ندوة " اليوم السابع" حول كتاب " الرواية الفلسطينية" للصحفي السوري وحيد تاجا ..الجزء الثالث/ 3

وكتبت القاصة نزهة أبو غوش:في حوارات الكاتب وحيد تاجا نلحظ تركيزه على معرفة الاختلافات بين كتّاب القصّة والرواية في داخل الأرض الفلسطينيّة( الضّفة والقطاع وأراضي ال 48) وبين أدباء الشتات. كان لكلّ كاتب إجابته الّتي يراها تتلاءم مع أفكاره وتجاربه الشّخصيّة، وقراءاته المتعدّدة للكتّاب الفلسطينيين في فلسطين نفسها وفي الشّتات؟ وقد حكمت كتابات هؤلاء الأدباء الأحداث الّتي حدثت في فلسطين، نحو الانتفاضات الأولى والثانية مثلًا. بناء الجدار، حصار غزّة ، الاحتلال بشكل عام للأراضي الفلسطينيّة. وهناك من يعتب أنّ وجوده في مكان معيّن ، هو ميّزة على الصعيد الابداعي، مثال على ذلك الكاتبة سما حسن ، حيث قالت ص194: "غزّة تكتب لمن يعيشها، ومن يعاني ويولد حرمانه من رحم معاناته" يرى الكاتب سلمان ناطور أن فلسطينيي الداخل أكثر التزامًا بأدبهم. قال في ص182: " نحن الّذين نعيش بالداخل الفلسطيني، أعتقد أنّ كتاباتنا أكثر التزامًا بالقضيّة السياسيّة لأنّنا في الخط الأمامي في مواجهة الصهيونيّة."
حضرت القدس وبقوّة في حوارات الكاتب وحيد تاجا : قال الكاتب سمير الجندي ص198: " هي تلك الحجارة الطاهرة الّتي داعبتها أناملي قبل معرفتي حروف الكلام". أما الكاتب محمود شقير فقد نبّه عن الوضع الخطير الّذي تحياه القدس في ظلّ الاحتلال. كانت القدس هي بطل روايات الكاتب السلحوت قال ص79:" القدس جنّة السّماوات والأرض، وهي عروس المدائن بحقّ وحقيقة."
تربّعت القدس في روايتي الأديبة ديمة السّمان، الأولى، رواية القافلة، ثمّ برج اللقلق. تقول ص109:" متى نكون نحن العرب كالبنيان المرصوص؟....القدس والقيامة والأقصى أولى القبلتين وثالث الحرمين الشريفين.
عند عارف الحسيني كانت القدس هي وطنه الأوّل فحضرت بروايته ذات دور مهم وملفت.
اهتمّ الكاتب تاجا بكيفيّة اظهار صورة الآخر- اليهودي المحتلّ- في الأدب الفلسطيني، وفي المقابل صورة الانسان العربي في الأدب العبري. يرى الكاتب سامي الكيلاني بأن تربيتنا لأطفالنا يجب أن تكون بشكل ديمقراطي، وأن لا ننجرّفي اتجاه التربية العنصريّة كما يفعل الانسان اليهودي. يقول ص144" هم عنصريون؛ لأنّ أهدافهم تخدم عنصريّتهم تخدم أهدافهم، ونحن يجب أن نكون انسانيين لأن قضيتنا انسانيّة نبيلة."
أمّا الكاتبة نسب أدب حسين فقد كان لها اهتمام بطرح العلاقة مع الآخر- اليهودي- وقد قارنت ما بين ثقافتين مختلفتين، وقد ظهر ذلك في قصّة "خيمة" وقصّة" مع الرّيح". قالت في ص346:" في ظلّ الظروف الحاليّة الّتي يعيشها الفلسطيني الصامد على أرضه عام 1948، فإِنّ العلاقة مع الآخر هي أمر مفروض ويومي شاء ذلك أم أبى"
تحدّث تاجا مع الأدباء المحاورين عن الذّاكرة الشّفوية، حيث اهتم بها العديد من الكتّاب ورأى أغلبهم بأن اهتمامهم الأوّل هو الانسان الّذي عاش الواقع وليس التّاريخ نفسه. يقول الكاتب سلمان ناطور ص176:" أنا لا أبحث عن الحقيقة، بل عن الّذين عاشوا التجربة."
أمّا الكاتب جميل السلحوت فوضّح الخط الفاصل ما بين الرّوائي والمؤرّخ. قال في ص78: لم أكتب تأريخًا، لكنّني كتبت عن الحياة الاجتماعيّة لمجتمع القرية الّذي يسوده التّخلف، وهذا جانب أغفله كتّابنا ارتأيت أنا بأنّه سبب من أسباب الهزيمة."
حاور الكاتب تاجا بعض كتّاب أدب الأطفال، الّذين كتبوا للطّفل، وأجابوا على تساؤلاته وحيرته وراعت احتياجيّتهم المعنويّة والنّفسيّة والأجتماعيّة والعقليّة. كان لكلّ كاتب رأيه وتوجّهه الخاص للطّفل. يرى الكاتب ابراهيم جوهر أنّ احترام عقليّة الطّفل. وفهمه لاحتياجاتهم ولغتهم وعمله على اسعادهم وامتاعهم؛ هي من مميّزات كاتب الأطفال النّاجح.
أمّا كاتبة الأطفال رفيقة عثمان فقد رأت بأنّ أدب الأطفال هو الأدب المتخصّص والموجه والّذي يهدف إِلى الارتقاء بفكر وعاطفة الطّفل، أينما وجد.
ذهبت الكاتبة إِلى نقطة نادرًا ما يذهب اليها كتّاب أدب الأطفال، حيث عالجت بقصّة " الأرنب المفقود" قضيّة الموت وتفهّم وتقبّل الأطفال له.
وقال الشاعر رفعت زيتون:
وحيد تاجا الأديب الصحفي سوري المولد فلسطيني الهوى مقدسيّ الروح، لم يفارق وحيد تاجا الكتّاب الفلسطينيين منذ عرفهم، فكان وفيا لحرفهم، مرافقا لوجعهم وهمهم اليومي، فبادر بعمل اللقاءات الصحفية معهم، وكان له الفضل بالتعريف بهم على نطاق أوسع في الوطن العربي، طبعا لغير المعروفين منهم، فنشر لقاءاته معهم في العديد من الصحف، قبل أن يجمع هذه اللقاءات في كتاب، فكان أن زاد على الخير خيرا كثيرا.
وللحديث أكثر عن الكتاب والفائدة الجمّة منه أريد أن أوجز هذه الفوائد في عدة نقاط، مظهرا بها الذكاء الذي تمتع به كاتبنا وكذلك الشمولية والموضوعية التي تغيب عن كثير من الكتاب.
أولا : تنوّع الأسئلة في الحوار:
الكاتب وحيد تاجا لم يكرر نفسه خلال حواره، فكانت أسئلته متغيرة تبعا للروائي وطبيعة الرواية أو الروايات التي كتبها وموضوعاتها. فتحدث عن الحياة الاجتماعية في المجتمعات الفلسطينية، وأدب السجون، والمرأة، وعن الشباب والنضال، وعن القضية الفلسطينية كقضية سياسة فلسطينية وعربية.
ثانيا- النقد :
فقد ألقى الكاتب وحيد تاجا الضوء على ما قاله النقاد في الروايات التي ناقشها مع كتابها، وكان لهذا الجانب فائدتان، الأولى أن هذه العملية جمعت في كتاب واحد ما قاله النقاد عن تلك الروايات، فجعل القارئ يستفيد من تلك القراءات النقدية، وخاصة أولئك الذين لهم ملكة الكتابة، والكتاب المبتدئين، فيعرفون من خلالها النقاط التي يتناولها النقاد في دراساتهم فيأخذونها باعتبارهم عند الكتابة.
الثانية أن هذه العملية أعطت للروائي الفرصة للرد على هؤلاء النقاد من خلال مساحة لا بأس بها في هذا الكتاب.
ثالثا: التعريف بشكل موسع بعناصر القصة: فقد ناقش الكاتب بالتفصيل عناصر القصة مع بعض الروائيين، فمنهم من تميز بإظهار عنصر كالشخوص أو الزمان والمكان وغيرها، وكذلك من أهمل بعضها، فكان الحوار مفيدا كذلك في التعريف بهذه العناصر وكيفية التعامل معها على أفضل وجه. فمثلا في بناء الشخصيات تساءل عن مدى استطاعة الكاتب أن يكون حياديا في تسيير الشخصيات، وعدم التدخل من قبل الكاتب في الشخصية داخل الرواية.
رابعا: الكتاب عرّف بالكاتب من حيث ثقافته:
فعدا عن السيرة الذاتية، فقد كان الحوار بمثابة مرآة أو نافذة جديدة رأينا من خلالها الروائي وطريقة تفكيره وأسلوبه في الحوار ومقدرته على طرح نفسه أمام القراء، وبالتالي فالحوار عكس شخصية الروائي الأدبية، وربما ذهب القارئ إلى عمل تصنيفات أو طبقات لهؤلاء الروائيين. وحقيقة أنني عرفت من خلال الكتاب روائيين أحببت أن أتعرف عليهم أكثر وأصبح عندي دافع قوي لاقتناء رواياتهم وقراءاتها.
خامسا: الترويج- أعتبر هذا الكتاب سوقا ترويجيا لكثير من الروايات، وربما دون قصد،
فالحوار أثار العديد من النقاط التي تخلق نوعا من التشويق لدى القارئ لكي يعود للرواية لمتابعة أحداثها، وهذا يحسب للكاتب وحيد تاجا كذلك.
سادسا: الكتاب بحدّ ذاته يعتبر رواية عن كلّ روائ، وذلك أن الكتاب ذاته يحتوي بداخله على عدة روايات عن شخصيات حقيقية هم الروائيون الذين تحدث عنهم. وذلك أن في مقدمة كل حوار هناك نبذة عن حياة الروائي وأعماله، وكذلك خلال الردّ على الأسئلة كان هناك ما يشبه الحديث عن سيرة ذاتية للروائي، فمثلا رأيت في الحوار مع الروائي جمال بنورة قصة عن تجربته الذاتية في الكتابة، وكيف أنه كان يصنع الحوار الداخلي للشخصيات، ثم يجد نفسه قد تدخل في تلك الشخصيات وهيمن عليها فعاد ومسح ما كتب. وكذلك ما كان من قصة حياة الكاتب المقدسي الشيخ جميل السلحوت مذ كان طفلا وكيف أنه كان يتابع الدروس في صف أخيه من خلال النافذة وهو في الخارج، حتى توسم فيه المدرس خيرا فأقنع المدير بانضمامه إلى الطلاب، أليست هذه قصة وسيرة ذاتية عرفتنا على بدايات كاتب منذ صغره، تصلح كرواية سينمائية.
سابعا: الكتاب موسوعي ومرجعي:
أعتبر أن هذا الكتاب سيكون أحد المراجع المهمة التي يمكن الرجوع إليها في عمل الأبحاث لطلبة الجامعات، ففيها معلومات عن مجموعة لا بأس بها من كتاب الرواية الفلسطينية، وعن أعمالهم وإصداراتهم وحياتهم الشخصية وتجربتهم الكتابية، وقد قسم الكاتب المادة في بداية الكتاب إلى أصناف حسب نوع المادة، فجعل أدب الأطفال له قسم خاص، والرواية كذلك ومثلها النقد. وأدرج الأسماء وإلى جانب كل اسم لروائي أو أديب وضع رقم الصفحة لسهولة الرجوع إليه، وهذا جعل الكتاب موسوعيا ومرجعيا إلى حد ما.
ثامنا: أهميته لندوة اليوم السابع:
لقد وجدت لدى الكاتب اهتماما خاصا بأدباء ندوة اليوم السابع وأصدقاء الندوة الذين تربطهم بالندوة علاقة قوية، فتضمن الكتاب أسماء بعض أعضاء الندوة الذين يكتبون الرواية وأدب الأطفال، مثل الأديب الكبير محمود شقير، والشيخ جميل السلحوت، وأديبنا ابراهيم جوهر والأديبة ديمة السمان، والأديب سمير الجندي، والأديبة نزهة أبو غوش والأديبة رفيقة عثمان والأديبة نسب حسين، وربما كان هناك كتب مشابهة في المستقبل تتضمن كذلك باقي الأدباء الذين ساروا في دروب إبداعية من أنواع أدبية أخرى غير الرواية، وهذا كله قد قدم خدمة جليلة للندوة وأعضائها، فقد تكرر ذكر الندوة كثيرا في صفحات الكتاب، وهذا التكرار يجعل القارئ يتساءل عن هذه الندوة التي يحتوي كتاب الرواية الفلسطينية على جزء كبير من روّادها، وتحديدا ما يقارب ثلث عدد الأدباء المذكورين في هذا الكتاب، أي أن ندوتنا أصبحت جسما أدبيا مهما، وله وزنه على الساحة الأدبية الفلسطينية والعربية وأصبحت تفرض نفسها بقوة في كل ميادين الإبداع.
وقالت القاصة رفيقة عثمان أبو غوش:
كرَّس الكاتب عمله في حوار متبادل بينه وبين الأدباء، والكتَّاب الفلسطينيين، الذين برزوا في كتاباتهم المحليِّة، ومعرفتهم على الصعيد المحلي فحسب، وأكثر بروزًا داخليًّا، ومعظمهم غير معروفين على الصعيد العالمي، أو بالأحرى خارج الوطن.
اهتم كاتبنا في انتقاء الشخصيَّات الأدبيّة التي وجد فيها اهتمامًا خاصًّا، وأبرز مواضيع هامة، وتكون القدس حاضرة فيها بشكل بارز، مصاغة بصيغة أدبيَّة جميلة، فيها ملامح وانطباعات الكتاب والأدباء؛ من خلال سرد السيرة الذاتيَّة لكلّ كاتب وكاتبة، وانعكاسات كتاباته على الواقع الفلسطيني للحياة الاجتماعيَّة، والسياسيَّة، وكذلك العكس هو الصحيح؛ أي انعكاس الواقع على حياة الكاتب.
صنّف الكاتب تاجا تاجه، وفق الجنس الأدبي: كتَّاب الرواية، وكتَّاب القصص، وكتَّاب القصص القصيرة، وكتَّاب قصص الأطفال.
نجح كاتبنا في خلق علاقة اجتماعيَّة متواصلة، عبر الشبكات العنكبوتيّة، وخاصَّة عبر موقع الفيسبوك، وكان متفاعلا معنا بشكل دائم، وكأنه حاضر في البلاد بيننا؛ ممّا يدل على الانتماء القوي لهذا الشعب.
وشارك في النقاش عدد من الحضور منهم: حسن أبو خضير، رائدة أبو صويّ ورشا السرميطي.

إضافة تعليق