة على الدور التكاملي ما بين الرجل والمرأة في هذا المجال، لتحقيق الهدف من وراء اللوحة والفن التشكيلي والبصري، لافتة إلى أن النساء لعبن دوراً بارزاً ومبكراً فيما يتعلق بالمشهد التشكيلي الفلسطيني والعربي.

إضافة تعليق

1 + 0 =
Solve this simple math problem and enter the result. E.g. for 1+3, enter 4.