ندوة " اليوم السابع" حول كتاب " الرواية الفلسطينية" للصحفي السوري وحيد تاجا ..الجزء الأول/ 3

ناقشت ندوة اليوم السابع الثقافية في المسرح الوطني الفلسطيني في القدس كتاب “الرّواية الفلسطينيّة…حوارات نقديةّ، للصحفي السوريّ وحيد تاجا، الصادر عن دار الجندي للنشر والتوزيع في القدس، ويقع الكتاب الذي قدّم له الناقد المعروف الدكتور فيصل درّاج في 510 صفحات من الحجم الكبير.
بدأ النّقاش الناقد والقاص إبراهيم جوهر فقال:
وحيد تاجا في (الرواية الفلسطينية – حوارات نقدية) يقدّم لقارئه ما خفي من معان برؤى مبدعيها، في هذا الجهد الذي يستحق الثناء حاور الكاتب وحيد تاجا 26 روائيا فلسطينيا وخمسة ممن كتبوا للأطفال ومثلهم ممن كتبوا في النقد الأدبي.
وفي أسئلته التي ابتعدت عن الأسئلة الصحافية العابرة برز وعي السائل واطلاعه على إنتاج المسؤول وهو يغوص في أبعاد العمل الأدبي فيسأل ويحاول التأويل ورسم خريطة للعلاقة بين الناس في المجتمع الفلسطيني والوقوف على العلاقة مع الآخر. كما اهتم بالبحث عن التقنيات الفنية واللغة والحوار بنوعيه والسخرية وأدب السجون والشخصيات والمضامين. إنه في الإجابات التي توفرت لديه واحتواها هذا الكتاب (الرواية الفلسطينية – حوارات نقدية) يقدّم خدمة جليلة للباحثين وطلبة الدراسات الأدبية والمهتمين بالتأريخ الأدبي للحياة الثقافية في فلسطين، كما وفّر تجربة مواجهة الأديب ودفعه للبوح والتصريح وربما التبرير والتوضيح.
الأجيال التي حاورها الكاتب وحيد تاجا متفاوتة في العمر الزمني والعمر الإبداعي وفي الوعي السياسي والتوجه الفكري مما يضمن له شمولية التمثيل.
وقد وقف الناقد فيصل دراج في تقديمه للكتاب عند هذه الزاوية بقوله: "ساءل وحيد تاجا، باجتهاد جدير بالإعجاب، أصواتا روائية فلسطينية، متعددة في أجيالها، وفي ثقافتها، وفي منظورها، منتهيا إلى لوحة متكاملة، يعثر فيها القارئ على ما يريد قوله الأدب الفلسطيني، وعلى تقنيات القول، ويقع على حوار واسع بين الأعمال الأدبية المختلفة، حوار كثيف الأبعاد يحتاجه كل باحث مشغول بالكتابة الفلسطينية، ويحتاجه أكثر كل الباحثين المشغولين بثنائية: اليأس والأمل." ص 11 .

وكتب الروائي والناقد محمد عمر يوسف القراعين:
أعجبت بهذا الكتاب التوثيقي كما في المقدمة، والذي يؤرخ لعدد من الروائيين الفلسطينيين في النصف الثاني من القرن العشرين، وبهذا يعرض للرواية الفلسطينية في التطبيق؛ ويمكن أن يكون مع غيره أحد الكتب المقررة في دورات أكاديمية لتأهيل طلبة الآداب والصحافة. وإذا اتبعنا أسلوب إحصائيات الرأي يمكن أن نضع دليلاً لمكونات الرواية الفلسطينية في هذه الفترة، مستفيدين من هذا الكتاب الذي يمكن اعتباره Code of conduct  ميثاق سلوك أو أسلوب في فن الرواية. وهذا يذكرني بالتعليمات النظرية في دورات التدريب العسكري، عندما يكون عدد من الجنود يتقدمون في صف أفقي نحو ثلة من الأعداء، بحيث يكون الجميع من هؤلاء في مرمى إطلاق النار، إذ يقول المدربون: هذه هي التعليمات في الأحوال الطبيعية، أما في المعركة فتصرفوا حسب واقع الحال.
وهكذا في العمل الأدبي، فالرصيد من المعلومات النظرية مفيد، ولكن إذا قدحت الشرارة انطلقت القريحة وتتابعت الأفكار وتوالت الأدوار، وإذا لم تقدح الشرارة وهي شيطان الشعر أو ملاك النثر، فنكون كأننا ننحت من صخر. فمن الصعب أن نفكر مبدئياً بكتابة رواية ترتكز في متنها على عروبة القدس، يغذيه مهاجمة الاحتلال وتمجيد التقاليد والأعراف وتجنب الممنوعات، كما نحشو فيها بعض الرموز المقدسة مثلا، كل هذا يأتي تلقائيا ليس كخلطة كيميائية.
كان لكل من روائيينا خصوصيات تميزهم في بعض النواحي، ويتشاركون مع البعض في مكونات أخرى. وأزعم أنني خرجت بإيجاز عن بعض الملاحظات التي تستحق في نظري الإشارة إليها، وقسمت هذا الإيجاز اعتباطا بين الكاتب وشكل الرواية ومضامينها، أقول اعتباطا، لأننا لا نستطيع أن نفرق بينهما، فالعلاقة جدلية والتأثير متبادل.
وبما أن الكاتب مثقف واع، ففي إنتاجه الأدبي قصة أو رواية أو شعرا يتحسس بطبيعة الحال نبض الناس، ويكتب لمجتمعه معبرا عن رأيه حتى ولو اشتبك مع السلطات جميعا، وقد أجمع الروائيون رفيق عوض وجميل السلحوت وصافي صافي وعارف الحسيني ومحمود شقير على أن المثقف ينبغي أن لا يقف متفرجا بل يطالب بالأمن والحرية، وأن يشيد بالإيجابيات ويفضح السلبيات، ويكون عامل تغيير نحو التقدم والحرية والانفتاح، واحترام الرأي الآخر للصعود الى التحرر من الظلم والاستبداد، وتشاركهم في ذلك وداد البرغوثي التي ترى أن المثقف الطليعي هو الذي يساند السلطة إن كانت ثورية، ويناهضها بقلمه وموقفه إن كانت تريد توقيف الزمن أو تعيده إلى الوراء.
وبالنسبة لحياد الكاتب في تسيير أحداث الأبطال وكيف يعبر عن نفسه، فتقول ديمة السمان إن الصراع بين شخوص الرواية يحدث تأثيرات، تكون الغلبة فيها لأفكار يودّ الأديب بثها لتحرير رسالة، ولكن بصورة غير مباشرة يؤيدها عادل سالم الذي يرى أن يبذل الكاتب جهده ليكون حياديا كي يكون عنصر الإبداع أقوى، ومن الناحية الأخرى، لا يعترف صافي وكاملة بدارنة ووداد البرغوثي بالحياد في الثقافة وحتى في العلم، ويتابع عبدالله تاية أنه لو كان الكاتب حياديا، فمن خلال صراع الشخصيات يجعلنا ننبذ أو نتعاطف مع هذه الشخصية أو تلك، في حين يغالي جميل السلحوت بأنه لا يوجد إنسان محايد إلا من فقد عقله. أما أحمد رفيق عوض، فكان دبلوماسيا، إذ بالرغم من أنه يتهم بسجن شخصياته في قالب معين، إلا أنه كمبدع يخلق لهم احتمالات الحرية والجمال، وكذلك تفعل سحر خليفة، فبعد أن تقول باستحالة حيادية الكاتب، إلا أن المهم هو القدرة على الإقناع.
وبما أن الأديب يطرح أسئلة، فإن جمال بنورة وعادل سالم يتفقان على أن يكون دور القارئ متمما للدور الذي يقوم به الأديب، حيث الأخير يطرح أسئلة وعلى القارئ البحث عن الحل. فإذا قدمت الرواية الحل فهي تريح القارئ من التفكير، وما عليه إلا أن ينتظر صلاح الدين ليحرر القدس له. وكذلك يفعل سامي الكيلاني الذي يهدف إلى إشباع رغبة القارئ بالاستمتاع بعمل إبداعي، ومن خلال ذلك يؤدي رسالة توعوية، وأخيرا يرى محمود شقير في مهمة الأدب طرح الأسئلة وتقوية الواقع السائد، وفضح مكوناته والسعي الى التغيير.
أما الرواية العربية الجديدة والفلسطينية جزء منها، فمن سماتها كما يقول جمال بنورة الخروج على المألوف وعدم التقيد بمواقف وآراء مسبقة، يطرح فيها الكاتب مواضيع جديدة قد تكون من المحرمات كالسياسة والجنس والدين، وكنت أريد أن يزيد عليها تناول بعض الظواهر الاجتماعية والعادات السيئة، كغلاء المهور التي لا بد أن تشمل مئات الغرامات من الذهب، وتكاليف الأعراس والولائم. ويشارك أحمد رفيق عوض في هذا المجال، فيضيف التهجين اللغوي الى هذه السمات وتفجير السقوف وتجاوزها، ويشير صافي صافي أن الرواية الفلسطينية ظهرت بعد الانتفاضة، حيث استطاع الروائي الفلسطيني المزج بين اللغة العامية والفصحى، كما أن عامل الصدمة /المفاجأة في بداية الروايات أو نهايتها ميزة أخرى، بالإضافة إلى الإصرار على التغيير والجدل، وعرض وجهات نظر مختلفة وتقبل الآخر، وإعادة كتابة التاريخ ونقده، والاعتماد كما تقول سحر خليفة على الحقائق والوثائق، وليس على تناقل الأقوال والتمنيات، فالحضارة لا تأتي بالمكابرة وتلفيق الأحداث والبطولات العشوائية، وأن لا ننظر إلى البطل كمخلوق خارق وشبه إله يحرم المساس به. فإذا كان أبطالنا ذوي قدرات خارقة لا تقهر، لماذا قهروا واندحروا؟
وكما جاء في المقدمة، فإن روايات الفلسطينيين تعالج بؤس المكان أو بالأحرى المخيم، وتتوقف أمام تجارب السجون الباهظة، لذلك يقول عواد أبو زينة إن الثقافة والفكر العربي راكما كما هائلا من القيود التي أصبح لها سطوة على الفكر بالدرجة الأولى، حتى أن الإنسان في المنطقة ولد مشرنقا لا ينفك حتى يجد شرنقة أكبر منها، ليس بسبب الاحتلال فقط، بل هناك تقاليد المجتمع وسوء الفهم والجهل المتفشي. وقد ولدت السجون قدرات إبداعية، بدأ بعضها داخل السجن واستمرت خارجه، حتى أنه في فترة معينة كان سبعة أعضاء من الهيئة الإدارية لاتحاد الكتاب الفلسطينيين معتقلين من أصل أحد عشر عضوا.
وللمخيم نصيب في الرواية الفلسطينية، وهنا يقول حسن حميد إنه مكان حفظ لنا الهوية، حفظ لنا اجتماعية الناس والحكايات والتراث والأحداث، ويزيد متفائلا أنه يؤرخ للمخيم لقناعته بأنه زائل، وسيصير بعد العودة متحفا من قبل الآخرين، ليروا أيّة مكابدات تحملوها من أجل العودة المنشودة.
ومن حيث لغة الرواية، يحبذ محمود شقير الميل إلى السهل الممتنع، بحيث لا تثقل اللغة على مضمون العمل الأدبي، وبحيث لا تتسطح اللغة فيفقد العمل الأدبي عمقه وجدارته، بينما يكثر سلمان ناطور من استعمال العامية في الحوار. أما مرمر الأنصاري فترى الأديب يصوغ أفكاره بلغة أدبية عالية، ومصطلحات فنية أكثر تجريدا، تشاركها كاملة بدارنة التي تختار الوعاء الأجمل لغة، الذي يخدم الفكرة ويرتقي بالمتلقي. وفي المقابل، يدافع علاء حليحل عن توظيف اللهجة المحكية الفلسطينية، ولا يخشى على الفصحى أن تموت، فهذا ليس نهاية العالم، فستبقى لغة الأكاديمية والنصوص الرسمية، وكل اللغات في تغير وتشكل دائمين.
وفيما يخص الكتابة للأطفال التي تعتبر كما يقول محمود شقير فنا قائما بذاته، إنما ليس ثمة سور يعزلها عن بقية أنواع الكتابة الإبداعية؛ فالقصة المكتوبة للأطفال تشترك مع القصة المكتوبة للكبار بعناصر شتى من الحدث والحبكة ونمو الشخصيات، وتوافر العاطفة والخيال ووحدة الانطباع. غير أنه وبسبب عمر الطفولة وطبيعتها الخاصة، ومستواها اللغوي والإدراكي، يصبح من واجب الكاتب أن يأخذ هذه الجوانب بعين الاعتبار.
وفي هذا الصدد، يرى إبراهيم جوهر ترابط وجدلية العلاقة بين تربية الطفل والثقافة التي تقدم له، حتى ننتج شخصية محلية منفتحة على آفاق من المعارف، ذات سقف عال غير محدود؛ فلنرفع السقوف لنبدع كبارا وأطفالا حتى لا تضيع إبداعاتنا. ويشارك نهاد درويش في هذا المجال، بأنه يريد توجيها مفتوحا للطفل، ولكن مع الإشارة إلى قيمنا ومبادئنا التي ننتمي إليها، وهي القيم الإسلامية، والقيم الإيجابية في مجتمعنا، التي ترتكز رفيقة عثمان عليها، وذلك بتجنب ترجمة القصص غير الملائمة لحضارتنا وقيمنا ومفاهيمنا، والتي لا تتماشى مع العادات والتقاليد الاجتماعية لدينا. وهنا تتدخل نزهة أبو غوش بالإشارة إلى المراحل المختلفة لحياة الطفولة الأنوية والإحيائية والواقعية، وأن لكل مرحلة ما يميزها عن غيرها. أنني بدوري آمل أن لا يكون ثوب الأعراف والتقاليد فضفاضا، حتى لا يستعمل لمحاربة الأعمال الأدبية، ويصل إلى الرقابة التي تطالب بها مرمر الأنصاري بحذف شعر ايليا أبو ماضي الإلحادي من نصوص المنهاج التعليمي، وإعادة النظر بمقولة الشاعر الشابي:
"إذا الشعب يوما أراد الحياة – فلا بد أن يستجيب القدر".
وأخيرا في مجال النقد، تحدث جميل السلحوت في إجاباته عن المشهد الثقافي الفلسطيني في القدس والضفة وغزة والداخل، مركزا على المؤسسات الفلسطينية التي رحلت عن القدس، والمؤسسات القائمة حاليا، مثل ندوة اليوم السابع ومؤسسة يبوس، والمسارح والمتاحف، والقطاعات الأدبية مثل القصة القصيرة والرواية والشعر وأدب الأطفال.
أما عدنان القاسم فيرى أن النقد العربي القديم، يقوم في معظمه على مقاييس فنية خالصة، أي "الفن للفن"، فلم يرتبوا على أخلاق الشعراء أحكاما نقدية. وفي وضعنا الحالي، لا يرى ما يسمح بتجاوز الفنية في الكتابة الشعرية أم النثرية، وأن الالتزام بقضية الوطن لا يبيح للشاعر أن يتحلل من الأصول الفنية للشعر، وأن يتحول بمقتضى ذلك إلى نثر، حيث أن الشعر كلام يمتاز بزخرفة موسيقية. وينبغي لنا أن نفرق بين الشعر والنثر، وأن ما يسمى بقصيدة النثر لا عيب أن يسمى نثرا. وهنا يضيف عواد أبو زينة أن قصيدة النثر تعاني، كما القصة القصيرة جدا، فهناك من يدفعونها إلى الأمام ويدافعون عنها، وهناك من ينكرونها ويطردونها من حضرة الشعر. وفي رأيه أن النقد في فلسطين دون المستوى المطلوب، فهو نقد انطباعي في غالبيته، وفيه قدر من المجاملات، ولا يوجد نقد مهني وأكاديمي إلا في القليل النادر، على يد أساتذة اللغة العربية في الجامعات. وأخيرا يقول محمود غنايم إن الشعر العربي عموما يمر في التحول إلى قصيدة النثر. وربما بعد بضعة عقود من الزمان، سيكون الشعر الحر يدرس في تاريخ الأدب.

إضافة تعليق

Plain text

  • No HTML tags allowed.
  • Web page addresses and e-mail addresses turn into links automatically.
  • Lines and paragraphs break automatically.
2 + 5 =
Solve this simple math problem and enter the result. E.g. for 1+3, enter 4.