نشأة المحفل الصهيونى.. إرهاصات التكوين وحتى وعد بلفور "الجزء الثاني"

التحركات السياسية (على المستوى الدولى)
- القرن السادس عشر 1500 م:
ظهور الصهيونية المسيحية بعد حركة الإصلاح الديني ونشوء المذهب البروتستانتي على يد مارتن لوثر. ففي هذا المذهب يؤمنون بأن الخلاص لن يتم إلا بفناء اليهودية وبالتالى يصبح من اعتقادهم أن يتم تهجير اليهود إلى أرض الميعاد حتى نزول المسيح وتحويل اليهود المتبقون إلى مسيحيين. وبذلك تكون نبوءات الكتاب المقدس قد تحققت وأن من الواجب على البروتستانتيين إرجاع العناصر المفقودة لليهودية, فالمسيحية (فى نظرهم) لم تأت لاستبدالها بدلا من اليهودية بل جاءت لمعونة اليهود حسب نبوءات الكتاب المقدس حتى حكم المسيح فى نهاية العالم. وعلى هذا النسق نجد أن انجلترا والكنائس البروتستانتية كانت من الجهات المدافعة بشدة عن عودة اليهود لأرض الميعاد (فلسطين).
- حتى منتصف القرن التاسع عشر 1850 م:
بعد ضعف الدولة العثمانية (الرجل المريض (4)) أجهزت عليه القوى الغربية, فبينما قامت روسيا بضم بعض الإمارات التركية على البحر الأسود وهجوم نابليون على مصر, حاولت بريطانيا الحفاظ على الامبراطورية العثمانية مع تحقيق مكاسب من خلال التدخل فى شؤونها حتى تقف أمام الزحف الروسي. خلال هذه الفترة قامت إمبراطورية محمد على الصغيرة التى قضت على أحلام القوى الغربية, فتحالفت كلها ضد توسعات محمد علي مما أدى إلى معاهدة لندن 1840 م.
هنا تبلورت الفكرة الصهيونية بين غير اليهود وتحولت من مجرد فكرة إلى مشروع استعماري محدد, إذ بدأت تطرح فكرة تقسيم الدولة العثمانية ومن ثم اكتسبت الصيغة الصهيونية الأساسية (5) مضمونا تاريخيا وبعدا سياسيا, وأصبح بالإمكان دمج المسألة اليهودية مع المسألة الشرقية وطرحت إمكانية توظيف الشعب اليهودي المنبوذ وبدأ التفكير فى حل المسألة اليهودية عن طريق نقل اليهود إلى فلسطين وإيجاد قاعدة للاستعمار الغربى.
- النصف الثانى من القرن التاسع عشر 1850- 1900 م:
بعد النشاط الكبير للتوسع الإمبريالي البريطاني والألماني (حيث هزمت فرنسا عام 1871 م) واستيلاء بريطانيا على دول كثيرة من وسط آسيا ومصر وقبرص, وبعد نشاط العلاقات الألمانية العثمانية وزيارة القيصر وليام الثانى قسطنطينية عام 1898 م أصبح المشروع الصهيوني متأرجحا بين أعظم قوتين إمبريالتين فى العالم؛ الإنجليزية والألمانية.
وكان التعبير عن هذه الصراعات هو الحرب العالمية الأولى التى انتهت بضم فلسطين إلى الامبراطورية البريطانية واختفاء الدولة العثمانية كقوة سياسية.
فى هذه الفترة حاول بعض يهود شرق أوروبا (بعد تردي الأحوال الاقتصادية هناك وبدلا من محاولة الهجرة لغرب أوروبا) أن يتسللوا (الصهيونية التسللية) إلى فلسطين والاستيطان بها عن طريق بعض الجماعات مثل “أحباء صهيون”.
كما انتشرت كتابات يهودية دينية وعلمانية ترى أهمية تأسيس دولة يهودية فى فلسطين, ولكن وظيفتها لم تكن بالإسراع فى دمج اليهود بل الحفاظ على هويتهم, كما ظهرت كتابات الصهيونية العمالية فى تلك الفترة.
- مرحلة هرتزل (العقود الأخيرة من القرن التاسع عشر وبداية القرن العشرين):
ظهر هرتزل بين صفوف يهود الغرب المندمجين التوطينيين (6) فاكتشف حاجة الغرب ويهود الغرب للتخلص وبسرعة من يهود شرق أوروبا. ولكنه اكتشف الحقيقة البدهية الغائبة عن الجميع, وهى حتمية التحرك داخل إطار الامبريالية الغربية التى تستطيع وحدها أن تنقل اليهود خارج أوروبا وأن توظفهم لصالحا نظير الحماية. وقد نجح هرتزل فى التوصل إلى خطاب مراوغ وهو ما جعل نصوص العقد الصامت بين الحضارة الغربية والحركة الصهيونية بشأن يهود العالم ممكنا (أى العقد المتخفي بينهم على تهجير اليهود إلى فلسطين). ففتح ذلك الباب أمام عملية تهويد الصيغة الصهيونية الأساسية الشاملة من خلال الديباجات اليهودية المختلفة.
الهامش:
(1) الجماعة الوظيفية (مصطلح يستخدمه المسيرى عادة لوصف حالة جماعات اليهود): هي مجموعات بشرية صغيرة يقوم المجتمع التقليدى بإسناد وظائف شتى إليها يرى أعضاء هذا المجتمع أنهم لا يمكنهم الاضطلاع بها لأسباب مختلفة. قد تكون هذه الوظائف مشينة في نظر المجتمع ولا تحظى بالاحترام في سُلَم القيم السائدة (التنجيم البغاء الربا)، وقد تكون متميِّزة ومهمة (الطب، وخصوص ا أطباء النخبة الحاكمة القتال)، وقد يتطلب الاضطلاع بها قدر ا عالي من الحياد والتعاقدية لأن المجتمع يريد الحفاظ على قداسته وتَراحُمه ومثالياته (كالتجارة والربا).
(2) يعتبر د.أحمد إبراهيم خضر أن التعامل مع اليهود بوصفهم جماعات (المنهج التفكيكى) إهمالا لعنصر الشخصية اليهودية المتكررة بغض النظر عن الزمان والمكان نظرا لتأثرهم بالكتابات الدينية مثل التلمود. فاليهود ليسوا مجرد جماعات مختلفة وشاءت الظروف بسبب وظيفتهم المجتمعية ان تكون لهم سلوكيات مشابهة في التعامل مع هذه المجتمعات. فتجانس اليهود زمانيا ومكانيا عند المسيرى (سببه الوظيفة المجتمعية بينما عند د.خضر هو العقيدة خاصة التلمود 1).
(3) هذه الرواية يعتبرها د. المسيرى مثالا على العنصرية الأوروبية تجاه اليهود الغير مرغوب فيهم.
(4) الرجل المريض: مصطلح اشتهر كتعبير عن ضعف الدولة العثمانية وهو فى الأصل رجل أوروبا المريض، وأول من أطلقه كان قيصر روسيا نيكولاى الأول.
(5) الصيغة الصهيونية الأساسية: هو تعبير اقترحه د. المسيري فى تعريف الصهيونية وسيلى شرحه فى باقى البحث.
(6) يفرق د. المسيري بين فريقين من الصهاينة، فهناك الصهاينة الاستيطانيين والتوطينيين. فأما الأول فهم من يذهبون بأنفسهم إلى فلسطين للاستيطان هناك سواء قبل التحرك العالمي (عند وعد بلفور) وهذه تسمى بالصهيونية التسللية بسبب تسللهم عن طريق جماعات مثل جماعة “أحباء صهيون”.
أما الثاني فهم من يدعمون قيام الدولة اليهودية ولكنهم يبقون مندمجين فى مجتمعاتهم، وعادة ما يكون هؤلاء من الطبقة الراقية فهم يفتقدون للأسباب المادية التى تجعلهم يتركون حياتهم المستقرة فى بلادهم ويذهبوا لأرض جديدة. ولذلك اشتهر وجود الصهيونية التوطينية بين يهود أوروبا الغربية وأمريكا وكذلك الصهيونية الاستيطانية بين يهود شرق أوروبا.
نشأة المحفل الصهيونى.. إرهاصات التكوين وحتى وعد بلفور [2/3]
النشأة (بداية تأسيس الحل)
نشأة مصطلح “الصهيونية“:
تشير كلمة صهيون فى التراث الديني اليهودي إلى جبل صهيون والقدس, بل إلى الأرض المقدسة ككل, ويشار إلى اليهود أنفسهم باعتبارهم “بنت صهيون”. اليهود يؤمنون بأن الماشيح (1) المخلص سيأتي فى آخر الأيام ليقود شعبه إلى صهيون (الأرض العاصمة) ويحكم العالم فيسود العدل والرخاء. فهم يؤمنون بأن العودة إلى أرض الميعاد ستتم فى الوقت الذى يحدده الرب وبطريقته, وأنها ليست فعلا بشريا يتم على يد البشر.
وهذه النزعة الصهيونية الدينية (التى تؤكد عنصر تجاوز المادة) ليس لها علاقة بالاستيطان الصهيوني الفعلي والمادي فى فلسطين ولا حتى بما يسمى “الصهيونية الدينية” فى الوقت الحالي.
يطلق اصطلاح “الصهيونية” أيضا على نظرة محددة لليهود ظهرت فى أوروبا (وخاصة فى الأوساط البروتستانتية بإنجلترا ابتداءً من أواخر القرن السادس عشر) وتنظر إلى اليهود باعتبارهم شعبا عضويا مختارا وطنه المقدس فى فلسطين ويجب أن يهجر إليه.
وقد استمر هذا التيار المنادي بتوطين اليهود فى فلسطين حتى بعد أن خمد الحماس الدينى الذى صاحب حركة الإصلاح الديني (2). ويطلق على هذه النزعة “الصهيونية المسيحية”.
مع تَزايُد معدلات العلمنة في المجتمعات الغربية, ظهرت نزعات ومفاهيم صهيونية في أوساط الفلاسفة (ولا سيما الرومانسيين) والمفكرين السياسيين والأدباء, تنادي بإعادة توطين اليهود في فلسطين باعتبار أنهم شعب منبوذ تربطه علاقة عضوية بها استناداً لأسباب تاريخية وسياسية بل “علمية”. ويُطلَق على هذا الضرب من الصهيونية “صهيونية الأغيار” أو “صهيونية غير اليهود”.
يلاحظ حتى الآن أن مصطلح “صهيونية”نفسه لم يكن قد تم سكه بعد, ومع هذا كان مفهوم الصهيونية مفهوماً مُتداوَلاً على نطاق واسع بين الفلاسفة والمفكرين والشعراء والمهووسين الدينيين. ولكن مع تبلور الهجمة الإمبريالية الغربية على الشرق, وبخاصة الشرق الإسلامي, ومع تبلور الفكر المعادي لليهود في الغرب (بسبب ظهور الدولة العلمانية المركزية التي همَّشت اليهود كجماعة وظيفية (3)), ومع تصاعد معدلات العلمنة.
بدأ مفهوم الصهيونية نفسه في التبلور والتخلص من كثير من أبعاده الغيبية الدينية أو الرومانسية وانتقل إلى عالم السياسة والمنفعة المادية ومصالح الدول.
أصبح مفهوم الصهيونية مفهوماً أساسياً في الخطاب السياسي الغربي عام 1841 م (4) مع نجاح أوربا في بلورة مشروعها الاستعماري ضد العالم العربي والإسلامي الذي حقق أول نجاح حقيقي له في القضاء على مشروع محمد علي في تحديث مصر والدولة العثمانية, ومع تفاقم المسألة اليهودية(5) التقت المسألة الشرقية (6) بالمسألة اليهودية وساد التصوُّر القائل بإمكان حل المسألتين من خلال دمجهما.
تمت بلورة المفاهيم الصهيونية وملامح المشروع الصهيوني بشكل كامل في الفترة بين منتصف القرن التاسع عشر وعام 1880 م على يد المفكرين الصهاينة غير اليهود (مثل: لورد شافتسبري ولورانس أوليفانت).
وقد لخص شافتسبري التعريف الغربي لمفهوم الصهيونية في عبارة أرض بلا شعب, لشعب بلا أرض في كلمات تقترب كثيراً من الشعار الصهيوني.
بدأت النزعات الصهيونية تظهر بين اليهود أنفسهم في أواخر القرن التاسع عشر مع تفاقم المسألة اليهودية, وعبَّرت عن نفسها في بادئ الأمر عن طريق المساعدات التي كان أثرياء اليهود في الغرب يدفعونها للجمعيات التوطينية المختلفة التي كانت تهدف إلى توطين يهود شرق أوربا في أي بلد (ويشمل ذلك فلسطين) حتى لا يهاجروا إلى غربها فيعرِّضوا مكانتهم الاجتماعية وأوضاعهم الطبقية للخطر.
عبَّرت النزعة الصهيونية في شرق أوربا عن نفسها من خلال جماعات أحباء صهيون التي حاولت التسلل إلى فلسطين للاستيطان فيها. وتُوصَف هذه النزعات أيضاً بأنها رغم “الصهيونية” اختلاف الدوافع بين الفريقين الأول والثاني.

إضافة تعليق