هيمنة الإعلام

يعد الإعلام بأنواعه المختلفة أحد روافد تشكيل الوعي، هذا إن أحسنا الظن به، وإن لم نفعل فيمكننا القول بأنه أهم وسائل تعليب الوعي وتغليفه تمهيدًا لتغييبه عن الحضور الاجتماعي الحقيقي ودوره الهام في عملية الشهود من ناحية والحراك الاجتماعي من ناحية أخرى.

هذا التعليب الممهد للتزييف أو التغييب يعمل في ظل ثلاثيات أساسية:

  • ثلاث أساطير.
  • ثلاث تقنيات.
  • ثلاث أدوات.

وهي ليست كل الحكاية بقدر ما تحمل الخطوط الرئيسية لها موضحة كيف تمضي المنظومة الإعلامية في ثلاث خطوات أساسية نحو التغييب الممنهج للوعي عن دوره الهام.

الأساطير

  • أسطورة الحياد :

التي تقول: “إن الإعلام عبارة عن أداة محايدة لنقل الحقائق كما هي دون تدخل من أحد” متناسية أن كل عملية داخل الإعلام تنتزع عنها صفة الحياد، فالأمر في أعلى مستويات احترافيته، لا يخلو من الذاتية؛ فهناك من يختار ما يعرض ويرفض ما لا يرد عرضه سواء كان هذا الشخص منتجاً أو ممولاً أو هيئة تحريرية أو سياسات حاكمة عامة أو حكومية أو خاصة ويظل الإعلاميون يرددون رغم الوهم بأنهم نقلة الحقيقة ليس إلا.

  • أسطورة التعددية :

التي تقول: “أن هناك العشرات بل مئات الوسائل الإعلامية من قنوات فضائية وبرامج تلفزيونية إخبارية ونقاشية وحوارية وصحفية ووثائقية وجرائد ومجلات وغيرها، وهذا يضمن التنوع والتعدد في إتاحة الخيارات”. وهذا صحيح من الناحية العددية لكن من الناحية النوعية نجد أنها ذات الأخبار يتم مناقشتها مع ضيوف يختلفون من برنامج إلى آخر من حيث أشكالهم ولكنه في النهاية يكاد يكون ذات المحتوي أو بالأصح يسعون لذات الهدف ويكاد يكون مقدمي البرامج اليومية التي تتابعها الغالبية من متابعي التلفاز يقولون ذات الجمل لكنها تحمل صياغات مختلفة من حيث المبنى لا المعنى.

  • أسطورة حرية الاختيار:

التي تقول : “في وسط هذا العدد المتنامي ممن الوسائل الإعلامية يصبح الفرد حرًا في اختيار ما يريد سماعه أو مشاهدته أو قراءته” بينما حقيقة الأمر أنك تحتار بالفعل لكن من بين ما أراد الآخرين عرضه لك فأنت لم تختر المضمون ابتداءً، لكنك تختار فقط نوع المذيع وشكله وهندامه وأسلوب خطابه لتسمع ما يريد هو وفريقه إسماعك إياه .

خلاصة الأساطير الثلاث:

أنت تظن بكامل إرادتك أنهم محايدون فتسلم عقلك طوعاً لهم على أنهم حملة الحقيقة وأصحاب الأمانة فيزرعون في وعيك ما يريدون هم بعدما اقتنعت أنك قد اخترت من بين متعدد وبكامل إرادتك الحرة ما تريد مشاهدته وسماعه أو بالأحرى ما تريد أنت أن يغرس في وعيك.. للأسف المضلل.

التقنيات

  • التجزيئية:

وهي تحديد ما يتم عرضه مع تحييد ما لا يُراد عرضه فتظهر فقط نصف الثورة بنصف حقيقة أو بعكس الحقيقة تماما وهذه التجزيئية لا تتوقف عند نصف الصورة بل عند البتر من السياق فتأخذ الخبر مبتوراً عن سياقه بل وأحياناً مندس في سياق آخر يُراد له أن ينغرس في وعيك.

  • الفورية:

وهي إعلان الخبر فور حدوثه وتحليله بل ادعاء فهم أسبابه قبل أوانها وبالتالي يتم تغذية العقل بالصورة الأولية أو بالانطباع الأول الذي هو للأسف يدوم لتصبح المعلومة الأولى هي الصواب الصادقة وأي محاولات لاحقة لتصحيحها كذب وتدليس.

  • التعمية:

وهي تقديم معلومات كثيرة مبتورة من سياقها مغروسة في سياق آخر تعمل علي تكوين قناعة معينة في الوعي لا يمكن هدمها بسهولة؛ لأنها بنيت من أسوار متعددة من المعلومات المتراكبة ما إن تفتح في أثغرة للتصحيح إلا وقد وجدت الوعي يستحضر معلومات أخرى ليسد ما تم ثقبه من الجدار المضلل، فيصبح الوعي مدافعاً عن قناعاته من تلقاء نفسه وبدون الحاجة لتدخل الإعلام من جديد.

خلاصة التقنيات الثلاث:

هناك من يحدد ما يُراد عرضه ومتى يعرضه وفي أي سياق يُراد لك أن تستقبله بحيث يترسخ في عقلك كحقيقة حاكمة.

الأدوات

  • تكنولوجيا تبعث علي الفتور: مع التطور التكنولوجي صار مسيطراً على الغالبية وكذلك الحاسوب ومن بعده الهواتف الذكية  التي تجعل الجميع مسترخياً متكاسلاً عن الحركة مفتتة للعلاقات الاجتماعية من ناحية مكرسة للفردية من ناحية أخري.

 

  •  برامج مسلوبة الحيوية: لا تتطلب منك بذل جهد أو إعمال عقل أو مشاركة واعية فهي بالأساس تريدك مسترخياً مستلقياً لتعمل هي على تشكيل وعيك بإرادتك أنت.

 

  • وسائل ترفيه وتسلية: تجد أن أغلب القنوات التلفزيونية تدور حول المسلسلات والأفلام وبرامج الترفيه والمسابقات التي لا تتطلب منك تدخلاً إلا بالحد الأدنى بما يخدم اقتصادياتهم .. هدفها الرئيسي أن تظل مستلقياً ومستمتعاً.

هذه الأدوات تهدف إلى إحداث حالة من الهمود الجسدي بغية السيطرة على العقول باسم السلبية من خلال تحجيم الاهتمام بالحقائق الاجتماعية وتخفيف حدة هذا الاهتمام فهي تقوم بــ:

– تحضر من ينفعل بدلاً منك.

– تحضر من يقدم الحلول بدلاً منك.

– تحضر من يعمل بدلاً منك.

وبالتالي يصير لك مبرر للبقاء مستلقياً فهناك من يقوم بالدور المطلوب القيام به على أكمل وجه فيحقق الإعلام هدفه الأول بتحجيم الاهتمام بالحقائق الاجتماعية وتخفيف حدتها وبالتالي عزل الفرد عن الحراك الاجتماعي القادر على صناعة مستقبل مختلف. ويصير الهدف الثاني هو إعطاءك دوراً حقيقاً تشعر معه أنك جزء من صناعة الأحداث بأن تردد ما تم تعليبه في عقلك المستلقي ممدداً أمام الشاشات في وجه هؤلاء الذين تجاوزوا أزمة التعليب إلى واقع التغليب.

هذا الحديث بالأعلى يجعلنا نتساءل هل قامت المنظومة الإعلامية فعلاً على هذه الأسس؟ وإجابة هذا السؤال ربما عالمنا ليس بهذا الذكاء لكنه بالغباء الكافي الذي جعله يؤسس المنظومة الإعلامية العربية بنفس فلسفة بناء المنظومة الإعلامية الغربية بكل أهدافها وأفكارها وحتى أدواتها.

نموذج: برنامجي صناع الحياة ومجددون

كنت من متابعي كلا البرنامجين وكان مقدمهما واحداً وربما هدفه كذلك واحد يصب في نفس الاتجاه، لكن الأول: كان بفلسفة تعاكس أو تنافي فلسفة الإعلام القائم فهو برنامج مصمم بالأساس علي فكرة المشاركة وحث الجميع علي الانضمام إلي الحراك الاجتماعي القائم وأن يتركوا مقاعدهم الوثيرة وينتقلوا لخانة العمل وكان له من الأثر ما كان.

الثاني: كان برنامج مسابقات ربما كان الهدف منه التحفيز عن طريق عمل مسابقات حول المشاريع التي تعمل عليها صناع الحياة كحراك اجتماعي تنموي لكن استخدم في ذلك نفس الأساليب الإعلامية (ليس بالضرورة عن قصد) التي تحدثنا عنها فهو برنامج مسابقات وإن كان مختلفا لكنه في النهاية أحضر من يقوم بالعمل بدلا منك ويحبس أنفاسه بدلاً منك ولم يتطور للدفع في إطار التحريك فما كان له نفس مستوي أثر البرنامج الأول. ومع الوقت لم يستطع أخذ مساحة وسط البرامج الترفيهية المسابقاتية فهناك ما هو أمتع فالاستلقاء يستدعي الإمتاع أكثر من التعليم.

خلاصة النموذج: البرنامج الأول خرج من أطر التعليب المعتادة التي أقرتها الماكينة الإعلامية الغربية ابتداءً وتتبعتها المنظومة العربية، أما الثاني ورغم جمالية هدفه إلا أنه سقط في ضيق التعليب فما كان له أثر، وشتان بين أثري الأول والثاني.

ختاماً المنظومة الغربية صنعت بفلسفة سلبية تعمل علي إخماد أي حراك اجتماعي حقيقي وترسخ الطاقة السلبية في الشعوب وتجعلها جاهزة لاستقبال ما يُراد لها أن تمتلئ به وتتبعتها المنظومة العربية شبراً بشبر فأصبحت تقوم بذات الدور عن قصد أو غير قصد، ولهذا وجب التنبيه والتنويه لعل عقلاً يفيق أو وعياً يُنقذ من التعليب والتغييب.

ما رأيك؟ :)

http://feker.net/ar/2013/10/04/21836/

إضافة تعليق

4 + 6 =
Solve this simple math problem and enter the result. E.g. for 1+3, enter 4.