هكذا انتصرت على شبح كورونا الوغد!

يخيل إليّ أن أكثر الناس استثمارًا للعزلة الاضطرارية، هم الذين يتعاملون مع الوقت بتبجيل واحترام، فلا يسمحون للأيام أن تفر من بين أيديهم دون فائدة، ولا يبددون الساعات الطويلة داخل جدران منازلهم في إعلان الضجر ولعن التذمر.
أجل... نجح فيروس كورونا الوغد، بكل أسف، في فرض أجندته القاتلة على الأسرة البشرية كلها، ودفع بخبثه البغيض كل دولة إلى أن تغلق أبوابها على نفسها اتقاءً لشروره المتعددة، فتوقفت عجلة الإنتاج العالمي عن الدوران، وأصيب الكوكب باضطرابات اقتصادية مزلزلة. كما اعترى أهل الكوكب الآلام النفسية المروعة بسبب الحجر والبقاء في البيوت، ومع ذلك يصح القول إن الكاتب الذكي الجاد صاحب المشروع الإبداعي قادر على تجاوز محنة العزلة الاضطرارية هذه بانغماسه في عمل جديد، أو استكمال ما شرع في كتابته قبل أن يلوح في الأفق كورونا المجرم فيعيث في الهواء فسادًا.
اللافت للانتباه أن هذه العزلة المزعجة التي فرضها عدو شرس غير مرئي قادرة على تفجير طاقات التفكير الخلاق بصورة غير مسبوقة لمن حظي بنعمة التأمل، أو من يرغب في اكتشاف ذاته وعالمه المحيط مرة أخرى على ضوء الحرب المشتعلة بين الإنسان الحائر والفيروس المراوغ.
بالنسبة لي منحتني العزلة الإجبارية فرصة ذهبية لمراجعة الأفكار الجوهرية في الحياة التي كنت أطمئن إليها، أفكار حول االموت وجدوى الحياة والعدالة الاجتماعية، أو معنى الحرية وكيفية الوصول إلى اكتسابها دون إيذاء الآخرين، أو مستقبل البشرية وحدود الإخوة الإنسانية إلى آخره. أقول: مضيت أختبر هذه الأفكار ومدى صحتها في ضوء الواقع المأساوي الجديد الذي دشّنه عصر كورونا الحقير، وقد توصلت إلى نتيجة أظنها ضرورية ظلت غائبة نسبيًا عن عيون العالم بسبب الصراع المندلع منذ الأزل بين الإنسان وأخيه الإنسان. هذه النتيجة تتمثل في أن الصحة كنز ثمين ينبغي الحفاظ عليه بكل السبل والاستثمار فيه قبل أي شيء آخر، وأن الدول يجب أن تخصص نفقات أكثر على البحث العلمي والأبحاث الطبية والمستشفيات والمعامل، وأن الإنسان أكثر هشاشة مما نتخيل، لذا عليه التواضع قليلا، فيتخفف من حمولة الطمع التي تثقل روحه وتدمر وجدانه، ويبذل جهدًا روحيًا أكثر ليصالح أخاه الإنسان لينصرف عن الحروب والقتال.
أما أهم ما منحتني إياه العزلة فهو اليقين التام بأن الأمل هو الوجبة النفسية الصالحة للتناول كل صباح مع فنجان الشاي أو القهوة، وكلما تفاقمت الأزمة العالمية المدمرة غدا الاعتصام بالأمل في قدرة الإنسان على تجاوز محنة كورونا وغدره هو المنقذ من السقوط في مستنقع اليأس والشقاء. ولا ريب عندي في أن قدرة الإنسان لا نهائية على عبور الأزمات الطارئة إذا أخلص لعمله وتمتع بالمثابرة والدأب وعشق الحياة، وهكذا تنجح البشرية بالعلم والإصرار على ابتكار علاج أو لقاح يوقف تسلل هذا الفيروس الوقح من قارة إلى أخرى ومن إنسان إلى إنسان.
كما أهدتني العزلة وقتا أطول للتواصل مع الأصدقاء المصريين والعرب لمناقشة أحوال الكوكب المنكوب بفيروس خبيث يفتك بمئات الآلاف بلا رحمة. ولم يكن من الصعب علينا أن نتوصل إلى قناعة بأنه من الواجب على حكومات العالم أن تتكاتف وتعمل على المزيد من التعاون والتنسيق لمصلحة الكوكب وسكانه، وأن الإنفاق على الحروب وتصنيع الأسلحة الفتاكة خصم الكثير من رصيد الاهتمام بتطوير المنظومات الصحية لكل دول العالم تقريبًا، لذا أتمنى أن يعي الإنسان البشري الدرس الثمين، ويتكاتف مع أخيه الإنسان في أي مكان لمواجهة كورونا الماكر وما تفرزه الطبيعة مستقبلا من فيروسات وميكروبات جديدة قاتلة، أي لا مفر من التعاون، فكلنا في الهم شرق... وغرب!
في صحراء العزلة المترامية الأطراف، ومع الانهماك في متابعة أحدث الأخبار المتلاحقة مرفوقا بالأسى على مئات الآلاف الذين يصرعهم كورونا المتوحش، أعثر فجأة على فكرة روائية جديدة استلهمتها من العطب الكبير الذي أحدثه كورونا الملعون في أركان الكوكب، وأراني مشدودًا بكل طاقتي لإنجاز رواية تنهض على استثمار التغييرات الجوهرية التي أحدثها كورونا المشاغب في الجهاز النفسي للإنسان، بعد أن نجح في سجنه داخل أربعة جدران محرومًا من رؤية أحبائه وممنوعًا من ممارسة أعماله المعتادة وهواياته المحببة. وبالفعل أعكف على الكتابة مبكرًا كل صباح مثلما أفعل منذ أعوام طويلة، فأبتكر وأصوغ نحو 500 كلمة في روايتي الجديدة.
ومع استطالة الزمن وكرم الساعات في مناخ العزلة وجدتني أخصص وقتا أطول للقراءة مع متابعة أحدث الأخبار بانتظام، فكم الكتب الصامتة على أرفف مكتبتي التي تنتظر الاطلاع عليها كبير، وبالتالي أكاد أنهي كتابًا كل يوم أو يومين في مختلف المعارف، وحاليًا على وشك الانتهاء من كتاب (البعثات العلمية في عهد محمد علي) لمؤلفه الأمير عمر طوسون حفيد الوالي سعيد بن محمد علي.
للسينما أيضا نصيب مهم من عاداتي اليومية في زمن العزلة، لأن السينما مرآة عصر وزمن، لذا أحرص على مشاهدة الأفلام المصرية والأجنبية الكلاسيكية والحديثة المتميزة من خلال القنوات المتخصصة أو "يوتيوب"، كما استعدت علاقتي الحميمة بالرسم إلى حد ما، فمضيت أخصص ساعة أو اثنتين في اليوم لرسم بورتريهات متنوعة وتكوينات مختلفة بأقلام الجاف الأزرق والأسود والأحمر. ورغم ذئب العزلة الشرس، فطقوسي اليومية منذ ربع قرن تقريبًا كما هي لم تتغير، فأنا أصحو في الخامسة فجرًا للكتابة والقراءة، كذلك أطمئن في اليوم عدة مرات، عبر الواتساب، على ابنتي هديل وابني عمر اللذين يدرسان في كندا ومحاصران في أتون العزلة العالمية، أما الصغير باسم فيعيش معنا هنا في الإمارات، كما أتواصل يوميًا مع شقيقي الأكبر المهندس فكري بالقاهرة الذي علمني ومازال الكثير، رعى الله أيامه ولياليه.
اللافت في الأمر أن العزلة أثارت داخلي ذكرياتي الجميلة مع المسرح، إذ كانت لي تجربة مسرحية لا بأس بها في شبابي الأول، فقد قمت بالتمثيل على مسرح الجامعة وأنا طالب في كلية الفنون الجميلة بالزمالك مطلع ثمانينيات القرن الماضي، وبالمناسبة امتازت هذه الكلية بوجود فرقة مسرحية جادة اسمها (أتيليه المسرح) أنجبت نجومًا موهوبين مثل علي الحجار وماجد الكدواني وبيومي فؤاد، والاثنان الأخيران كانا ضمن زملائي في الفرقة، لكنهما يصغران عني بعدة سنوات، وقد حصدت هذه الفرقة الكثير من الجوائز المرموقة على مستوى الجمهورية في مسابقات المسرح الجامعي، كما أنني أسست فرقة مسرحية عام 1990 وأطلقت عليها اسم (فرقة تمرد) أخرجت لها أربع مسرحيات. لذا وهبني المسرح فوائد جمة قبل أن أتوقف تمامًا عن ممارسته عام 1993، واكتفيت بالمتابعة والمشاهدة. وأزعم أنني من المحظوظين لأنني شاهدت مجد المسرح المصري في الستينيات ومطلع السبعينيات عندما كان التليفزيون المصري يعرض كل خميس مسرحية من ذلك الزمن البعيد، وهكذا قررت أن أستفيد من الكنز الجميل، وأعني "يوتيوب" وأراوغ العزلة المفروضة بمشاهدة عرض مسرحي مساء كل يوم من تلك العروض الفاتنة التي أمتعتني قديمًا، وهكذا أعدت مشاهدة أعمال رائدة شارك فيها نجوم المسرح القومي المصري مثل (شمس النهار)، و(عيلة الدوغري)، و(الناس اللي تحت)، و(سكة السلامة)، و(زهرة الصبار)، و(السلطان الحائر)، و(حدث في أكتوبر)، و(ليلى والمجنون)، و(مسافر ليل)، وتابعت عروض مسرح رمسيس ليوسف وهبي مثل (بيومي أفندي)، و(راسبوتين)، و(انتقام المهراجا)، و(كرسي الاعتراف)، ومسرح الريحاني (إلا خمسة)، و(لو كنت حليوة)، و(30 يوم في السجن)، و(ياما كان في نفسي)، ومسرح فؤاد المهندس مثل (السكرتير الفني)، و(أنا وهو وهي)، و(أنا فين وأنت فين)، و(حالة حب)، و(أنا وهي وسموه) و(سيدتي الجميلة) وغيرها.
باختصار... العزلة الاضطرارية تجربة جديدة غريبة خانقة مقيتة مضجرة، لكن محظوظ من وهبته المقادير نعمة الإبداع، ممارسة وإنتاجًا واستقبالا، لأن الإبداع هو الوحيد القادر على حمايتنا من شرور العزلة الآثمة، مثلما العلم هو القادر على حمايتنا من كورونا المجرم وأمثاله.

إضافة تعليق