هيكل سليمان بين الحقيقة التاريخية والخيال الأدبي!

 القدس القديمة، مدينة السماء، التي تحرص جميع الطوائف التي تتبع الديانات السماوية الثالث على إيجاد أكثر من مقر لها فيها، يتمثل في الكنائس والأديرة للطوائف المسيحية وأبرزها كنيسة القيامة، وفي المساجد والتكايا والزوايا للطوائف المسلمة وأبرزها المسجد الأقصى، الذي سمي الأقصى أي البعيد، لبعده عن مكة، فيما سميت كنيسة القيامة باسمها لأنها أقيمت على المكان الذي قام منه يسوع المسيح من اللحد وصعد إلى السماء، استناداً إلى المعتقدات المسيحية.

 وظل اليهود دون مكان مقدس لهم بعد هدم كنيس الخراب في حرب 1948، فراحوا يتعبدون على ساحة أقاموها إلى جانب حائط البراق المجاور للمسجد الأقصى لاعتقادهم أن المسجد الأقصى قد بني على أنقاض هيكل سليمان المزعوم، وحفروا الأنفاق تحت المسجد في  محاولة للعثور على أثر ما للهيكل، دون جدوى. ”وفي العام 2001 قررت الحكومة الإسرائيلية  إعادة بناء الكنيس على مسافة 300م من الجدار الغريب للمسجد الأقصى بجوار المسجد العمري، ورصدت له ميزانية بقيمة 12 مليون دولار“( 1). ”وقد أطلق اسم الخراب على الكنيس لأنه أحرق وخرب في العام 1720 بعد عشرين عاماً من بنائه على أيدي يهود إشكناز، فأًصبح خربة. أعيد بناؤه وهدمه أكثر من مرة بعد ذلك “. (2)

  سنلقي الضوء في هذا البحث على قصة هيكل سليمان كما ورد في التوراة اليهودية ( العهد القديم) ، ومدى مقاربتها للعقل والمنطق، وسنتطرق إلى ما ذكره علماء التاريخ وعلماء الآثار عن مملكة إسرائيل المزعومة.

مملكة إسرائيل وحكم سليمان

 حسب التوراة أقيمت مملكة إسرائيل ما بني الأعوام 1050 و930 ق.م. وأن سليمان استلم الحكم من أبيه داود الذي أوصاه ببناء الهيكل، فقد انشغل داود بالحروب وخصوصاً مع ابنه أبشالوم الذي حاول الاستيلاء على الحكم من أبيه. وسليمان هو ابن داود من زوجة المحارب في جيشه أوريا الحثي ( بثشبع) التي رآها داود تستحم على سطح بيتها فاشتهاها، وأرسل من يحرضها له، لتكون سرية له، ثم زوجة، بعد أن أمر قائد جيشه بقتل زوجها في الحرب بوضعه  في مقدمة الجيش عند الهجوم ومن ثم التراجع عنه.(3)

 تقدم التوراة سليمان لنا من البداية كشخصية فوق أسطورية، حيث تتحدث عن طعام يكفي لجيش يحتاج له سليمان كل يوم؛ فمن يتصور، مثلا، إنساناً واقعياً يحتاج إلى التهام مائة خروف وثلاثين ثوراً في اليوم، عدا الملحقات من الأيائل والظباء واليحامير والإوز والسميد والخبز؟! لا بد أنه كان بحجم ألف رجل على الأقل ليحتاج إلى هذا الكم من الطعام! ”

وكان طعام سليمان لليوم الواحد: ثلاثين كر سميذ، وستني كر دقيق  وعشرة ثيران مسمنة، وعشرين ثوراً من المراعي، ومئة خروف، ما عدا الأيائل والظباء واليحامير والإوز المسمن“ (ملوك أول/4).

 وطالما أننا أمام إنسان أسطورة، فلن نفاجأ إذا ما وجدنا أنه اقتنى 700 زوجة و300 سرية!

1 ”وأحب الملك سليمان نساء غريبة كثرية مع بنت فرعون: موآبيات وعمونيات وأدوميات وصيدونيات وحثيات.

 2 من الأمم الذين قال عنهم الرب لبني إسرائيل: لا تدخلون إليهم وهم لا يدخلون إليكم، ألنهم يميلون قلوبكم وراء آلهتهم. فالتصق سليمان بهؤلاء بالمحبة.

 3 وكانت له سبع مئة من النساء السيدات، وثالث مئة من السراري، فأمالت نساؤه قلبه“ ( ملوك أول/11). ولن يفوتنا أن نذكر أن سليمان كان ملكاً حسب التوراة، وليس نبياً كما في القرآن، والحال ّ نفسها كانت مع أبيه داود. وأغرب ما في الأمر أن فرعون مصر زوجه ابنته، وفي روايات أخرى إسلامية أنه تزوج من بلقيس ملكة سبأ اليمنية! الأمر الآخر الذي عرف عن سليمان أنه كان حكيما، وأن حكمته بلغت الآفاق، وأن بلقيس ملكة سبأ سمعت بحكمته فقامت بزيارة له لتتعرف على حكمته وتستنير بها.

1 وسمعت ملكة سبأ بخبر سليمان لمجد الرب، فأتت لتمتحنه بمسائل

 2 فأتت إلى أورشليم بموكب عظيم جداً، بجمال حاملة أطياباً وذهباً كثيرا جداً وحجارة كرمية. وأتت إلى سليمان وكلمته بكل ما كان بقلبها ( ملوك أول/10)

 وكنا سنأخذ بهذه الزيارة الشاقة جداً دون شك، من جنوب أرض العرب إلى أقصى شمالها، وكنا سنتقبل هذه الحكمة بصدر رحب لو لم يحدث ما لم يتوقعه أحد، ربما حتى يهوه ( الإله اليهودي) نفسه! فقد تخلى سليمان عن عبادة يهوه.

 استعان سليمان بملك صور للحصول على الأخشاب ووظف ثلاثين  ألفاً من الرجال لنقل الأخشاب عدا آلاف الرجال الذين وظفهم في قطع الصخور وصقلها، وتم بناء الهيكل الهائل في سبعة أعوام ونصف. لن ندخل في حجم الهيكل، وهندسته، وزخرفته، والمجوهرات التي زينت جدرانه، وتابوت الرب الذي وضع فيه، والمذبح الذي أقيم فيه لتقديم القرابين، لن ندخل في تفاصيل كل هذه الأمور لعدة أسباب يأتي في مقدمتها، أن حكمة سليمان ( العظيمة) التي دفعته لبناء هيكل للرب هي نفسها التي دفعته للتخلي عن عبادة الرب نفسه، وأن يتبع آلهة الكنعانيين الذين تزوج بناتهم، وبهذا تحول الهيكل ( المعبد) من هيكل للرب يهوه، إلى هيكل للآلهة الكنعانية :

 4 ”وكان في زمان شيخوخة سليمان أن نساءه أملن قلبه وراء آلهة أخرى، ولم يكن قلبه كاملاً مع الرب إلهه كقلب داود أبيه

 5 فذهب سليمان وراء عشتورث إلهة الصيدونيين، وملكوم رجس العمونيين

6 وعمل سليمان الشر في عيني الرب، ولم يتبع الرب تماماً كداود أبيه

 7 حينئذ بنى سليمان مرتفعة لكموش رجس الموآبيين على الجبل الذي تجاه أورشليم، ولمولك رجس بني عمون

 8 وهكذا فعل لجميع نسائه الغريبات اللواتي كن يوقدن ويذبحن لآلهتهن“ ( ملوك أول/11) .

 تذكر بعد المصادر أن قرابة مائتي ألف شاركوا في بناء الهيكل، فهل يعقل أنه بعد كل هذا العناء والتعب أن يخرج سليمان على دين أبيه وأجداده لمجرد أن نساءه أملن قلبه؟ أم لان الدين بحد ذاته لم يكن مقنعاً له، فتخلى عنه في شيخوخته، أي بعد أن نال من الحكمة قسطاً مقبولا جعله يفكر في دينه، فاكتشف أن دينه دخيل على ديانات المنطقة. هذا إذا أردنا أن نخضع الأسطورة لمنطق ما.

 ومن ّ الجدير بالذكر أن بني إسرائيل كانوا يرتدون باستمرار عن عبادة يهوه ومنذ البداية، أي منذ أن اختارهم يهوه شعباً له، وعمل على خلاصهم من العبودية المصرية حسب التوراة. وثمة أسئلة كثرية يمكن أن تطرح: فإذا كان النص سماويا يهووياً، فما الذي يريده يهوه بجعل شعبه المختار يرتد عنه؟! وإذا كان النص من تأليف عزرا أو غيره من كتبة التوراة، فما الذي أرادوا أن يقولوه؟ هل أرادوا أن يقولوا إن التوراة نص أدبي متخيل كتب بتأثير قبيلة أو جماعة معينة تريد أن توجد تاريخاً لها، يجهد لان يقدم تفسيراً للوجود وللخلق مبنياً على تراث المنطقة السابق، وإن التناقضات التي فيه جاءت لتثبت أنه اجتهاد قابل للخطأ والصواب طالما أنه اجتهاد مبني على تراث قابل للخطأ والصواب أيضاً. ويجمع الباحثون على أن التوراة كتبت بعد السبي البابلي ( 587 ق.م.)، واستمرت كتابتها لأكثر من 300 عام، أي بعد قرابة 700 عام على الأقل من أحداثها، وأنها كانت تخضع في كثير من الأوقات لثقافة كاتبها وثقافة الزمن الذي كتبت فيه.

 آن الأوان لان نتطرق لما يقوله العلماء، ليس عن الهيكل فحسب، بل عن مملكة إسرائيل نفسها التي يقال إنها انشقت بعد عهد سليمان إلى مملكتين: إسرائيل في الشمال ويهوذا في الوسط والجنوب، حسب التوراة. ولنبدأ بالعلماء الإسرائيليين.

 

" فلنكشتاين" يفجر قنبلة

مرة أخرى.. يطل علينا عامل الآثار الإسرائيلي الشهير " إسرائيل فلنكشتاين" من جامعة تل أبيب، والذي يعرف بأبي الآثار، ليفجر قنبلة جديدة في وجه التوراتيين وحكام " إسرائيل"  بنفيه وجود أي صلة لليهود بالقدس، إذ أكد في تقرير نشرته مجلة » جيروساليم ريبورت الإسرائيلية «( 5/8/2011)   "أن علماء الآثار اليهود لم يعثروا على شواهد تاريخية أو أثرية تدعم بعض القصص الواردة في التوراة، بما في ذلك قصص الخروج، والتيه في سيناء، وانتصار يوشع بني نون على كنعان"، مفككاً بذلك وسيلة وزعما من أخطر الوسائل والمزاعم التي تلجأ إليها الدولة الصهيونية لترويج روايتها حول " يهودية المدينة المقدسة "، وأساطير " أرض الميعاد"، و«شعب الله المختار"، و«الحق التاريخي لليهود في القدس وفلسطين"، كما ورد من وجهة نظرهم في التوراة، والتي أثبت الكثيرون من الباحثين العرب والأجانب، وحتى بعض اليهود في العقود الثالثة أو الأربعة الماضية، وبعد الاكتشافات الأثرية الجديدة في تل العامرنة، وما كشفته الحفريات الأثرية في القدس وبعض المناطق الفلسطينية الأخرى، أثبت هؤلاء بأن التوراة كتاب أديب قصصي مبني على الأساطير والخرافات في معظمه، وليس كتاب تاريخ يمكن الاستناد إليه كمرجع للأصول التاريخية والاثنية للشعوب والأمم ".( 3)

 

 وهرتسوغ، أيضاً

 البروفيسور زائيف هرتسوغ عالم في الآثار من جامعة تل أبيب، والذي شارك في كل أعمال الحفر في البلاد، يقول إن كل الأحداث المذكورة في التوراة تتناقض تماماً مع ما توصل إليه علماء الآثار، وإن هذه القصص لم تحدث في الحقيقة على مستوى شامل.«(4)

 مملكة داود وسليمان أوهام لا نهاية لها

 تحت هذا العنوان كتب الباحث أحمد سليم مقالا في موقع أهل القرآن، ومما جاء فيه :  " رغم وجود أكثر من 300 موقع تقوم فيها البعثات الأثرية بأعمال الحفر، في ”إسرائيل“ والضفة والقطاع، لم يتمكن الأثريون من العثور على أي دليل أثرى يؤكد أو حتى يشير إلى مملكة داود وسليمان في فلسطين، كما لم ترد أية إشارة لهؤلاء الملوك في المصادر التاريخية، وأكد ذلك كله كذب المزاعم التوراتية بوجود مملكة إسرائيلية متحدة أيام شاؤول وداود وسليمان، وأنها روايات أسطورية لا تعبر عن الأحداث التاريخية الحقيقية. وتبين الآن أن قصص التوراة تضمنت أحداثاً تاريخية لشعوب وممالك أخرى في الشرق الأوسط، تم اقتباسها لتكون جزءاً من تاريخ مملكة بني إسرائيل، فقد استعار كتبة قصة داود الرواية المتعلقة بتكوين تحتمس الثالث للإمبراطورية المصرية بين النيل والفرات قبل عصر داود بخمسة قرون، ونسبوها إلى ملكهم، وكما يؤكد ويبين باحث المصريات الكبير العالم أحمد عثمان: لا تزال تفاصيل المعارك التي استعارها الكهنة لقصة داود بني إسرائيل، مسجلة حتى أيامنا هذه على جدران معبد الكرنك وفي سجلات حروب تحتمس الثالث. ونحن نجد هنا صدى لأهم معركة خاضها تحتمس الثالث- عام 1468 ق.م- عندما تجمع 350 ملكاً بجيوشهم لمحاربته، عند حصن ”مجيدو“ بوسط كنعان، وصار اسم هذه المدينة في اللغة، منذ ذلك الوقت هو ”المجد“، تعبيراً عما حققه الملك المصري في هذه المعركة من أعلى درجات الانتصار. ولا عجب في هذه الحالة لو وجدنا أن هذه المعركة نفسها، هي التي اختار كتبة سفر صموئيل الثاني اقتباسها لصالح داود بني إسرائيل.“(5)

 لن يفوتنا التطرق إلى الباحث الأمريكي توماس تومبسون وكتابه ”التوراة والتاريخ“ الذي ترجم إلى العربية، والذي نفى فيه معظم الأحداث الواردة في التوراة بما فيها مملكتي يهوذا وإسرائيل، وحتى وجود داود وسليمان تاريخياً. وسأورد في ما يأتي مقتطفات من مقال للباحث العراقي علي الشوك يتحدث فيه عن توماس تومبسون : " ينتمي توماس ل. تومبسون إلى رعيل المؤرخين الذين ضربوا على وتر لا تأريخية الروايات التوراتية، أي أن هذه الروايات من صنع واختلاق كاتبيها، لأنها تتعارض مع الأحداث والوقائع التي نعرفها عن طريق البيّنات الآثارية والوثائق التأريخية القديمة. وتومبسون من الفئة القليلة التي تحاول وضع الحقيقة في نصابها في هذا الصدد. ومع أن الكتابات التي تثبت بطلان تأريخية الروايات التوراتية، اكتسبت قوة في العقدين الماضيين في ضوء البيّنات الآثارية المذهلة التي تدعمها، إلا أن هذه النظرية التي تشكك في صحة الروايات التوراتية من منظور تأريخي، لها جذور أقدم من ذلك بكثير. بيد أن هذه المحاولات كانت تتعرض دائما إلى القمع والمحاربة والتهميش. ولا تزال هذه السياسة تطاول ”المتمردين“ أو ”المنشقين“ عن الصف حتى يومنا هذا، وخير مثال على ذلك، المعاملة الظالمة التي تعرض لها تومبسون بعد نشره كتاب ”التأريخ القديم للشعب الإسرائيلي “ في 1992، فقد فُصل من الجامعة- الأمريكية- التي ّ يدرس فيها إثر نشره الكتاب المشار إليه، لأنه يقدم تفسيراً مخالفاً للنهج السائد الذي يجعل من الروايات التوراتية نقطة انطلاق ومرجعاً محورياً أو مركزاً لأحداث التأريخ المعاصرة لها. ّ ولم يعاود عمله الأكاديمي إلا بعد أن احتضنته جامعة كوبنهاغن.. وتلتقي النتائج التي توصل إليها تومبسون مع كتابات وأبحاث الباحث الكندي جون فان سيرتز، صاحب كتاب ”إبراهيم ُ في العرف والتأريخ“ الصادر في 1975، وجون هايس و جي ِماكسويل ملر مِعّدي كتاب ”تأريخ إسرائيل ويهودا“ الصادر في 1977، وهو كتاب كبير ومهم يحتوي على مقالات بقلم عدد من الباحثين الأكثر شباباً. ويمكن الإشارة إلى كتاب إسرائيل فنكلشتاين " “آركيولوجيا الاستيطان الإسرائيلي”، الذي يطرح نظرة جديدة حول التأريخ الإسرائيلي، تختلف تماماً عن التأريخ التوراتي، ويقدم أدلة على أن نظرية “الغزو” الإسرائيلي لم تعد تحتفظ بقوتها.

ولعل أكثر هذه الكتابات أهمية، تقرير زئيف هرتسوغ ”تفكيك أسوار أريحا“ الذي نشر في صحيفة ”هآرتس“ الإسرائيلية في نهاية العام 1999، وأثبت فيه بطلان الكثير من الروايات التوراتية المسلم بصحتها. والاهم من هذا كله، أنه قدم أدلة آثارية لا يأتيها الباطل، على أن يهوه، إله إسرائيل، كانت له زوجة، اسمها أشيرة ( 6)، وهي، بالمناسبة، إلهة كنعانية أيضاً.. (7)

مائير بن دوف: لا وجود ملا يسمى بهيكل سليمان! ً

 فجر عالم الآثار الإسرائيلي " مائير بن دوف" قنبلة دوت صدى في المنطقة، حيث كشف النقاب عن أنه لا يوجد آثار ما يسمى بهيكل سليمان تحت المسجد الأقصى، مناصراً بذلك الأصوات السابقة التي كشفت عن ذلك، ولاسيما علماء الآثار الإسرائيليين  بقسم التاريخ بالجامعة العربية.(8)

أظن أننا أسهبنا ولم يعد ثمة متسع لمقالات كثيرة وخصوصاً لباحثين عربيين اعتبرا أن التوراة جاءت من جزيرة العرب، هما كمال صليبي وفاضل الربيعي. غير أن فاضل يعتبر العقيدة اليهودية عقيدة يمنية وأن اليهود جاؤوا من اليمن، وأن ملوكهم ملوك يمنيون، وأن أحداث التوراة تجري في اليمن. وفي هذه الحال قد لا نستبعد زيارة بلقيس ملكة سبأ لسليمان إن كان ملكاً على إقليم أو مدينة يمنية، طبعاً بغض النظر عن وليمة القبيلة التي يحتاجها لطعامه اليومي. كما أننا لن نستغرب أن يرسل الشيطان السبئيين في سفر أيوب لنهب قطعان أيوب ومواشيه وأتنه ألـ 500 .(9 وثمة قصة أخرى لفاضل عن نشيد الانشاد الذي قيل إنه لسليمان، فقد رأى أن هذا النشيد لسلمى أو سليمى، وربما قاله راع أحب راعية بذاك الاسم فقتلت لانكشاف الحب، فسمي الجبل الذي كانت ترعى فيه جبل سلمى، فراح الشعراء يتطرقون لذاك الجبل في أشعارهم.(10)

 وخير ما نختتم به مقالنا هذا مقتطفات من مقال إلياس خوري الذي نشره في القدس العربي، ثم نشره على صفحته في الـ«فيسبوك« بتاريخ ( 27 تموز 2015)، يتطرق فيه إلى بقرة حمراء يكون مقتلها شرطاً لإعادة بناء هيكل سليمان.

المستعمرون و "البقرة الحمراء"

أقيم في إسرائيل متحف بتمويل حكومي من أجل ”مهجري غوش قطيف“، وأربع مستعمرات صغيرة ومعزولة بالقرب من جنين. متحف للذاكرة ونوستالجيا ”العودة“ نشأ بتمويل حكومي. فالمستعمرات أو الكوبانيات اليهودية في فلسطين قبل 1948 وبعدها، وقبل 1967 وبعدها، لا تختلف في شيء عن المستعمرات الفرنسية التي أقامها أصحاب ”الأقدام السوداء“ في الجزائر. طبعاً، يجب أن لا يحجب هذا الوصف إمكانية اختلاف المصائر بين المستعمرين الفرنسيين والمستعمرين الإسرائيليين، نتيجة كون المشروع الصهيوني يحمل طبيعتين متكاملتين هما الطبيعة الكولونيالية والمشروع القومي، لكن الحديث عن المصائر لا يزال مبكراً، فالمشروع الكولونيالي الإسرائيلي لا يزال في طور صناعة النكبة الفلسطينية المستمرة، ولن يبدأ الحديث الجدي عن المصائر إلا حين تنكسر شوكته.

المستوطنات كلمة مضللة، لأنها توحي بأنها قرى أو مدن يجري بناؤها، وهذا غير صحيح، إنها مستعمرات تُنتزع أراضيها من أصحابها بالقوة كي يقيم فيها مهاجرون قرروا استعمار البلاد والاستيلاء عليها.

 يستخدم المشرفون على المتحف كلمات من نوع ”اقتلاع“ و“طرد“ للحديث عن تفكيك مستعمرات غزة، ولا يشيرون إلى كلمات مثل انفصال أو فك اشتباك، ثم تبلغ بهم الوقاحة الى حد الحديث عن النوستالجيا إلى شواطئ غزة ورمالها، محولين تجربة المستعمرات إلى عصر ذهبي، وجاعلين من الجلاد الاسرائيلي ضحية عملية اقتلاع، وحنين ”عودة“، إلى أرضه.

لم يسبق أن وصلت الوقاحة إلى هذا الحد، وهي وقاحة يختص بها الإسرائيليون، وهذا يذكّرنا بممارسة ”حقوق“ عودتهم إلى أحيائهم في القدس الشرقية التي غادروها في العام 1948.

 يشاهد زوار المتحف، المقام على مدخل ”نيتزان“، الواقعة بني أسدود والمجدل (عسقلان) ، فيلماً يقودهم إلى الحكاية. بطل الفيلم طفل يدعى ”أفيخاي“ كان آخر طفل ولد في ”غوش قطيف“ ليلة الرحيل، وهو يريد أن يتعرف إلى ”جذوره“ من خلال الحوار مع شقيقه الضابط في سلاح المشاة. مزيج من البراءة المخادعة والحنين الكاذب إلى غزة التي تبدو كخريطة مستعمرات، حيث يجري تهميش مدنها وقراها ومخيماتها أمام جماليات المستعمرات الصهيونية!

الطفل ”البريء“ لا يعرف، مثلا، أن عدد المستعمرين اليهود الصهاينة كان ثمانية آلاف في قطاع غزة الذي يقيم فيه مليون ونصف مليون فلسطيني، كما لا يعرف أن ”غوش قطيف“ أقيمت على أراض فلسطينية احتلت في العام 1967.

 ليس المهم أن تعرف بل المهم أن تعيد إنتاج الأسطورة بأشكال لا متناهية، هذه هي لعبة الذاكرة الإسرائيلية. إنهم يخترعون لأنفسهم ذاكرة من الأوهام كي يكونوا الضحية في أعين ّ أنفسهم. ضحايا مدججون بالسلاح، يرقصون على إيقاع قنابلهم النووية المكدسة، ويستغيثون ويبكون. احتلال يصير حنيناً وهمجية تتحول حناناً، يا للمفارقة ؛ يكذبون ويدعون الصدق! حفلة تنكرية تحول الذاكرة إلى مهزلة، والتاريخ إلى مسخرة.

وبعد المتحف يعد لنا الإسرائيليون مفاجأة البقرة الحمراء. هنا تصل كوميديا الأسطورة إلى ذروتها، فهم يبحثون عن بقرة ”مقدسة“، يقول تراثهم الأسطوري إنها شرط بناء هيكل  سليمان. بقرة توراتية حمراء لا يتخلل جلدها أي لون آخر، ويبدو أنهم وجدوا ثوراً يمتلك ّ هذه المواصفات في مكان ما من أمريكا، وسيلقحون بقرات إسرائيلية بسائله المنوي، وصولا إلى البقرة المنتظرة التي سيسمح لهم رمادها بالتطهر من دنس الموتى، هذا التطهر هو الشرط اليهودي الديني للصعود إلى جبل الهيكل، تمهيدا لهدم المسجد الأقصى وبناء الهيكل على أنقاضه. وعندما سيحين موعد هذه الكارثة سوف نجدهم وقد امتلأت أعينهم بالدموع، وهم يستعيدون ذاكرة أساطيرهم على أشلاء الحاضر الفلسطيني.

 

* باحث وكاتب وفنان تشكيلي من فلسطين.

 هوامش:

1) كنيس الخراب. ويكيبيديا الموسوعة الحرة.

2) المصدر نفسه.

3) نواف الزرو. الدستور الأردنية، 8 آب 2011.

4) بي بي سي أونالين ( 24/12/1999. )

5) أحمد سليم. موقع أهل القرآن. نت. 30 أكتوبر 2012. )

6) أشيرة أو عشرية هي زوجة الإله الكنعاني إيل وهي وإيل أبوان لعشرات الآلهة الكنعانية، ومن أهمهم بعل وعناة وعشتاروت وموت. ومن الجدير بالذكر أن يهوه اتخذ لنفسه أسماء كثيرة  منها اسم إيل الذي ينسب اسم إسرائيل إليه. ليقول لنا كتبة التوراة أن يهوه هو الإله الذي يجمع جميع الآلهة في شخصه، وأنه الإله الكلي المطلق.( م. ش) مقال مطول بعنوان: مملكة داود وسليمان أوهام لا نهاية لها. وللكاتب كتاب يحمل العنوان نفسه صدر عن الهيئة العامة لقصور الثقافة“، 2014.

( 7)جريدة الحياة   عدد 13916 ، 22/4/2001  

8) من لقاء منقول عن صحيفة القدس نشر على صفحة القدس في الفيس بوك في 1 تموز 2013. )

9) راجع سفر أيوب يف التوراة ( العهد القديم ) أو بحثنا على النت بعنوان ”أيوب التوراتي وفاوست جوته. بحث مقارن“.

10)  كتاب “فلسطين المتخيلة: أرض التوراة في اليمن القديم“،  للكاتب فاضل الربيعي . وقد اقتطعت هذه الفقرة من مقال عن الكتاب في الجزيرة نت بتاريخ 2009/1/2.

بينما يُزعم أن الهيكل بني في فلسطين فإن الحقيقة التي لا مناص من التمعن فيها اليوم هي أن القبائل اليهودية اليمنية العائدة من الأسر البابلي هي التي أعادت بناء الهيكل في السراة اليمنية وليس في فلسطين

11( إلياس خوري. صفحته على الفيسبوك. 2015/7/2

 

إضافة تعليق

3 + 2 =
Solve this simple math problem and enter the result. E.g. for 1+3, enter 4.