هل يجب القراءة ضمن منهجية؟ وما هي المنهجية التي تقترحها؟

هذا السؤال يقع تحت عنوان عريض يتحدث عنه الجميع هو "منهجية القراءة"، ويتعاطى الناس مع هذا العنوان بطرق مختلفة، وفي ضوء التنوع الهائل في المعارف البشرية أفقيا، والتفاصيل الكثيرة والتخصصية الدقيقة التي صارت تطبع كل مجال معرفيّ عموديا، فلا شكّ أن القراءة دون نظام أو رؤية ستقلّل كثيرا من النفع المتوقع منها، هذا إن لم تؤدّ إلى تشوّش واضطراب ..

بالتالي، أقترح تقسيم القراءة إلى ثلاثة مستويات، ولكل مستوى منهجية تميّزه:

أولا: المجال الذي تريد أن تنتج فيه معرفة .. هذا المجال قد يكون مجالا معرفيا محدّدا، مثل الاجتماع أو علم النفس او الفلسفة أو القانون أو الفيزياء أو البيولوجيا أوغيرها، أو قد يكون سؤالا معرفيّا تريد أن تنتج معرفة بخصوصه، مثل تطوّر مفهوم الدولة في المخيال السياسي العربي في القرن العشرين، أو أثر التحديث في الدولة الفلانية على بنية اجتماعية ما، أو العلاقات الإسرائيلية الإفريقية، أو أثر علم الكلام في الفقه، أو استفادة الفكر العربي الحديث من المنطق الرمزي، أو ما تشاء مما لا حصر له .. هذا المستوى لا ينفع فيه إلا المنهجية المنضبطة، والقراءة الاستقصائية المتعمقة، وقراءة ما لا يثير اهتمام كثيرين لأنه متخصص وصعب وممل أحيانا، ومقياس الإنجاز في هذا المستوى هو اعتراف المتخصصين في المجال بأنك قدمت فيه شيئا جديدا ومهما، لا إعجاب الأصدقاء ولا لايكات الفيسبوك.

ثانيا: الاطلاع العام على مجالات معرفية متنوعة، خصوصا القريبة من المجال الأول، بما يُغني إسهامَ المرء في مجاله، ويساعده على تجاوز أطره التقنية، وتوسيع آفاق تفكيره، مثل القراءة في الفلسفة عموما، وقراءة مقدمات في بعض العلوم والكتب المشهورة العابرة للتخصصات والتي تقوي الملكة النقدية وتساعد المرء على التنبّه للنقاط العمياء التي يفشل المتخصص الضيق في اكتشافها في تخصصه، مثل الاطلاع على الفلسفة السياسية لمتخصص علم الاجتماع، والاطلاع على أساسيات البيولوجيا لمتخصص علم النفس، وهكذا، فلكل علم شبكة من العلوم التي تتداخل معه بقدر ما ويشكل الاطلاع عليها رافدا أساسيا لتطوير الأدوات .. هذا المستوى يُستبعَد أن ينتج فيه المرء معرفة، ولا داعي لإرهاق النفس في تفصيلاته، ولا الرغبة في حسم قضاياه، وآراء المرء فيه تظل غالبا انطباعية ومحدودة ..

ثالثا: القضايا التي تمسّ الإنسان بشكل مباشر ولا يجوز أن تُترَك ل "متخصصين" أو "فنيين" ولا بدّ من تشكيل موقف بخصوصها لأنها مرتبطة بدور الإنسان تجاه نفسه ودينه وشعبه وأمته، مثل الموقف من قضايا نظام الحكم والقضايا السياسية مثل الثورات والعلاقة بالمشاريع المحيطة مثل الإيراني والتركي والإسرائيلي، والوعي بقضايا العدالة الاجتماعية والفساد والاقتصاد المحلي وحقوق الإنسان وغيرها .. هذه قضايا لا يمكن أن تؤجَّل، ويجب على المرء أن يستمع لذوي الخبرة فيها لكن بغرض تشكيل موقفه الخاص لأنها جزء أساسي من مسؤولية الإنسان الأخلاقية الفردية ولا يمكن أن تُترَك لمختصين ولا أكاديميين ولا مشايخ .. وواجب الإنسان تطوير معرفته بها باستمراروالتأكد من الاتصال المستمرّ بها واتخاذ موقف بشأنها حسب ما تُمليه على الإنسان تقواه ومعرفته ويقظته الأخلاقية.

أخيرا، جميع المنهجيات التي تُعطي إيهاما بإمكان الموسوعية، أو إيهاما بإمكان الإنتاج الحقيقي في أكثر من علمين، أو تتعامل مع العلوم كمعارف ناجزة وكلّ ما عليك هو "التحصيل"، أو تتعامل مع المعرفة الحديثة ك "باكيج" في مقابل العلوم الشرعية، أوتشترط التمكن من العلوم الشرعية قبل التعاطي مع المعرفة الحديثة، هي منهجيات فاشلة ومصممة للاستهلاك الداخلي وترسيخ السلطة على الأتباع .

إضافة تعليق

3 + 0 =
Solve this simple math problem and enter the result. E.g. for 1+3, enter 4.