نشأة المحفل الصهيونى.. إرهاصات التكوين وحتى وعد بلفور(الجزء الأول)

تعتبر الحركة الصهيونية من أكثر الحركات التى شكلت العالم الذى نعيش فيه الآن، فأبعادها لم تقتصر على اليهود وحدهم ولا حتى العرب وحدهم ولكن العالم أجمع.

ويختلف الكثير حول دوافع نشأة هذه الحركة وعلاقتها باليهود وما إذا كان اليهود مجرد مستفيد من تحرك الغرب لإنشاء دولة إسرائيل أم أنهم هم الدافعون حقا لها والمتحكمون فعلا في الغرب.

بل إن خطورة اليهود وسلوكياتهم التى أدت إلى لعنهم في القرآن الكريم تدعونا إلى تدبر مخططاتهم كما قال الله تعالى في سورة البقرة:

“وَلَقَدْ آَتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ وَقَفَّيْنَا مِنْ بَعْدِهِ باِلرُّسُلِ وَآَتَيْنَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ الْبَيِّنَاتِ وَ أيَّدْنَاهُ برِوح الْقُدُسِ أَفَكُلَّمَا جَاءَكُمْ رَسُولٌ بمِا لَا تَهْوَى أَنْفُسُكُمُ اسْتَكْبَرْتُمْ فَفَريِقًا كَذَّبْتُمْ وَفَريِقًا تَقْتُلُونَ * وَقَالُوا قُلُوبُنَا غُلْفٌ بَلْ لَعَنَهُمُ اللهَُّ بكِفْرِهِمْ فَقَلِيلًا مَا يُؤْمِنُونَ”  صدق الله العظيم

كما أن المحللين المسلمين يختلفون في مصادر وأدلة وضع النماذج المناسبة لتحليل هذه الحركة, فبعضهم وضع النصوص القرآنية في المرتبة الأولى اعتمادا على الترادف التام بين الصهيونية واليهودية، واعتبار الصهيونية ما هى إلا أحد مخططات اليهود عبر التاريخ مثل  د. بهاء الأمير ود. أحمد إبراهيم خضر.

بينما فسر البعض الآخر عن طريق نماذج التدافع في الغرب والمنهج التفكيكى في فهم الظواهر الإجتماعية وفصله عن الإسقاطات القرآنية اعتمادا على أن الصهيونية لا تماثل اليهودية بل أن بينهم علاقة تحتم استفادة اليهود من هذه الحركة وطبعا رائد هذا المنهج هو د. عبد الوهاب المسيرى.

أما عن المحللين الغربيين فبالتأكيد هم يتفاعلون مع القضية وكأنها قضية إنسانية بحتة وتحرك عالمي لدعم الشعب اليهودى في حقوقهم الدينية ومنعا للعنصرية التى طالما ذاقوا وبالها عبر تاريخ طويل, بينما هناك بعضهم من أنصف جزئيا في فهم هذه الحركة ووضع العوامل السياسية الغربية التى أرادت إنشاء إسرائيل لحماية مصالحها الشرقية.

ويدور هذا البحث أساسا حول هذه القضية منذ بداية تكوينها (القرن السادس عشر) إلى نتاجها الدولي (وعد بلفور 1917) معتمدا على منهج د.المسيرى في التحليل وهذا لدقة منهجه وتفسيره لأكبر قدر من المصطلحات والأحداث المتعلقة بالصهيونية, ولكن مع ذكر بعض التناقضات معه في بعض مناطق الاختلاف, أو ذكر الآراء الغربية عند بعض الأحداث التاريخية.

وقد قسمت هذا البحث إلى ثلاثة أجزاء:

  1. جذور المشكلة: إرهاصات التكوين وهو يشرح كيف بدأ المجتمع الغربي يشعر بمشكلة وجود اليهود في بلادهم وبالتالي سعى فيما بعد للتخلص منهم؟
  2. بداية تأسيس الحل: النشأة ويعرض البحث كذلك كيف تم التنظيم لنشأة الحركة الصهيونية؟
  3. الحل الذي نجح الصهاينة في الحصول عليه متمثلا في وعد عام 1917 م.

إرهاصات التكوين (جذور المشكلة)

معاداة السامية والمسألة اليهودية The Jewish Question
(على مستوى الجماعات اليهودية)

معاداة السامية Anti-Semitism لفظ يطلق عادة في الكتب الغربية للتعبير عن العداء لليهود, فهم يطلقون لفظ السامية ويريدون به اليهود, بالرغم من أن العرب يمثلون أغلبية هذا الجنس. ترجع هذه التسمية إلى الكتابات الأوروبية في القرن التاسع عشر حول التمييز بين الأعراق والحضارات, فتم التمييز بين العرق السامى والآرى، فكان تمييزا بدأ على أساس لغوى (اللغات السامية) ثم تم اعتبار اليهود أنهم يمثلون عرقا واحدا وهو المعبر عن العرق السامى.

سبب هذا عداءً لليهود وميل المجتمعات الغربية إلى نبذهم بل و عمل ذلك إلى إحداث مشكلة في الدول الغربية, ألا وهى وجود اليهود على أراضى أوروبا (وخاصة أوروبا الشرقية)، هذه المشكلة أصبح لها مصطلح يشار إليه بشكل مفهوم وهو المسألة اليهودية. فهى تعبر عن كراهية الشعوب لوجود اليهود بها عامة, كما أنها تدل تاريخيا بشكل خاص على مشكلة وجود اليهود في أوروبا الشرقية.

هناك عدة من التفاسير لظاهرة معاداة اليهود خاصة في أوروبا خلال القرن التاسع عشر, فالصهاينة يفسرون هذه المعاداة بأنها معاداة من الأغيار لهم في مصطلحهم. بينما يرى د.عبد الوهاب المسيرى أنها بسبب وجود اليهود في أوروبا كجماعة وظيفية وسيطة (كما سيلى التفصيل فيه) ثم فقدها لدورها الوظيفى في عصر النهضة الأوروبية وتناقص الإقطاع والفصل بين الطبقات. بينما يرى البعض الآخر أن سبب المعاداة هو اعتبار اليهود لغيرهم أنهم “أغيار” وأن كتاباتهم حول الأغيار وخاصة التلمود فيها عنصرية شديدة فهم يستحلون الكثير من الأفعال المحرمة بينهم كالسرقة مثلا (1).

ويفسر د. المسيرى هذه المعاداة عن طريق فقدان اليهود لدورهم الوظيفي في المجتمع وبسبب أن عادة الجماعات الوظيفية تتكون دائما من عناصر بشرية غريبة عن المجتمع حتى يمكنها أن تضطلع بوظائف كريهة أو مشبوهة أو متميزة تتطلب عدم الانتماء مثل التجارة والربا والقتال والبغاء. وكان ينظر إليهم فى المجتمعات التقليدية باعتبارهم وسيلة لا غاية واداة من أدوات الإنتاج لا أكثر, ولذلك كان أعضاء الجماعة الوظيفية (اليهود) لا حرمة لهم في كثير من الأحيان؛ فهم غرباء والغريب في معظم الأحوال مباح لا قداسة له. وفي العادة, يتركز أعضاء الجماعات الوظيفية الوسيطة في قطاعات اقتصادية بعينها يبرزون فيها, الأمر الذي يجعلهم مركزا للكره والحسد. وعلاوة على ذلك, يدافع أعضاء الجماعة الوظيفية عن مراكزهم الاقتصادية هذه بشراسة وضراوة غير عادية نيرا لعدم وجود بدائل أخرى متاحة أمامهم, فهم عادة يفتقرون إلى الخبرة اللازمة للصناعة والتجارة. كما أنهم يدافعون عن مراكزهم الاقتصادية عن طريق شبكة الأقارب والعائلات, الأمر الذي يثير حولهم الشائعات عن عمق بغضهم وكرههم لأعضاء الأغلبية.

أما عن سبب تحول اليهود إلى مجرد جماعات وظيفية وسيطة فيفسر د. المسيرى ذلك أن بسبب ضعف الدولة العبرانية في مواردها ووجودها في منطقة مهمة استراتيجيا بين عدة إمبراطوريات عظمى, أدى ذلك إلى تحولها إلى معبر لهذه الإمبراطوريات وجمع التجمع العبرانى مصدرا أساسيا للمادة البشرية.

هذا الوضع أدى في نهاية الأمر إلى انتشار اليهود كما جعل عندهم قابلية لأن يتحولوا إلى جماعات وظيفية سواء قتالية أو استيطانية أو تجارية.

أثناء العصور الوسطى (من القرن الخامس للخامس عشر) كان التقسيم الطبقى موجود بشكل واضح فكان أعضاء كل حرفة يعيشون في حى مقصور عليهم, علما بأن معظم المهن والحرف كانت تورث في العائلة نفسها. واليهودي ,علاوة على هذا, لم يكن وضعه محددا داخل المجتمع الإقطاعى, إذ كان غريبا بالفعل, لا يعمل بالزراعة أو القتال, وهما الحرفتان الأساسيتان في مجتمعات العصور الوسطى في الغرب.وكان المجتمع الإقطاعى يستند إلى الشرعية المسيحية, وبالتالي كان اليهودى بلا مشروعية. ومما أكد الحاجة إلى هذا الفصل بين اليهود وسائر الطبقات (الجيتو) وجود الشعائر اليهودية الخاصة مثل: قوانين الطعام وتحريم الزواج المختلط, وعدم شرب خمر صنعه واحد من الإغيار.

ومع العصور الوسطى كانت معظم الجماعات اليهودية (2) في الغرب جماعات وظيفية وسيطة تضطلع بوظيفة التجارة والربا وجمع الضرائب وأعمال مالية وإدارية مماثلة أخرى. لكن التجارة التي كان يضطلع بها أعضاء الجماعة الوسيطة هي ما يطلق عليه “التجارة البدائية”. فالتاجر اليهودي لم يكن يوظف امواله في الإنتاج, كما كان يفعل تجار مدن العصور الوسطى الكبيرة, ولا يشترى مواد أولية ولا ينفق على صناعة الأقمشة جزءاً من رأسماله, بل كان مجرد وسيط يوزع منتجات لا يسيطر عليها ولا يخلق ظروف إنتاجها. ولذلك فلم يكن هناك وجود لأية مسألة يهودية في المجتمعات الإقطاعية, فالتاجر والمرابى اليهوديان كانا يقومان بدور حيوى, إذ كان التاجر يورد للمجتمع الإقطاعى السلع التي يحتاج إليها ويصدر الفائض الإنتاجي, بينما كان المرابى يقرض الأمير الإقطاعى وكذلك الفلاح لشراء السلع الكمالية. بل إن التاجر أو المرابي اليهودي كانا أداة في يد النخبة الحاكمة الإقطاعية فكان يقوم بدور الوسيط بين الأمراء والفلاحين وبهذا كان اليهود أقنان بلاط (مماليك تجارية) يستخدمون لامتصاص الثروة من المجتمع ولضرب الطبقات التجارية الصاعدة.هذه الأحوال الخاصة باليهود ظهرت في كثير من الروايات الغربية ومن أشهرها مثلا رواية “تاجر البندقية” لشكسبير (3).

كل هذا كان يعنى أن أعضاء الجماعة الوظيفية الوسيطة اليهودية (أقنان بلاط أو يهود بلاط) كانوا خارج التشكيلات البرجوازية والرأسمالية الغربية الصاعدة كما أن تبعيتهم هذه كانت تعنى نشوء رأسمالية يهودية مستقلة مستحيل, إذا كان الحاكم يصادر أموالهم حينما يصلون إلى درجة عالية من الثراء كما حدث لكثير من يهود البلاط.

وهذا الوضع في حد ذاته لا يخلق مسألة يهودية, بل إن مثل هذه المسألة تبدأ في الظهور حينما تتناقص حاجة المجتمع إلى اليهودي كتاجر أو مراب أو مدير مالى, وذلك بعد أن تنشأ طبقات تجارية ومالية محلية أو بعد أن تضطلع الدولة نفسها بمثل هذه الوظائف. وهذه العملية تتطور بالتدريج إلى أن يستغني المجتمع عن الجماعات الوظيفية الوسيطة تماما.

وعند هذه النقطة تطرح قضية مدى نفع اليهود ومدى إنتاجيتهم, وتثار الأسئلة الخاصة بازدواج الولاء بكون اليهود يشكلون دولة داخل الدولة. وبالتالى, فإن المسألة اليهودية (أى بداية الاستغناء عن الجماعات اليهودية) بدأت مع الثورة التجارية وظهور الدولة القومية المركزية التى قامت بتوحيد جميع مناحى الحياة ودمج المواطنين كافة, وطالبتهم بالولاء الكامل والانتماء الغير مشروط لها, وحاولت أن تصهرهم جميعا -وضمن ذلك أعضاء الأقليات- في بوتقة واحدة ينتميها إطار واحد. وعلى هذا أعطى اليهود حقوقهم السياسية وفتحت أمامهم مجالات الحراك ولكنهم طولبوا في نفس الوقت بأن يتخلوا عن خصوصيتهم الباهرة في لغتهم ومعاملاتهم, كما أن الدولة كانت تتدخل في كيفية تنشئة اليهودي فيوجبوا على اليهود عدم دراسة التلمود إلا بداية من سن معين وكذلك في كل أنواع التعليم لليهود.

وبالتالى بسبب اعتقاد اليهود أنهم عنصر قومى له خصوصيته وتفرده ولا يمكنه الاندماج في العناصر الأخرى كما أنهم يؤمنون بأن العلاقة بين اليهود والأغيار علاقة تضاد جذرى, أدى ذلك إلى فشل عملية الإنصهار بالنسبة لبعض اليهود وإن كان أغلبهم نجحوا بالاندماج في المجتمعات الغربية ولم يستجيبوا لفكرة الصهيونية، وبالتالي اجتمع الانعزال (المطلوب من اليهود أنفسهم) وفقدهم لدورهم الوظيفي في المجتمع إلى تكون المسألة اليهودية ورغبة دول شرق أوروبا في تهجيرهم أو التخلص منهم.

إضافة تعليق

4 + 6 =
Solve this simple math problem and enter the result. E.g. for 1+3, enter 4.