هل التراث جغرافية خيالية؟

يحرص المؤرخون والباحثون في تضاريس الماضي على تنقية «الوقائع» وتصفيتها من شوائب «الأهواء» حتى يتمكنوا، كما يقولون عادة، من إعادة كتابة التاريخ أو بناء روايته على أساس ما حدث فعلا، لا على أساس ما تصوره أناس الماضي وما نقله عنهم أناس الحاضر بلا تمحيص

ولكن الملحوظ أن هذه التنقية والتصفية تستبعد شيئاً جوهرياً من مسارات التاريخ الموروث، أي ما فعله الناس بهذه الوقائع حقاً، وما عاشوه ومارسوه وفق فهمهم لها، وهو ما جعل «تاريخهم» ممكناً.

الشخصية التاريخية على سبيل المثال، ولتكن سيرة بطل من أبطال الملاحم الشعبية، عنترة أو الظاهر بيبرس، لا تظل في وعي المجتمعات مجرد سلسلة من الوقائع الممكن البرهنة على حدوثها، أو مجرد سيرة تروى من دون أن تتدخل في سلوك الناس وفي ما حدث لهم في ظل تصوراتهم لهذه السيرة قبل وبعد، بل تكتسب هذه الشخصية ماهية أخرى، وتتحول إلى أسطورة في الوعي والسلوك على حد سواء. وتنشأ في هذا المدى الخيالي جغرافية أخرى للتراث هي ما ندعوها «الجغرافية الخيالية» التي انتجت التاريخ كما نعرفه بالفعل.

من دون وعي هذه الجغرافية الخيالية، سيبدو سياق التاريخ مصطنعاً وغامضاً، وغير مفهوم أحياناً، وسيقل فهمنا لهذه المجتمعات. لأننا في سعينا إلى معرفة ما حدث حقاً، ننسى أن ما حدث حقاً لم يكن في جانب كبير منه خاضعاً لقوانين على غرار قوانين الفيزياء التقليدية، بل خضع لتحولات أخرجت الشخصيات والناس في سلوكهم وأفعالهم من الحقل الزمني إلى الحقل اللازمني، ومن الجغرافية الطبيعية إلى الجغرافية الخيالية.

وتخضع طبيعة هذه التحولات إلى مستوى المجتمع المعني ثقافياً، أي حضارياً بالمعنى المعاصر. ولهذا السبب نجد أن دراسة الأحداث التاريخية الواقعية بمعزل عن الخيالي منها، لا تفيد كثيراً في فهم وضعية المجتمعات، في الماضي والحاضر على حد سواء. فهي لا تعيش في الماضي ، ولا حتى في الحاضر، على صعيد الواقعة وحدها، أو بدفع منها، بل تعيش وفق ما تدخله من تحولات على الشخصيات والأحداث. إنها تحول الشخصية الكبيرة إلى فولكلور، إلى أسطورة، وتنظر إلى نفسها في هذا الضوء، وتعيش حياتها وفق ما ينتجه هذا من تصورات ومناهج أفكار.

يقودنا هذا إلى القول أن العناصر الخيالية قد تكون مفتاح فهم بنية هذه المجتمعات؛ ثقافتها واقتصادها السياسي وآدابها وأنماط معمارها وطرائق حياتها وفنونها. أو بعبارة أدق؛ إن دراسة التاريخ كما هو في المخيلة الشعبية (التاريخ الخيالي) تفيد أكثر في معرفة الناس والأمكنة والأحداث، وتفسير ما حدث وكيف حدث.

نستطيع، إذا جردنا التاريخ من الخيالي والأسطوري، أن نكتب سلسلة متكاملة من الأسباب والنتائج المتلاحمة منطقياً، ولكن ما يبقى بين أيدينا عندئذ ليس الماضي المعروف كما عاشه الناس فعلا، بل كما نريدهم أن يعيشوه. الشخصية الشعبية نموذج لهذا النوع من التاريخ الحقيقي، لا الواقعي، فهي جملة عناصر أدخلها الناس ومازجوا بينها وحولوها إلى خرافة، وأنتجوا تاريخهم بشروط هذا التحول وفي ضوئه.

إن فهم التراث بوصفه جغرافية خيالية لا يقلل من قيمته وفاعليته، بل يساعدنا هذا الفهم على إدراك متضمناته ووقائعه، وفهم منجزاته التي تملأ كتب التاريخ، ويقربنا من وعي عصورنا الماضية.

والمتأمل حالياً في جاذبية ما تدعى نقدياً «الواقعية السحرية» في آداب أمريكا اللاتينية، سيدرك بالطبع كيف يمازج كتابها بين الجغرافيتين، الخيالية والواقعية. إلا أن أساس هذه الممازجة قد يغيب عنه إن لم يدرك أيضاً ان السبب ليس رغبة بالخيالي والمثير، بقدر ما أنه طريقة ممكنة لفهم المعنى. معنى حياة هذه المجتمعات التي تعيش حقيقتها على كلا الصعيدين؛ الواقعي والمتخيل. وليس مجدياً أمام هكذا مخزون هائل من الخرافات والأساطير التساؤل عما إذا كان هذا هو ما حدث فعلا، بل المجدي هو التسليم بحقيقة أن فرادة تجربة هذه المجتمعات التاريخية نابعة من تدخل مخيلتها الخصبة في صياغة سلوكها وأفعالها وشخصياتها وردود أفعالها، وأن هذه الصياغة هي التي تقودنا إلى فهم هذه المجتمعات وفهم موروثاتها.

لكل عصر أوهامه، هذا صحيح، ولكن من دون هذه الأوهام لن يكون العصر ممكناً، ولن تتدافع الجماعات البشرية، ولن يظهر الأبطال. أو ببساطة أكثر، لن يكون هناك تاريخ للكائن. الموجودات الوحيدة التي لا تمتلك أوهاماً حول ذواتها، هي الأشجار والحجارة والتراب. هذه يمكن التعرف على تاريخها بوسائل تقانة تتطور يوما بعد يوم، أما تاريخ الكائن الإنساني فيظل عصياً على وسائل التقانة التي تتعامل مع الواقعة بوصفها واقعة مادية لا أقل ولا أكثر.

لهذا السبب، ربما، يبدو فاحص الموروث الإنساني شبيهاً بفاحص الجسيمات النووية المعاصر. ذلك الحائر أمام جسيمات أو دقائق تبدو على شكل أمواج أحياناً، وهي ذاتها تبدو على شكل أجسام مادية في أحيان أخرى. إنها دقائق ذات هوية مزدوجة لا يمكن التنبؤ بسرعتها وموقعها في وقت واحد معاً. فإذا عرف الفاحص سرعتها فقد موقعها، والعكس صحيح. ومن هنا خرجت المقولة الشهيرة بأن سلوك الجسيمات النووية يعتمد على سلوك ومقاصد وأدوات الفاحص. أي أنه حتى «موضوعية» الظواهر الطبيعية المفترضة طيلة أكثر من ثلاثة قرون مضت، لم تعد موضوعية بالمعنى التقليدي. كل تجربة فحص للظاهرة ذاتها تحمل نتائج مختلفة باختلاف الفاحص ومقاصده وأدواته.

هذا هو في الحقيقة موقف فاحص الموروث، سواء كان حدثا تاريخياً أو سلسلة أحداث أو منتجات. إنه يجد بين يديه «جسيمات» تتنقل بحرية بين حالة «المادة» و«الموجة»، أي بين حالة «الواقعي» و«الخيالي»، من دون أن يتمكن من القبض على حالة أصلية واحدة مفترضة، تسمح له بصياغة قانون الظاهرة. لأن ما بين يديه فعلا ليس الوقائع فقط، بل ما صنعه الناس منها وما صنعوه بها، وغذوا به تاريخهم وحققوه. أي البعد الخيالي، أو السحري، الرابع في عالم اعتدنا أن يكون بثلاثة أبعاد، وقد يختصره بعض الناس ببعد وحيد لا يتجاوزه.

الأبعاد الثلاثة، أو البعد الواحد، تجريدات وتقريبات، منبعها الإفتراض المسبق أن للتاريخ قوانين سارية وحتمية، وأنها تسري على كل المجتمعات البشرية، القديم منها والحديث. الأمر ليس كذلك، لأن التاريخ لا يكرر نفسه مادام من صنع البشر، حتى وإن ظهر أمام النظرة السطحية أنه يفعلها. ومنشأ أن التاريخ لا يكرر نفسه هو ما أشرنا إليه؛ إنه ذو مستوى خيالي فاعل، أو هو إمكان بالقوة، بلغة الفلسفة، لا يقل أثره علينا وعلى العالم من حولنا عن أثر الإمكان بالفعل. أي أنه كما وقعت الواقعات، هذا صحيح، ولكنه أيضاً كما صنعه وعاشه وتخيله أناس الماضي وكما يصنعه ويعيشه ويتخيله أناس الحاضر. إنه التردد بين هويتين، هوية الموجة وهوية الجسيم، ولكي نصفه علينا أن نأخذ كلتا هاتين الحقيقتين بنظر الإعتبار؛ أن نقول أنه موجة وجسيم أيضاً، رغم ما يحمله هذا التعبير من تناقض. أن نقول أن تاريخنا واقع وخيال معاً، رغم ما يحمله هذا التعبير من خيبة للعقول التقليدية.

(كاتب فلسطيني)

جريدة السفير

جريدة ا

إضافة تعليق

3 + 4 =
Solve this simple math problem and enter the result. E.g. for 1+3, enter 4.