هنادا طه: فشلُنا في صناعة المعلّم معضلة العربية المزمنة ...دراسة شاملة تناولت مناهج تدريسها في بلدان عدة

كيف تعيش لغتنا العربية وكيف نعيشها ويعيشها التلامذة والطلاب/ات، وكيف يتعلمونها في مدارسهم اليوم؟ هذا ما وُضع للإجابة عنه وصفيا وتحليليا تقرير واسع عنوانه "مناهج (تدريس) اللغة العربية في العالم العربي - تجارب الحاضر وآفاق المستقبل". صدر التقرير في ما يزيد على 450 صفحة عن "مركز أبو ظبي للغة العربية في دائرة الثقافة والسياحة" العام 2022. وكان سبقه آخر عن "حال اللغة العربية اليوم"، وصدر أيضا سنة 2021 في عاصمة الإمارات العربية أبوظبي.

فرق بحثية وأكاديمية متخصصة، شارك فيها باحثون من بلدان عربية عدة، وإلى جانبهم آخرون عالميون، وضعوا تقرير "المناهج" الذي قد يكون فريدا في بابه. وهو دراسة وصفية وتحليلية لنماذج من مناهج تعليم اللغة العربية في كل من الإمارات والأردن وتونس والسعودية ومصر.

 

الدكتورة هنادا طه كانت بين المشرفين على هذه الدراسة البارزة. وهي تشغل كرسي الأستاذية في تعليم اللغة العربية في جامعة زايد بالإمارات. وتولّت سابقا منصب عميدة كلية البحرين لإعداد المعلمين بالإنابة. وعملت لسنوات في جامعة سان دييغو الحكومية في كاليفورنيا أستاذة للغة العربية ومديرة برامج اللغة العربية فيها. هذا إضافة إلى وضعها أبحاثا ودراسات متخصصة ومحكّمة في تعليم اللغة العربية ومناهجها.

الحلقة الخفيّة

  • يصف التقرير الذي وضعتموه عن مناهج تعليم اللغة العربية في المدارس، ويحلل وسائل مكتوبة: فكرة المناهج أو فلسفتها، كتب التدريس، وأدلة المعلمين. لماذا الكتب وليس الممارسة العملية؟

عندما بدأنا بتنفيذ مشروعنا البحثي لوضع تقرير عن المناهج الرسمية لتدريس اللغة العربية من المرحلة الابتدائية حتى الثانوية في عدد من الدول العربية، كان المقرر هو النظر في وسائل التدريس، أي المناهج المكتوبة والمقررة، لوصفها وتحليلها وتقييمها. وهنا لا بد أن أذكر ما ترى أنه ينقص أو يغيب عن المشروع والتقرير. ألا وهو ما أسميه المنهاج الخفي، غير الظاهر أو غير المعلن، الذي تسميه الممارسة العملية داخل الصفوف المدرسية

أضرب مثلا بصريا على ذلك: حين تدخل إلى الكثير من المدارس، فلن تبصر في أروقتها وعلى جدرانها أية كلمة مكتوبة بالعربية. هذا عمليا عنصر من عناصر المنهاج الخفي الذي ينطوي على نظرة سلبية، أو على حكم قيمة سلبي على اللغة العربية. وهذا يتمثّل في أن يُقال لك مثلا: العربية ليست لغة مهمة أو ثانوية. وقد يكون هذا الحكم حكم القيِّمين على عملية تدريسها.

لكن العنصر الأهم في المنهاج الخفي هو ما يحدث في الصفوف المدرسية بين التلامذة والمعلمين، أثناء عملية التعليم. هذه هي الحلقة الأساسية المفقودة. لكنها في الحقيقة والواقع ليست مفقودة. فهنالك أبحاث ودراسات كثيرة تناولتها وأسهبت فيها. وتقريرنا لم يتناولها لأنها لم تدخل في نطاق عملنا أصلا.

  • هل يمكن مستقبلا رصد هذه الحلقة الخفية أو المفقودة، مقاربتها ووصفها، طالما أنها أساسية أو مركزية في عملية التعليم؟ أي التعرُّف إلى عملية التعليم في واقعها العملي والإجرائي، ووضع دراسات وصفية وتحليلية عنها؟

بالتأكيد يمكن ذلك، ومن الضروري أن يحدث. وهذا يتطلب مشروعا آخر غير الذي أنجزناه، ويختلف عنه تماما. وقد تكون عملية إعداد المعلمين أو المدرّسين جزءا أو مدخلا لهذا المشروع. والحق أنني يمكن أن أحيلك على مقالات ودراسات علمية كثيرة منجزة حول هذا الموضوع. وهي في معظمها تتضمن تذمُّرا من عمليات إعداد المدرّسين وتدريبهم. ثم أن الإعداد وحده، الذي يجري لمرة واحدة، لا يكفي. فالتدريب الدوري ضروري للمعلمين، لتجديد خبراتهم وتفعيلها.

فالمعلمون غالبا ما يكونون ضحايا أنظمة إعداد تعليمية جامعية قاصرة أو جامدة ومتخلفة، لا تمكّنهم من القيام بالعملية التعليمية الحيوية داخل قاعات التدريس. فالمعلم في الصف ليس لديه منهاج محدد ومكتوب لعلاقته بالتلامذة. بل هناك فقط ما لدى المعلم من خزين ثقافي ولغوي وعلم ومعلومات، وخبرات في نقل هذه المواد بأسلوب حي، وشيق تفاعلي، إلى التلامذة، ويدعوهم إلى التفاعل ويحفِّزهم على التجاوب وحب اللغة التي يتعلمونها والاستمتاع بها. وهذه كلها تعتمد على قابلية المعلم وحبه وتقديره المعنوي لعمله.

بناء على خبرتي أستطيع القول إننا نفتقر إلى دراسات إجرائية عربية في هذا الموضوع، وإلى دراسات مقارنة بين بلدان عربية. وملاحظاتي تقول إن قضايا ومشكلات التعليم مشتركة ومتشابهة من هذه الزاوية، حتى بين الدول العربية الفقيرة والأخرى الغنية.

مشكلة إعداد المعلمين

  • هل يمكن، بناء على خبرتك وملاحظاتك، الحديث عن هذه المشتركات؟

هذا يحيلني فورا على الكلام على عملية إعداد المعلمين التي تعود برامجها إلى نحو 150 سنة ولا تزال على حالها بلا تجديد ولا تطوير، إلا في ما ندر. وهي برامج نظرية وغير تطبيقية في الغالب. فمدرّسو اللغة العربية، قبل انخراطهم في التدريس، غالبا ما يكونون من حملة إجازات جامعية في اللغة العربية وآدابها، وإما إجازات في التربية. ما درسوه في الجامعات من مناهج ومقررات لا يتعلق مباشرة بعملية التعليم وما تتطلبه من خبرات، وقد تكون قديمة وتقليدية.

يمكنني القول إن لدينا 3 أنواع من المعلمين:

•          معلم يتقن اللغة العربية الفصيحة، ولديه مؤهلات في آدابها وصرفها ونحوها وقواعدها، لكنه يفتقد الطرائق الحديثة في أساليب تعليم اللغة العربية.

•          معلم يمتلك الطرائق والأساليب الحديثة في التعليم، لكن لغته العربية ضعيفة وفقيرة، ولا يتكلمها إلا باللهجة المحكية.

•          معلم لم يطّلع على المناهج والطرائق الحديثة، ولا يمتلك العربية الفصيحة.

في عملية تعليم اللغة العربية لا يكفي أن يكون المعلم حائزا ولو بجدارة عالية إجازة جامعية في اللغة العربية وآدابها أو في التربية. فتعليم اللغة، خصوصا للأطفال وتلامذة المرحلة الابتدائية والمتوسطة أو الإعدادية، يتطلب إعدادا خاصا وتخصصا محددا ومستقلا. وذلك في كيفية تعليم القراءة وتعلُّمها للأطفال، وفي كيفية تدريس المنحى الصوتي للغة. فعلم القراءة تطوّر كثيرا اليوم. وهناك أدب الأطفال الواسع والمنتشر بكثافة، الذي يتطلب إدخاله في عملية تعليم الطفل. التعامل مع الأطفال والمراهقين في عملية التعليم يحتاج إلى اختصاصات تطبيقية متنوعة. وعموما لم نلاحظ علاقة جيّدة أو إيجابية بين التلامذة والمدرّسين.

هناك أيضا مسألة تدريب المعلمين الأساسية، وهي غائبة تماما في بعض البلدان العربية. وفي حال حضورها في بلدان أخرى، نجد أنها ضعيفة. الدول العربية التي تستثمر في مجال تدريب المعلمين، تحتاج إلى المزيد في المجال العملي والتطبيقي. فأن يتدرّب المعلم نظريا لا يكفي، فالجانب التطبيقي، أي التدريس التجريبي في المدارس، أساسي وضروري. لا يكفي مثلا أن يعرف المدرّس أنواع الذكاء المتعددة معرفة نظرية. المهم أن يعرف كيف يمكن استثمارها عمليا. القراءة وأنواعها وخبراتها تحتاج إلى معلم يطوّر مداركه وخبراته، وكذلك في مجال تعليم الكتابة. والمدرّس الجيد هو من يستطيع استخدام المعلوماتية في التدريس، ويجيد كيفية الحصول على المعلومة وتوصيلها وتوظيفها في سياق محدد أثناء عملية التعليم. وهو أيضا من يستطيع الدخول إلى قاعة التدريس وضبط التلامذة من دون أن يرفع صوته.

 

تنوع اللهجات لا يلغي قط أننا أبناء لسان أو لغة واحدة، أو حقيقة لغوية واحدة

 

 

  • تحضر في السياق مسألة اللغة الفصحى ولهجاتها في الكلام داخل قاعات التدريس. غالب الظن أن اللهجات المحكية هي السائدة في هذا المجال. لكن كيف يمكن التوفيق بين لغة البرامج المكتوبة بالفصحى، وبين عملية التواصل التي تحدث بالمحكيات في الصفوف؟

الحديث عن ازدواجية العربية ليس جديدا ولا معاصرا، بل هو حاضر منذ خمسينات القرن العشرين وستيناته. وقد تحدث عنها طه حسين وسعيد عقل على سبيل المثل. واليوم يثيرها العالم اللغوي المغربي عبد القادر الفاسي الفهري، الذي لديه مؤلفات في الموضوع.

وقد قمت مع مجموعة باحثين بمراجعة منهجية لمئات المقالات والدراسات في الموضوع عينه. وربما عليَّ أن أشير، بداية، إلى أن لغات كثيرة تشبه لغتنا العربية في ازدواجها بين الكتابي والمحكي، ولو بنسب ومقادير متباينة. حتى اللغة الإنكليزية، هناك نسختها الأميركية والأخرى البريطانية المختلفتان عن النيوزيلندية. أما اللغة العربية، بحكم أمدائها الجغرافية والديموغرافية الواسعة، فلديها ذاك التنوع الكبير في لهجاتها المحكية الثرية. وهنالك أيضا التراث العربي الكبير بتنوع مدارسه اللغوية، كالبصرية والكوفية، وقبلهما لهجات القبائل الكثيرة... إلخ.

لا أظن أن المشكلة القائمة بين اللغة العربية الفصيحة واللهجات العامية الكثيرة، ساخنة ومعوّقة، لا في عملية التعليم ولا في سواها. ويمكن في هذا المجال تعريف الناطق بالعربية بأنه ذاك الذي يتقن، إلى حدود معينة، لغته الفصيحة الأم، وإلى جانبها لهجة محكية معينة. وهذه الأخيرة لا تختلف من بلد عربي اللسان إلى آخر، بل من منطقة إلى أخرى في البلد الواحد. لكن هذا التنوع كله لا يلغي قط أننا أبناء لسان أو لغة واحدة، أو ما أسميه حقيقة لغوية واحدة.

أظن أن المشكلة ليست في هذه الإزدواجات، بل في مكان آخر: تعليم اللغة العربية السيئ. والأرجح ليس تعليم اللغة فحسب، بل تعليم العلوم والرياضيات. زد على ذلك المسألة التي تحدثنا عنها أعلاه: إعداد المعلمين وتدريبهم.

إضافة تعليق

2 + 13 =
Solve this simple math problem and enter the result. E.g. for 1+3, enter 4.