نقد ثقافي ام نقد ادبي (ج 2)

- أهمية الجماليات الثقافية/وظيفة النقد الثقافي:لمعرفة جماليات التحليل الثقافي The poetics of cultural analysis لا بد من التعرض لمفهوم جماليات الثقافة، وتتمثل في مجموع القيم والعادات والتقاليد والمعتقدات وأساليب التفكير وطرق المعيشة المرتبطة بالجانب الثقافي، وهذه الجماليات تستلزم وضع آليات جديدة في النظرة للنص الأدبي، وتوسيع آفاق الرؤية. والعلاقة بين الجماليات الثقافية والجماليات الأدبية أن الثانية تندرج تحت الأولى، لكوْن الجماليات الأدبية – رغم ضروريتها في نقد الخطاب الأدبي- فإنها غير كافية لمشروع النقد الثقافي. (12)
وتكمن وظيفة "النقد الثقافي" في كونه يُشرّح العمل أو الخطاب؛ معلّلا ديمومته وذيوعه، من خلال الوقوف على المعاني الباطنية، والدلالات الكامنة خلف الألفاظ المباشرة، ولو تأمّلنا شاعرًا "كأحمد مطر" نجده قد أثر في الكيان العربي، على الرغم من كونه لم يتسلّح بجماليات شاعرٍ كالبحتري في قوله:
أَتاكَ الرَبيعُ الطَلقُ يَختالُ ضاحِكاً مِنَ الحُسنِ حَتّى كادَ أَن يَتَكَلَّما
نعم يتناغم النُّخبة حين يسمعون هذا البيت وغيره من شعر البحتري، لكنّ جمالية شعره لا تدوم أمام جماليّات الثقافة المضمرة في شعر "مطر" حين شرّح الذات العربية وعبّر عنها، وبذلك تّبدو وظيفة النقد الثقافي في "نقد المستهلك الثقافيّ". (13)
وأهميته تكمن في أنه:
- يبتعد عن الانتقائية المتعالية، فكل خطاب داخل فيه دون انتخاب لخطاب بعينه.
- ربط العلوم الإنسانية بالأدب مما يُساهم في إثراء النص.
- تذوق النص بوصفه قيمة ثقافية، لا بوصفه قيمة جمالية فقط.
- الكشف عن جماليات أخرى للنص لم يُلتفت إليها من قبل.
- الكشف عن القيم الفعلية للخطاب الأدبي ووضعها في حيز التطبيق.
- الاهتمام بالنصوص المهمّشة.
- مجال عمله ورواده:
يدرس النقد الثقافي وفق هذه النظرة كل خطاب بغض النظر عن كونه شعرًا أو نثرًا، أو حتى كلامًا شعبيا، لذلك نجد من مجالاته العلوم والتكنولوجيا،
والرواية التكنولوجية، والخيال العلميّ، وثقافة الصورة والميديا، والثقافة الجماهيرية، والاستشراق، والدراسات النّسْوية، وثقافات البيئة، والعولمة Baligation ، والدراسات الأدبية. ويُعنى النقد الثقافي بالمتلقى الجمالي، والمتعلم، والشعبيّ.
ولم يكن غريبًا على الناقد الفرنسي "رولان بارت" أن يبرح النقد النصّي للأدب إلى كتابة المقالات النقدية حول سباق الخيل، والموضة، والأزياء ...، وقد تبنىّ النقد الثقافي في كتاباته، والتي ظهرت أيضا لدى "كلود ليفي ستراوس، وميشيل فوكو، وبيير بورديو، و"دريدا" من فرنسا، ولدى "وليم إمبسون، وماري دوجلاس، وريتشارد هوجارت" من إنجلترا، ولدى "إدوارد سعيد، وفريدريك جيمسون" من أمريكا، ولدى "أمبرتو إيكو" من إيطاليا، و"يورجين هابرماس، وثيودور أدورنو" من ألمانيا. وأخيرًا "عبد الله الغذامي، وعبد الملك مرتاض، وعبد القادر الرباعي" من العرب، "غير أن طه حسين" يعد الأسبق في ممارسة النقد الثقافي على الأدب العربي، وذلك في بحوثه التي حررها حول الأدب الجاهلي والمتنبي.
- الأنساق الثقافية:
لم يُمرر الغذامي التعريف السائد للنسق على أنه النظام System أو كل ما هو على نظام واحد، وذلك حين أضاف إلى عناصر النموذج اللغويّ التي حددها ياكبسون في ستة عناصر هي: (المرسل، والمرسل إليه، والرسالة، والسياق، والشفرة، وأداة الاتصال) وجعل وظائفها على التوالي (وجدانية ذاتية، وإخبارية نفعية، وجمالية شاعرية، ومرجعية، ومعجميه، وتنبيهية) ليكون العنصر السابع هو النسق، ووظيفتهُ نسقية، وهو بذلك يجعل "النسق" مقابلًا "للدال" في النقد الأدبي؛ ليكون منطلقًا نقديًا وأساسًا منهجيًا.
وبما أن الخطاب الأدبيّ حادثة ثقافية فالنسق يعدّ إفرازًا ثقافيًا يستهلكه الجمهور، وتكون الجماليات البلاغية قناعًا تمُرّ من خلاله الأنساق بأمان، ويشترط الغذامي في الخطاب المنقود ثقافيًا أن يكون جماهيريًا، وأن يمتلك نسقين ظاهر ومضمر، وأن يكون النسقان في حالة صراع، كما يشترط فيه، أن يحظى بمقروئية عريضة مما ينمّ عن كونه خطابًا جماليًا. ووظيفة النسق تكمن في الكشف عن المضمرات الثقافية الموجودة في النص، وغالبًا ما تكون هذه المضمرات ذات تأثير كبير رغم كمونها، ويسميه الغذامي النسق المضمر، ويعرفه بقوله: "هو مضمر نسقي ثقافي لم يكتبه كاتب فرد، ولكنه انوجد عبر عمليات من التراكم والتواتر حتى صار عنصرا نسقيا يتلبس بالخطاب ورعية الخطاب من مؤلفين وقراء" وقد جعل الغذامي للنسق دلالة سمّاها "الدلالة النسقية" وجعلها تعمل في مقابل الدلالة الضمنية التي يقوم عليها النقد الأدبي الجمالي وعرفها بقوله: "علاقات متشابكة نشأت مع الزمن لتكون عنصرًا ثقافيًا أخذ بالتشكل التدريجي إلى أن أصبح عنصرًا فاعلا" وقد عمد الغذامي إلى تقريب فكرة "النسق" من خلال تطبيقها على المتنبي، حين بدأ الحديث عنه بسؤال: "المتنبي مبدعٌ عظيم أم شحاذ عظيم أم هو الاثنان معًا ...؟" وفي إطار هذا التساؤل جعل المتنبي ذا نسقين، الأول: نسق ظاهر يتمثل في فحولته الشعرية ومقدرته القولية في الأدب العربي ، أمّا النسق الثاني فمضمر يتمثل في كونه شحّاذًا منافقًا، وهذا النسق المضمر لعبت البلاغة بجمالياتها المختلفة على إخفائه، حتى عُدَّ مسلّمة لدى (الرعية/المتلقي/قارئ المتنبي) أن يكون المتنبي أشعر العرب، والدلالة النسقية هذه يتم اكتشافها من خلال شعر المتنبي بالإضافة إلى ما كتب عنه وعن سيرته وعن عصره، إلى غير ذلك ممّا حِيكَ ثقافيًا حوله،وذلك لتصحيح المسار الثقافي.
- موقف النقّاد العرب من النقد الثقافي:
في الوقت الذي أعلن الغذّامي فيه "موت النقد الأدبي" وتبنىّ النقد الثقافي، وباركه في ذلك "عبد الملك مرتاض" نجدُ الساحة النقدية تنشطر إلى شطرين، شطرٍ أخذ يألف هذا النقد ويربط بينه وبين الأدب والثقافة العربية، وشطرٍ آخر يمُجّه ويحذّر منه ويرى أنه لا جدوى من ورائه.
ولو أخذنا الدكتور"محمد عبد المطلب" كمثال على الشطر الأول الذي أخذ يبحث عن أصول هذا النقد الثقافي في الثقافة والنقد العربيّ، نلفاه يتحرك خلف ربط الثقافة بالنقد، وفك لغز المركب الإضافيّ الوافد (النقد الثقافي) بقوله: "والنقد الأدبيّ عندما يتماسّ مع الثقافة يستعيد ثوابتها، ويربطها بكمّ الوقائع النصّية بوصفها رموزًا، كما يستعيد الذوات الثقافية بوصفها أفكارا مُجرّدة" ونراه يُحّدد أركان هذا النقد الثقافي ومجاله، من خلال "النصّ بوصفه نسقًا من الرموز والأفكار، بدءًا من مادة النص المحسوسة، وصولا إلى طبيعته التكوينية، ثم أثره التنفيذي، دون فصل بين هذه الثلاثية" وفي محاولة للتقريب بين النقد الثقافي بوصفه وافدًا حداثيًا، وبين الوعي العربي، يشير "محمد عبد المطلب" إلى مقولة ابن سلام الجمحي التي يجعل الشعر فيها صناعة وثقافة، وهذه الثقافة نجدها موزّعة على الجوارح، فمنها ما تثقفه الأذن، ومنها ما تثقفه اليد، ومنها ما يثقفه اللسان ، وبذلك يتوصل إلى أن الشعر معطى ثقافيّ، بل هو بالنسبة للعرب وثقافتهم أعظم هذه المعطيات على الإطلاق. ثم ينهي حديثه بعد ذلك بالحديث عن خصائص النقد الثقافي عند "ليتش"، وبذلك يكون ممّن تحمسوا لهذا الوافد الجديد، ويظهر ذلك في الربط بنيه وبين معطيات الثقافة العربية ومتطلبات الأدب.
أمّا مثال الشطر الثاني من الذين مجّوا النقد الثقافي وحذروا منه، فنلفى "عبد العزيز حمودة" حين حّذر من النقد الثقافيّ "بوصفه مشروعًا نقديًا جديدًا ... يمثل افتنانًا جديدًا بمشروع نقدي عربي تخطته الأحداث داخل الثقافة أو الثقافات التي أنتجته." ولا شك أن رأي الدكتور "عبد العزيز حمودة" ينتج عن إشكالية يعاني منها كلّ مثقف عربيّ، تتمثل في الاتباعية للقديم، والخوف من الجديد الغربيّ؛ لأمور نفسيّة مترسّبة تقف خلفها الهيمنة الغربية من ناحية، واعتبار الخوض في هذا الوافد من المجهول الذي يحتاج إلى جرأة لا تتناسب وشخصية العربيّ المستكينة من ناحية أخرى.
ومن الذين رأوا عدم جدوى "النقد الثقافيّ" الدكتور حاتم الصكر، وقد انصبّ كلامه على تجربة "الغذامي" مع النقد الثقافي، وذلك حين رأى أن محاولاته في النقد الثقافي حوّلت القراءة الثقافية إلى محاكمات أخلاقية بالمعنى الفلسفي، وتراجعت بالنقد إلى النبش في السير والاستدلال بالنصوص على ضِعة المتنبي ونرجسية أدونيس ... مما يعيد النقد للعمل داخل الحياة الخاصة والتاريخ والوقائع المشكوك بصحتها ويمكن أن نجعل الغذّامي يُبرر مدى صحة ما ذهب إليه "الصكر"، وذلك حين نستحضر قوله في مسألة الاحتكام إلى التاريخ والأخبار والوقائع في النقد الثقافي، يقول: "ولكل شاعر قديم نصّان أحدهما أشعاره المرويّة، والآخر قصص مبثوثة في الكتب" ويرى أن هذه القصص لم تُعط حقها من الاهتمام، وهي وإن كانت في معظمها غير صحيحة إلا أنها لسان حال الثقافة وهي تتكلم عن الهامشي والمغفول عنه. وبذلك يجعل الغذامي القصص الملفقة نسقًا ثقافيًّا مهمًا حتى وهو ملفق، فله دور كبير في تصحيح الأنساق الحضارية. وبذلك يجعل الغذامي القصص الملفقة نسقًا ثقافيًّا مهمًا حتى وهو ملفق، فله دور كبير في تصحيح الأنساق الحضارية.

إضافة تعليق