ندوة حول الترجمة والحقوق الفكرية

عقد المجلس الثقافي البريطاني بدمشق وبالتعاون مع وزارة الثقافة وصندوق غيت وي Gate Way ندوة في فندق الميريديان بعنوان " حوار الترجمة بين الإنكليزية والعربية" يومي 22و23 آذار (مارس) 2005.
رعى الندوة وافتتحها السيد وزير الثقافة الدكتور محمود السيد، وتناولت الوقائع الآتية:
1-محاضرة: خطة الترجمة في وزارة الثقافة السورية
(محمد كامل الخطيب) رئيس قسم الترجمة والتأليف في الوزارة.
2-محاضرة: مشروع الترجمة في المجلس الأعلى للثقافة المصري
(حلمي سيد نمنم) عضو لجنة الكتاب والنشر بالمجلس.
3-محاضرة: المفقود والموجود في الترجمة
(غريغور مييرينغ) هيئة ثالاسا الاستشارية في بريطانية
4-حلقة نقاش: احتياجات السوق العربي من وجهة نظر القائمين على الترجمة والناشرين والكتاب
ما العناوين التي تحقق مبيعات عالية للناشرين؟ ما العناوين الكاسدة؟ وكيف تنتقى العناوين؟
5-حلقة نقاش: الوضع الراهن لحقوق التأليف والنشر في الوطن العربي.
6-حلقة نقاش: الرقابة في البلدان العربية وبريطانية.
7- حلقة: هل تقرؤونني؟
(إحسان مسعود) رئيس صندوق Gate Way Fund ملخص حول الكتب التي يتداولها القراء في الوطن العربي والغرب بعضهما عن بعض.
8-حلقة نقاش: الوضع الراهن للترجمة من العربية إلى الإنكليزية.
9-حلقة نقاش: السوق الناطقة بالإنكليزية: تجاوز النخبة نحو استهداف الجمهور العريض.
10- حلقة نقاش: ما الذي يريده الكاتب؟
في آخر الندوة عقدت جلسة أخذت فيها آراء حول التوصيات التي يقترحها المشاركون قرر القائمون على الندوة أن يصيغوها بشكلها النهائي ليرسلوها إلى المشاركين.
المدعوون المشاركون في تقديم الآراء في الندوة
-مارغريت أوبانك (دار بنيبعل للكتب في انكلترة)
-زكريا تامر (قصاص سوري يعيش في انكلترة)
-محمد كامل الخطيب (مدير قسم الترجمة والتأليف في وزارة الثقافة السورية)
-حلمي السيد النمنم (عضو لجنة الكتاب والنشر بالمجلس الأعلى للثقافة بمصر).
-سعيد برغوثي (دار كنعان للدراسات والنشر – دمشق)
-مريد برغوثي (شاعر كاتب من فلسطين)
-دينا دالي ( مديرة دار الساقي – فرع لبنان)
-د. ثائر ديب (يعمل في وزارة الثقافة –عضو اتحاد الكتاب).
-محمد عدنان سالم (المدير العام لدار الفكر، رئيس اتحاد الناشرين السوريين، نائب رئيس اتحاد الناشرين العرب).
-د. صايل سلوم (مدير مديرية حماية حقوق المؤلف في وزارة الثقافة السورية)
-بندر عبد الحميد (مدير النشر في دار المدى)
-كيت غريغين ( مسؤولة أدبية لمجلس الفنون بإنكلتره)
-روجر فان زواننبرغ (مدير دار زد للنشر في إنكلتره)
-بيتر كلارك (عضو الهيئة الاستشارية والرئيس السابق للمركز الإنكليزي للترجمة الأدبية في جامعة إيست أنفليا بإنكلتره)
-سارة ما غواير (مديرة مركز ترجمة الشعر في كلية الدراسات الشرقية والإفريقية في جامعة لندن)
-إحسان مسعود ( مدير مشروع صندوق غيت وي بإنكلترة لتشجيع الترجمة)
-إبراهيم نصر الله ( مدير ثقافي ونائب الرئيس في مؤسسة شومان بعمان)
-سعدي يوسف ( شاعر عراقي يعيش في إنكلترة)
وهذه ورقة الأستاذ محمد عدنان سالم التي قدمها للندوة بصيغتيها المختصرة والمطولة
واقع حقوق النشر في الوطن العربي (1) موجز
( حقوق النشر في الوطن العربي: مصونة مضيعة
-مصونة شرعاً وقانوناً، عربياً ودولياً، من الوجهة النظرية.
-مستباحة أخلاقياً وتربوياً وثقافياً، على أرض الواقع.
-السعر الأرخص هو الأكثر احتراماً من الحق لدى المستهلك.
-والقرصنة هي الطريق الأقرب لتوفير السعر الأرخص بهذا المعيار.
-وكل الوسائل المشروعة لتخفيض ثمن المعرفة غير مفكر بها.
-لا الدعم المالي للأعمال الفكرية والبحث العلمي والترجمة.
-ولا التفاوض مع الناشر للحصول على أسعار تفضيلية.
-ولا الاتفاقات الثنائية بين الدول لتشجيع التبادل الثقافي.
-ولا النشر المشترك، واتفاقات النشر في نطاق جغرافي محدود.
-والنتيجة هي تفاقم القرصنة لتشكل 65% من حجم المبيعات الثقافية.
( عوامل تفاقم القرصنة:
-الغطاء الاجتماعي المشبع بثقافة الاستباحة لحق المؤلف، وفر لها فرص الإغضاء والتستر والتشجيع والترحيب.
-الخبرة المكتسبة بسبب طول التمرس، بإخفاء الجريمة والالتفاف على القوانين، وإطالة آماد المحاكمات وتسويفها.
-يأس المؤلف والناشر من جدوى اللجوء إلى المحاكم.
-صعوبات الإثبات والعجز عن الملاحقة.
-ضآلة التجارب والاجتهادات القضائية.
-عدم توفر الاقتناع الكافي بالحق الفكري لدى منفذي القانون.
-قدرة القراصنة على توظيف التكنولوجيا في سرقة الإبداع التكنولوجي.
-تجاهل المؤسسات الرسمية لشرط الالتزام بحق المؤلف، وتركيزها على السعر الأرخص في المناقصات أسهم في تشكيل مافيات القرصنة.
-إقدام المؤسسات الرسمية على الطبع من دون حق والترجمة من دون إذن، شجع الصغار على الاقتداء بـ (قرصنة الكبار).
-انعدام الجدية والاستمرارية في تطبيق القانون.
-الانشغال الرسمي بالهاجس الأمني وإحكام الرقابة على المطبوعات، عن هاجس الحق الفكري والإبداع.
( الترجمات غير المأذونة من أسوأ وجوه القرصنة:
-المترجم يعرض ترجمته على الناشر، وكأنه صاحب حق التأليف.
-المترجم يستغرب مطالبته بإذن الناشر الأصلي.
-الناشر العربي يستمرئ لعبة الترجمة من دون إذن.
-الناشرون يتسابقون إلى ترجمة الكتاب الرائج، فتتعدد طبعات الكتاب الواحد، وتعم الفوضى.
-وتتصاعد ظاهرة (قسم الترجمة في الدار) لستر أسماء المترجمين المبتدئين والمغمورين.
-إصدار الكتاب بلغته الأصلية والمترجمة في وقت واحد، حل جزئي لمشكلة التسابق غير المشروع.
-الناشر الملتزم يدفع ثمن التزامه غالياً. ولا بد من مراعاة ظروفه ومساعدته.
(2) واقـع حـقـوق النشـر في الوطن العربي محاضرة أعدها محمد عدنان سالم لندوة المجلس الثقافي البريطاني بعنوان حوار الترجمة بين العربية والإنكليزية دمشق 23-24/3/2005
حقوق النشر في الوطن العربي مصونة
مصونة شرعاً بموجب قرار مجمع الفقه الإسلامي لمنظمة المؤتمر الإسلامي رقم (5) د5/9/1988م الذي نص في مادته الثالثة على أن " حقوق التأليف والاختراع أو الابتكار مصونة شرعاً، ولأصحابها حق التصرف فيها، ولا يجوز الاعتداء عليها".
مصونة قانوناً؛ معظم الدول العربية قد استكمل إصدار قوانينه لحماية الحق الفكري؛ محدَّثةً أو هو منهمك في تحديثها، تحت سياط متطلبات الانضمام لمنظمة التجارة العالمية من خلال اتفاقية الجوانب المتصلة بالتجارة من حقوق الملكية الفكرية (تريبس)، التي أصبحت واجبة التطبيق في معظم البلدان العربية اعتباراً من 1/1/2000م، والتي تلزم الدول الوطنية باتخاذ كل التدابير والتشريعات اللازمة لحماية الإنتاج الفكري الأجنبي ضمن قانونها الوطني.
مصونة عربياً ودولياً؛ معظم الحكومات العربية استكمل توقيعه على الاتفاقية العربية لحق المؤلف.
لكنها مضيعة ميدانياً في مجال التطبيق، وأخلاقياً في ضمير المجتمع ، وتربوياً في مناهج التعليم على كل المستويات، وثقافياً في سلوك الفرد وعاداته وتقاليده..
لا يشعر أحد عندما تمتد يده لشراء كتاب أو قرص مقلَّد أو لاستخدام برنامج منسوخ، بأيِّ ذنب كالذي يشعر به عندما تندس يده في جيب آخر ، ليسرق ماله، أو يقتحم على إنسانٍ بيته ليسرق متاعه.
وفي ظل ثقافة استباحةٍ سائدةٍ لحق المؤلف كهذه التي تسود في الوطن العربي، لا يمكن لأكثر القوانين تشدداً، ولأشد إجراءات الحماية قسوة، أن تأتي بخير في مجال حماية حقوق الملكية الفكرية. فإذا كان السعر الأرخص، وليس الحق، هو المعيار لدى المستهلك؛ فرداً كان أو جماعة أو شركة أو مؤسسة أو وزارة أو منظمة، فإن القرصنة هي السبيل الأقرب والأسهل لتوفير هذا السعر الأرخص، ولسوف يصفِّق المجتمع للقراصنة ويَعُدّ سطوهم على المنتَج الفكري خدمة ثقافية جليلة تخلصه من جشع المنتجين الأصليين، وتيسر العلم لطلابه وتنشر المعرفة بين الناس بتكلفة زهيدة تقترب من المجان.
وإذا كان حق المؤلف مستباحاً في ضمير المجتمع؛ لا يعده مكافأة واجبة لعمل فكري يستحق الأجر، فإن هذا المجتمع لن يبحث عن الوسائل المشروعة لتخفيض ثمن المعرفة ونشرها بين الناس، مثلَ توفير الدعم المالي للأعمال الفكرية ومراكز البحث العلمي، ومثلَ التفاوض مع الناشر والمنتج للحصول على تخفيضات كالأسعار التفضيلية التي حصلت عليها الإدارة العامة السعودية لحقوق المؤلف وبلغت 90% للمؤسسات التعليمية والطلاب والباحثين وللجمعيات الخيرية، ومثلَ النشر الإجباري والترجمة الإجبارية بالسعر العادل، ومثلَ الاتفاقيات الثنائية بين الدول لتشجيع التبادل الثقافي بينها. وكذلك الاتفاقات بين دور النشر للقيام بنشر مشترك أو إعادة النشر في نطاق جغرافي محدود؛ كالذي فعلته الهند مع ناشري الكتب المدرسية والجامعية في أوروبا وأميركا، ووفرته في بلادها بأسعار رخيصة ، ثم الاستفادة من الاستثناءات والمساعدات التي تقدمها المنظمات والمؤسسات الثقافية الدولية.
ومن المؤسف أن قوانين الحماية وإجراءاتها لم تستطع أن تقدم للحد من أعمال القرصنة الفكرية شيئاً يذكر، بل زادت من تفاقمها وتعملقها ،إلى حد بلغت فيه نسبة المبيعات المقرصنة إلى حجم المبيعات الثقافية في تقديري 65% للكتاب و 90% للبرامج الإلكترونية.
فبالإضافة إلى ما كان الغطاء الاجتماعي المشبع بثقافة الاستباحة للحقوق الفكرية يوفره لها من فرص الإغضاء والتستر والتشجيع والترحيب وأفضلية التعامل، هنالك الخبرة المكتسبة لديها، بسبب طول التمرس بإخفاء الجريمة والالتفاف على القوانين والتهرب من مواجهتها وإطالة أمد المحاكمات وتسويفها، يقابلها لدى أصحاب الحقوق من المؤلفين والناشرين إحباط ويأس من جدوى اللجوء إلى المحاكم، فضلاً عن صعوبات الإثبات، والعجز عن ملاحقة جرائم القرصنة، التي غالباً ما تذهب بعيداً عن الأعين؛ إنتاجاً وتخزيناً وتوزيعاً، والغموض في عقود النشر التي غالباً ما تكون شفهية اعتماداً على الثقة القائمة بين المؤلف والناشر، كما يقابلها لدى القضاء ضآلة في التجارب والاجتهادات القضائية ، وقلةُ اكتراث ناجمة عن عدم الاقتناع الكافي بالحق الفكري.
وهنالك القدرة الكبيرة لديها على الاستفادة من التكنولوجيا بأسرعَ مما يستفيد منها المنتجون الأصليون، فقد أتاحت تكنولوجيا الطباعة والتصوير والنسخ فرصاً للتقليد وفك الحمايات يصعب ملاحقتها، حتى بات شعار (التكنولوجيا تحميها التكنولوجيا) بلا معنى، وبات الاحتياط للتهرب من تطبيق القوانين أسرع من محاولات تحديث القوانين.
وهنالك الفرص التي تقدمها لها المؤسسات الرسمية الثقافية والتعليمية حين تطرح مناقصاتها مشروطة بالسعر الأرخص من دون أي اشتراط للالتزام بالحقوق الفكرية، وهو ما يضمن لها الفوز بها، وإخراجَ الناشر الأصلي من حلبة المنافسة ، لأنه ملتزم بأداء حقوق المؤلف، ومحمّل بأعباء إعداد المنتَج، والقراصنة متحررون من كل ذلك حتى إننا لنستطيع أن نقول بكل ثقة إن هذا التصرف من المؤسسات الرسمية قد أسهم إلى حد كبير في تشكل مافيات القرصنة في الوطن العربي وفي نموها وتفاقمها.
وهنالك القدوة غير الحسنة للقرصنة التي تضربها المؤسسات الثقافية من وزارات للتربية والتعليم العالي وللثقافة، ومن مجالس وطنية، تعفي نفسها من الالتزام بحقوق المؤلف، متذرعة بشرف المقصد ونبل الغاية؛ تطبع من دون حق، وتترجم وتنشر من دون إذن، فيما يمكن أن نطلق عليه اسم (قرصنة الكبار) ،وللكبار في بلادنا حصانة ضد القانون، الذي إنما يسنُّ ليطبق على الصغار والضعفاء.
ثم إن للقانون دوراتٍ يصحو فيها لحظات ثم يغفو طويلاً، فيحني القراصنة رؤوسهم لعاصفة صحوه ريثما تمر فوق رؤوسهم بسلام، ثم يستغلون فترات غفوته الطويلة ليعتصروها حتى الثمالة.
وهاجس الأمن الثقافي عند أولي الأمر من رعاة الشعوب لدينا، أقوى من هاجس الحق الفكري وتنمية الإبداع، فهم يهتمون بحراسة فكر المجتمع، يقيمون له رقاباتٍ تفرض وصايتها على الأفكار، مخافة أن يتسرب منها ما يعكر هدوءه، فإذا ما لاحظوا فكراً يُحلِّق خارج السرب، أو صوتاً نشازاً يغرد بمعزل عن الجوقة، أو حصاة ترتمي في المستنقع فتنداح من حولها الدوائر، سارعوا إلى حماية المجتمع منها، لائذين بكل ما وضع في أيديهم من وسائل الحجر والمنع والقمع، وهم ما يزالون يمارسون هذه الهواية، حتى بعد أن أفلتت الكلمة من أيديهم وانطلقت حرة تجوب الفضاء وتسري عبر الشبكات العنكبوتية لتصل إلى كل إنسان، وتؤكدَ قدرتها على اجتياز كل الحدود و القيود والسدود..
ويستغل قراصنة النشر انشغال السدنة بهاجس الأمن عن هاجس الحق،فينقضّوا على ما تبقى في المجتمع من إبداع، بإبداع فذٍّ في التقليد والمحاكاة، ليسرقوا جهود المبدعين ويستثمروها نيابة عنهم، تاركين لهم الغصة ومرارة الصبر والإنفاق غير المحدود على مستلزمات البحث ومعاناة التفكير.. فأي إبداع يمكن أن ينمو في مناخ القرصنة، غير أن تنمو القرصنة ويضمر الإبداع، وينعم المجتمع بالهدوء والسكون يجتر تراثه، وما تصل إليه أيدي مزوِّديه القراصنة من نتاج المبدعين؟!
ففي عصر العولمة والمعلومات وحوار الثقافات أو صراع الحضارات، وما يقتضيه من تبادل ثقافي ، قوامه الترجمة لكسر حواجز اللغات، تبرز ثقافة استباحة حق المؤلف لتمارس لعبتها المفضلة هذه المرة بلون جديد وأسلوب جديد وأيدٍ جديدة لم تتلوث بأوشاب القرصنة من قبل، ولا تدري أنها تنخرط في عالمها.. إنها الترجمة من دون إذن ولا حق.
فإذا بالناشر يستقبل مترجماً يعرض عليه كتاباً صدر للتوِّ في أحد مراكز الإنتاج الثقافي العالمي ، ويشرح له أهميته وحاجة السوق العربية الملحة له، ويطلب منه التعاقد معه على نشره، كما لو كان هو المؤلفَ ذاتَه، فعثوره على الكتاب وترجمتُه له إبداع مستقل قائم برأسه ، واهتبالُ الفرصة؛ بوصف الكتاب قضية راهنة من قضايا الساعة، لا تدع للناشر كبير وقت للتفكير في حق المؤلف الأصلي، وشيئاً فشيئاً يستمرئ الناشر العربي لعبة الترجمة من دون إذن، ويأخذ زمام المبادرة، ليتخذ له أعيناً ترصد له الفريسة عن بعد، وفريق ترجمة على أهبة الاستعداد، دونه مجموعة حنين بن إسحاق للترجمة في بيت الحكمة بين يدي المأمون.. يفعل ذلك كله هادئ البال مقتدياً بوزارات الثقافة والبحث العلمي، ومتذرعاً بعدم ارتباط بلده باتفاقات حماية دولية.
وهكذا عمت فوضى الترجمة، وتعددت طبعات الكتاب الواحد تتسابق دور النشر إليها وتتنافس عليها ، ويلعق المؤلف العلقم، وخاصة إذا كان من أنصار القضايا العربية أمثال نعوم تشومسكي وتيري ماسون، وروجيه غارودي، وسبوزيتو، وكارين آرمسترونغ، وموران، وشوفالييه.. أو كان من المشاهير كما حصل أخيراً لكتاب حياتي لكلينتون.
وربما حمل بعضها اسم (قسم الترجمة في الدار) لستر أسماء التراجمة المبتدئين المغمورين الذين استخدمهم وعيوب ترجماتهم، ولو أن مغامراً استهوته رغبة المقارنة بين هذه الترجمات المتعددة لخرج بالعجب العجاب، وغامت لديه الأفكار الحقيقية للمؤلف.
هكذا غرقت السوق العربية في فوضى الترجمات غير المأذونة، واضطر الناشر الملتزم بشرف مهنته أن يتعاقد مع الناشر الأصلي على أن يزوده بمخطوطة الكتاب قبل النشر، ليصدر الكتاب بلغته الأصلية وبترجمته العربية في وقت واحد، ليفوِّت الفرصة على المستبيحين، لكنه سوف يدفع الثمن غالياً: سلفةً مقدمةً غير قابلة للرد، ونسبةً على النسخ المبيعة في جملة شروط تعجيزية يتضمنها عقد الناشر النموذجي الذي صيغ وفق قوانين بلده، لا يمت بصلة لقوانين البلد المستقبل، ولا لثقافته ولا لظروفه الاقتصادية والاجتماعية، ولا لضآلة كمية النسخ التي تطبع، وضعف القدرة الشرائية لدى القلة من قراء العربية.
إنني
على الرغم من قناعتي بأن تبادل الثقافات والمعارف والخبرات بين الأمم، أصبح واقعاً حتمياً ليس مجرد ضرورة، وأنه لم يعد بوسع شعب أن يتقوقع أو ينعزل مكتفياً بما في حوزته من أفكار، أو محتكراً لها يمعن في حجبها عن الآخرين، في عصر الانفجار المعرفي وطوفان المعلومات وثورة الاتصالات..
وعلى الرغم من قناعتي بقدسية حق المؤلف، وضرورة صيانته مطلقاً من دون نظر إلى جنسية أو حدودٍ جغرافية أو معاملةٍ بالمثل، أو انخراط في اتفاق دوليٍّ، أو خضوع لقانون وطني..
فإنني أرى سيل المعرفة الآن يتحدر من اتجاه واحد هو الغرب، وأن المستقبل لها على الطرف الآخر، لا يستطيع أن ينهض بتكاليفها المتعارف عليها في مواطنها، فهو لا يستطيع أن يجاري المصدِّر لها في عدد النسخ المطبوعة، ولا في فرض السعر العالي، ولا بد من مراعاة ظروفه ومساعدته على أن ينهل المعرفة بشرفٍ ومشروعية واحترام.
وبعد فإني لست هنا بصدد تفنيد ذرائع القراصنة والكشف عن زيفها، ولا بصدد سرد سلبيات ثقافة استباحة حقوق الملكية الفكرية وبيان مخاطرها، ولا بصدد إيضاح أهمية احترام حقوق المؤلف وأثره على نمو الإبداع ومستقبل الثقافة، فأنا واثق من أنني لن أزيدكم شيئاً يذكر عما هو في جعبتكم من ذلك كله..
ما أريد أن أؤكد عليه هو أن مسألة الاحترام لحقوق المؤلف مسألة حضارية تزدهر بازدهار الحضارة، وتنحسر بانحسارها ، وهي شرط لازم لها، لا تقوم الحضارة بدونه.
وأنها مسألة أخلاقية، إذا نَفَذَت إلى وعي المجتمع وضمير أفراده شكلت أرضية صلبة ومناخاً ملائماً لتطبيق القوانين الناظمة لها، والالتزام الطوعي بها، والإدانة الاجتماعية لكل اعتداءٍ عليها.
ولقد ناضلنا في اتحاد الناشرين العرب طويلاً، وما زلنا نناضل من أجل ترسيخ ثقافة الاحترام لهذه الحقوق، وأخذ المواثيق لصيانتها، والدعوة إلى التحلي بأخلاق مجتمع المعلومات تمهيداً لتشكيله.
لكننا، وقد فقدنا الثقة بجدوى الإجراء القضائي أو الإداري المعتمد على القانون، لدرجة أن أصبح اللجوء إليه أكثر ما يسعد القراصنة لخبرتهم الطويلة بالتعامل معه، فإن الإجراء المهني الأخلاقي الذي نضطلع به ونتحرك به على أرض الواقع لا يجد التعاون الكافي من المنظمات الدولية، ودور النشر الغربية، وهو في نظرنا أهم من القوانين التي لا تعدو أن تكون حبراً على ورق.
إننا تواقون للاندماج في حركة النشر الدولي على أساس من الاحترام المتبادل، وتكافؤ الفرص، والتقدير الواعي لظروفنا الصعبة التي أشرت إليها.

إضافة تعليق