هل ستتغير الصورة؟

ليس لدينا ما نقدمه للضيوف، مائدتنا خاوية، عدا بعض حواضر البيت. انتهى عام ثقافي بعكازين. فنحن نفتقد إلى استراتيجية ثقافية تتطلع إلى الأمام، نشبه بائعي البسطة في زمن المول
بإداريين بيرقراطيين يديرون دفة الثقافة بما يتلاءم مع مخيلاتهم المعطلّة ومصالحهم الضيّقة، في إعادة تدوير مستمرة للطبق الخاوي نفسه. كأن العالم من حولنا لا يتغيّر. نرفع الرايات عالياً لدراما تلفزيونية مهمتها الأساسية تسلية ربات المنازل، ونهمل ما عداها. السينما تحتضر.. المسرح يحتضر.. الكتاب يحتضر، ومكتبات وصالات تُغلق أبوابها. الآن أحاول أن أتذكّر حدثاً أدبياً بارزاً شهدته البلاد فلا أعثر عليه. لا جوائز ولا مؤتمرات أدبية لافتة. كأن الثقافة باتت وجبة فنية وحسب: نغني ونرقص، لكننا لا نقرأ. لعل تعويض حالة الكساد الثقافي نجده في النشاطات الأهلية عبر مهرجانات وندوات ومشاريع تستقطب جمهوراً نوعياً. المعادلة كالآتي: مهرجان رسمي بميزانية ضخمة ومحصول ضئيل، وفي المقابل مهرجان أهلي بميزانية ضئيلة وحصاد وفير. المسألة إذاً تتعلّق بالرؤى المبتكرة للثقافة والانفتاح على تجارب شابة وخلاقة، ذلك أن قوائم المدعوين في المؤسسات الرسمية هي نفسها منذ ستينيات القرن الماضي، لم يطرأ عليها أي تغيير، حتى إننا نشك بأن بعض الدعوات تذهب إلى الموتى!
يتفق الجميع على أن الثقافة اليوم هي الجدار الاستنادي الأخير للهوية العربية، لكن هذا الجدار مهمش ورخو ومهمل، رغم وجود ميزانيات للصيانة. المسؤول الثقافي اليوم ينحصر مشروعه في تغيير أثاث المكتب أكثر من اهتمامه بتغيير أثاث العقول. يتحدث عن مزايا سيارته الحديثة أكثر مما يتحدث عن برامجه لتطوير مؤسسته.هكذا عمّ التلوث مفاصل الحياة الثقافية، وبتنا في حاجة إلى أوكسجين آخر يعيد الحياة إلى ثقافة أصيلة وتنويرية، هي من صلب التفكير السوري تاريخياً.
ما يحزن حقاً أن تسحب مدن الأطراف بساط الثقافة إليها، فيما نحن نغفو فوق أمجادِ قديمة.
ليس ما اكتبه هنا مجرد سخط عابر، بل دعوة جادة لكي تنفتح المؤسسات الثقافية على ثراء مخيلة المثقف السوري، وإشراك هذا المثقف في تعزيز المشروع الثقافي الوطني ليواكب صورة سورية الجديدة.
انتهى عام، وسيبدأ عام آخر، فهل ستتغير الصورة؟

إضافة تعليق