ندوة " اليوم السابع" حول كتاب " الرواية الفلسطينية" للصحفي السوري وحيد تاجا ..الجزء الثاني/ 3

الكاتب والروائي جميل السلحوت:والكتاب عبارة عن حوارات أجراها الأستاذ وحيد تاجا من خلال التواصل عبر الانترنت مع حوالي خمس وثلاثين كاتبة وكاتبا غالبيتهم من الرّوائيين، ويعيش غالبيتهم العظمى على الأرض الفلسطينية، ونشرها في عدد من المجلّات والصحف والمواقع الألكترونيّة الأدبيّة المتخصصة في العالم العربي.

وتنبع أهميّة هذا العمل غير المسبوق-حسب علمي- في أنّه يعرّف المهتمّين والقراء العرب على عدد من رموز الأدب الفلسطيني الذين يعيشون في الأراضي الفلسطينيّة، وعانوا الكثير من القمع والحصار الثقافيّ، وعدم التّواصل مع امتدادهم العربيّ، وهناك في الأراضي الفلسطينيّة نتاجات إبداعية على مستوى رفيع، لكنّها بقيت محاصرة مع مبدعيها، فلم تصل إلى البلدان العربيّة تماما مثلما لم تصل أسماء مبدعيها، حتى ظهور شبكة التواصل الألكتروني “الانترنت” في بداية تسعينات القرن العشرين، حيث نشروا في المواقع الألكترونية والصحف والمجلات العربية، واطلعوا على إبداعات المبدعين العرب التي لم تكن تصلهم قبل قيام السلطة الوطنيّة الفلسطينيّة في العام 1994.
ومعروف أنّ معرفة المهتمين في الدّول العربيّة بالإبداعات الفلسطينية على الأرض الفلسطينيّة كانت تقتصر على بعض الرّموز من الآباء المؤسّسين في مجال الشعر كالراحلين الكبار محمود درويش، سميح القاسم، توفيق زياد، فدوى طوقان، وفي مجال الرّواية الراحل إميل حبيبي. وفي مجال القصّة القاصّ الكبير محمود شقير، الذي قطع شوطا كبيرا في مجال القصّة أهّله أن يكون”ملك القصة الفلسطينية والعربيّة ” خصوصا بعد عودته من المنفي في العام 1993، بعد ابعاد قسري في العام 1975، ودخوله عالم الفنّ الروائي أيضا.
وكتاب الصحفي وحيد تاجا الذي نحن بصدده كما قال الدكتور فيصل درّاج“كتاب يلبّي حاجة ضرورية وبكفاءة”. فمن خلال متابعات الأستاذ تاجا للحراك الثقافي في فلسطين، وجّه أسئلته الواعية والمستفزّة لمن قابلهم، ليستخرج مكنونات المشروع الثقافي لكلّ منهم من خلال ما كتب، ومن خلال فهمه ووعيه وهمومه الثقافيّة التي يعيشها في وطنه الذّبيح.
والقارئ لهذه الحوارات التي ركّزت على الرّواية تحديدا، وتطرّقت إلى القصّ أيضا يستطيع أن يستخلص سمات وميّزات الأدب الفلسطينيّ لخصوصيّة القضية الفلسطينيّة، مع التأكيد أنّ الأدب الفلسطينيّ جزء لا يتجزّأ من الأدب العربيّ.
وهذا الكتاب لا يقلّ أهميّة عن كتابي الشّهيد غسان كنفاني:” أدب المقاومة في فلسطين
و“الأدب الفلسطيني المقاوم تحت الاحتلال 1948-1968 “ فغسّان كنفاني رصد الأدب الفلسطيني للمبدعين الفلسطينيين الذين تمسّكوا بتراب وطنهم، وبقوا في الجزء الذي قامت عليه إسرائيل في نكبة العام 1948. وها هو وحيد تاجا يعرّف ببعض الأدباء الفلسطينيين من باقي الأراضي التي احتلت في هزيمة حزيران 1967 والمعروفة باسم قطاع غزّة والضّفة الغربيّة بجوهرتها القدس الشريف، وببعض الأقلام من الدّاخل الفلسطينيّ مثل الأديب سلمان ناطور، الدكتور الناقد محمود غنايم، والأديبة كاملة بدارنة، والأديب علاء حليحل، والأديبتين نزهة أبو غوش ورفيقة عثمان،والأديبتين الشّابتين نسب أديب حسين ومرمر القاسم الأنصاري، وعلى روائيين فلسطينيين يعيشون في بلدان عربيّة مثل جمال ناجي، وصبحي الفحماوي في الأردن، وحسن حميد في سوريا، وعرّج على الأديب المغترب ربعي المدهون الذي يعيش في لندن، وصاحب رواية “السّيدة من تل أبيب” التي وصلت الى القائمة القصيرة في جائزة البوكر، وعلى الروائي والقاص عادل سالم المغترب في أمريكا.
وسيشكّل هذا الكتاب إضافة نوعيّة للمكتبة الفلسطينيّة بشكل خاص والعربيّة بشكل عام
مرجعا للدّارسين الفلسطينيّين والعرب، المهتمين برصد الحراك الأدبي الفلسطيني على الأرض الفلسطينيّة، وهذه قضيّة غاية في الأهميّة، لأنّ الدّراسات السّابقة في غالبيتها ركّزت على أدباء المهجر، وتمّ استثناء أدباء الأراضي الفلسطينيّة لنقص المعلومات عنهم وعن نتاجاتهم. وبالتأكيد فإن هذا الكتاب سيصل العواصم العربية لأنّ ناشره دار الجندي للنشر والتوزيع تشارك في مختلف معارض الكتب في الدّول العربيّة.
وأعتقد أن الأستاذ وحيد تاجا سيصدر جزءا ثانيا من الكتاب لأنه لا يزال يواصل حواراته مع الأدباء الفلسطينيّين.

 

وقال الكاتب والناقد عبد الله دعيس:

" الرواية الفلسطينية ... حوارات نقدية" ..لا غنى لكلّ طالب أو باحث مهتم بالإنتاج الأدبي في فلسطين أن يعود إلى كتاب "الرّواية الفلسطينية ... حوارات نقدية" للكاتب السوري وحيد تاجا، والذي لمّ شمل عدد كبير من الكتاب الفلسطينيين بين دفتي كتابه الذي يقع في 510 صفحات من القطع الكبير. فقد ضم الكتاب حوارات نقدية مع أربعة وثلاثين كاتبا وناقدا فلسطينيا خاصة أولئك الذين برعوا في الر واية والقصص القصيرة وأدب الأطفال.
وقد قدم وحيد تاجا تعريفا لكل كاتب، حيث أعطى لمحة عن حياته، وأهم منجزاته الأدبية. وقد حاور المؤلف عددا من الكتّاب وكذلك الكاتبات، وركز على الرّواية، لكنه حاور أيضا كتاب القصص القصيرة أو الذين جمعوا بين الفنّين. وخصص قسما خاصا للكتّاب الذين ألفوا في أدب الأطفال وأعطاه أهمية كبرى. ثمّ أنهى كتابه بالحديث إلى بعض النقاد الذين أعطوا رأيهم بالأدب الفلسطيني والكتّاب الفلسطينيين، وأجابوا عن بعض الأسئلة التي أجاب عنها الأدباء، مما مزج وجهات نظر الكتّاب مع وجهات نظر النقّاد، وسهّل المقارنة بينها عند البحث في المواضيع المطروحة.
وقد حاور المؤلف الأدباء الفلسطينيين في مختلف أماكن تواجدهم، سواء كانوا داخل فلسطين أو في القدس والضفة الغربية أو غزة، وكذلك الكتّاب من فلسطين المحتلة عام 1948. وهذا يعطي الفرصة للباحث في استطلاع آراء الكتّاب الفلسطينيين الذين يعيشون تحت ظل الاحتلال ويكتوون بناره، وأولئك الذين ينتظرون العودة إلى الوطن، فيستطيع أن يعقد مقارنة علمية بين أدبهم ونظرتهم إلى الأمور، ومدى التوافق والاختلاف في وجهات نظرهم ومعالجتهم للمشكلات التي تلمّ بوطنهم، خاصة وأنهم يعيشون في بيئات مختلفة، والكاتب في النهاية هو ابن بيئته، وإن كان الهمّ الفلسطينيّ يجمعهم ويوحد رؤيتهم باتجاه فلسطين وقضاياها الكبرى.
إن المطالع للحوارات التي أجراها الأستاذ وليد تاجا مع الكتّاب، يلحظ الذكاء الفائق في طرح الأسئلة، التي تنوعت حسب الأديب، واستطاعت أن تجعل الأدباء يُبدون آراءهم في مختلف المسائل التي قد تشغل بال الباحث، الذي يحاول أن يدرس مؤلفاتهم. ونلحظ أيضا ونتعجب من سعة اطّلاع المؤلف وعمق ثقافته، حيث كانت أسئلته تنمّ عن معرفته التامة بجميع مؤلفات الأدباء الذين حاورهم، وعلى عمق قراءاته في كتبهم التي قرأها وقارن بينها، واكتشف خفاياها ومرامي كتّابها، واطلع على الكتابات النقدية التي قيلت فيها والأبحاث التي تناولتها.
نستطيع تصنيف الأسئلة التي طرحا المؤلف إلى فئتين: أسئلة مكررة طرحها على معظم الأدباء وأراد منها الوصول إلى وجهات نظر الكتّاب الفلسطينيين في هذه القضايا، واجتماعهم أو اختلافهم عليها، فنراه يعاود السؤال نفسه لأغلبية الكتّاب الذين قابلهم. والفئة الأخرى، هي الأسئلة الخاصة التي كان يسألها لكل كاتب، فيما يخصّ مؤلفاته ووجهات نظره في القضايا التي طرحها في كتاباته، ولم يكررها عند مقابلة كاتب آخر، وذلك ليجليَ الأمور على حقيقتها، بعيدا عن التأويلات الشخصية وآراء القرّاء والنقاد فيها.
أعتقد أن المؤلف قصد من أسئلته من الفئة الأولى أن يوضح رأي الكتّاب في عدة قضايا من أهمها:
أولا: نظرة الكتّاب الفلسطينيين إلى "الآخر" أي الصهاينة وموقفه منهم في كتاباته.
ثانيا: رأي الكتّاب الفلسطينيين في الكتّاب اليهود الذين يتحدثون عن التعايش مع العرب، ومدى إخلاصهم في هذا الطرح.
ثالثا: الفرق بين الأدب الفلسطيني الذي ينتجه الكتّاب الفلسطينيون الذين يعيشون داخل فلسطين وذاك الذي يكتبه الأدباء الذين يعيشون في الشتات، والفرق بين الأدباء الذين يقطنون المناطق التي احتلت عام 1967 وأولئك الذين يقطنون في المناطق الفلسطينية التي سيطرت عليها العصابات الصهيونية عام 1948.
رابعا: استخدام اللهجات المحلية في الحوار في الأدب الفلسطيني وموقف الكتّاب من ذلك.
خامسا: أدب السجون، وهل استطاع أن يعطي صورة حقيقية وافية عن معاناة الأسرى والأسيرات وتضحياتهم.
سادسا: دور المرأة في الأدب الفلسطيني، وكذلك صورتها في هذا الأدب.
سابعا: رأي الكتّاب الفلسطينيين في التطبيع الثقافي والعلاقة مع "الإسرائليين".
نلحظ اتفاق معظم الكتاب على أن الروايات الصهيونية التي تدعو إلى التعايش مع العرب ما هي إلا تجميل لوجه "إسرائيل"، لكنهم اختلفوا في طريقة طرح "الآخر" في الرّواية الفلسطينية وموضوع التطبيع والتعامل الثقافي مع الصهاينة.
فالحوارات التي أجراها المؤلف وحيد تاجا أبرزت الرّوح المشتركة التي تجمع الكتّاب الفلسطينيين، فقضية فلسطين تجمعهم ولا يستطيعون أن يخرجوا من تحت عباءتها، لكنها أظهرت أيضا المناحي المختلفة التي يتجهون إليها، وإن كانوا يحومون حول هذه الروح الواحدة. وقد أظهرت أيضا نقاط القوة في الأدب الفلسطيني، ونقاط الضعف، وأبرزت المواضيع التي لم يعطها الأدباء الفلسطينيون حقها وتحتاج إلى المزيد من الجهد.
وأخيرا فإن المؤلف قد أتاح لنا الفرصة للاستماع إلى الكتّاب مباشرة والتعرف عليهم، ليس من خلال شخصيات رواياتهم وقصصهم، والتي وإن كانت تعكس رؤيتهم للأمور أحيانا، لكنها لا تعطينا صورة مكتملة عنهم. لذلك فإن هذا الكتاب هو عمل مهم جدّا في مجال البحث في الأدب الفلسطيني، ولا غنى لأي باحث في هذا المجال عن اقتنائه والإفادة منه.

إضافة تعليق

Plain text

  • No HTML tags allowed.
  • Web page addresses and e-mail addresses turn into links automatically.
  • Lines and paragraphs break automatically.
2 + 5 =
Solve this simple math problem and enter the result. E.g. for 1+3, enter 4.