هل نعلن موت الثقافة؟؟

عندما أعلن ولادة الرواية، قيل بأن الشعر قد مات، وعندما أعلن ولادة القصة القصيرة، قيل الرواية ماتت، وعندما أعلن نشوء المسرح نُعي ما قبله، وهكذا دواليك إلى أن وصلنا إلى الانفتاح الاتصالاتي
إذا صح التوصيف، هذا الانفتاح يحتمل التأويل في اتجاهين مختلفين الأول نعلن معه ولادة الحوار الثقافي بين الأمم والشعوب. والثاني يدمر التراكم الثقافي بكبسة زر. وبينهما يتضح أن المشكلة موجودة فينا نحن كشعوب عربية اعتادت على الكسل الفكري والبحثي وبتنا نلهث خلف كل ما هو سطحي وكل ما يغذي الغرائز المكبوتة لغرض في نفس من وضعنا سابقاً في قمقم الكبت بجميع أشكاله بما فيه الجنس، ولغرض في نفس المصدر ذاته يسعى اليوم لفتح القمقم ودعوتنا للانفلات من جميع المعايير الإنسانية والأخلاقية والقانونية، هو الاستعمار قديمه وجديده بأقنعته المختلفة وأدواته البشرية الموجودة بيننا في كل مكان ونشهدها اليوم على رأس بعض مؤسساتنا الحكومية التي تغذي الاختراق الثقافي تماماً كما يتغذى السوس على الخشب المهمل. هي مقاربة لا أكثر ولا أقل لمشكلة كثر الحديث عنها والسؤال اليوم هل ننعى الثقافة مع ثورة الاتصالات التي سيطرت على صغارنا قبل كبارنا؟
قبل الإجابة عن السؤال لا بد من توصيف لحال الثقافة ومكوناتها. فالشعر ثقافة والرواية والقصة الصغيرة ثقافة، والمسرح والسينما والموسيقا والفن التشكيلي ثقافة ووسائل الاتصال على اختلاف أنواعها، تلفاز شابكة.. ، مجملها يسير بنا إلى تشكيل ثقافي من المفترض أن يتم تراكمه وفق متوالية ثقافية معينة تغربل الطالح منها وتبقي على الصالح للحياة المستمرة عبر الأجيال المتتالية وهو ما يؤدي بالتالي إلى استمرار الحضارة ورفدها بدل التغني بالقديم لدرجة الشرخ والتلاشي فيما بعد.
والضعف الثقافي لا يعني بالضرورة ضعف الأدب على حدة، أو ضعف الموسيقا على حدة، بل الضعف والتهديد الذي تتعرض له الثقافة العربية هو ضعف في انتقائية ما نختاره من مجمل التشكيل الثقافي، فالتشجيع على القراءة مثلاً لا يعني الرفع من شأن الثقافة، إنما يجب التبصر في آلية انتقاء ما ينفع للقراءة بمعنى ما يفيد التراكم المعرفي لدى كل فرد يحفزه على الإبداع والإنجاز، أما القراءة السلبية فهي لا تقدم ولا تؤخر فقراءة كتب الجنس مثلاً ماذا تفيد؟! وقراءة كتب العنف ماذا تفيد؟ وكتب العاطفة المجانية هل تفيد؟
وتأتي الأسئلة: من يقرر ما الصالح من الطالح بل من يرشد الفرد إلى انتقاء الكتب المفيدة؟ ومن يحل حيرة الفرد في تمييز الجودة، في الشكل والمضمون، بين مطبوعات الحكومة ومطبوعات رأس المال الثقافي؟ أسئلة بحاجة إلى إجابات من المعنيين بهندسة ثقافة القراءة.
وما ينطبق على القراءة ينطبق على جميع مكونات الفعل الثقافي العربي.
كل ما سبق يمكن إدراجه في خانة لو كانت المشكلة الثقافية لا تتعرض اليوم لاختراق يمزق أوصالها التي ما زالت على قيد الحياة، أما تعاظم المشكلة فيكمن في حدوث الاختراق الخارجي عن سابق إصرار وتصميم، أما الاختراق الداخلي فلا ندري في أي خانة يمكن وضعه هل في خانة التخوين أم في خانة الغباء أم في الاثنين معاً على اعتبار أن الشر الثقافي واحد تطبيقا للمثل الشعبي القائل «إذا كنت لا تدري فتلك مصيبة وإن كنت تدري فالمصيبة أعظم»؟.
أما حماية الثقافة العربية من الاختراق الثقافي فيجب أن يسير بالتوازي مع تحصين نوعية الثقافة العربية وتشجيع الإبداع بما يضمن استمرارها ورفدها بالجديد.
إن ما تتعرض له الثقافة العربية اليوم من تشويش وغوغائية، والإسراع في نعيها مع موت كل أديب أو عالم أو موسيقي....، له دلالات خطرة النتائج، فالتشويش أمر واقع تحاول فرضه قوى غايتها طمس الهوية العربية عبر الثقافة، أما أن نسارع إلى نعي الثقافة مع وفاة قامات علمية وأدبية فهذا الخطر بعينه لأن هذه القامات لا تموت إلا فسيولوجياً على حين آثارها تبقى مادام دورها الثقافي يتطلب الوجود المعنوي، هذا من جهة، أما من جهة أخرى فالأمة التي أنجبت العمالقة قادرة على إنجاب المزيد منهم ومن نعتبرهم اليوم عمالقة كانوا في يوم من الأيام شخصيات مغمورة أو غير معروفة وكم في مجتمعاتنا العربية من عمالقة خارج التغطية الإعلامية.
بالنتيجة الثقافة وجود وهوية، وإذا ما أعلن موتها لا سمح اللـه فهذا يعني نهاية الوجود، فهل نحمي ونحصن وجودنا؟
منقول من جريدة الوطن
http://www.alwatan.sy/dindex.php?idn=77663

إضافة تعليق