وإذ استسقى يوسف لمصر (حكمة / مغزى صلاة الاستسقاء)

 

تكثر الأحاديث هذه الأيام حول التغيرات المناخية والتحديات الناجمة عن نقص في مخزون المياه في منطقنتا بسبب تراجع معدلات الأمطار من جهة وازدياد الطلب على المياه، وتفاقم مشكلة التصحر من جهة أخرى .

 

إن علماء المناخ يعزون السبب إلى الدورات المناخية التي تتعرض لها الأرض وانبعاثات الغازات الدفيئة التي يسببها البشر جراء حرق الوقود الأحفوري، لتشغيل آلاف المصانع ومحطات الطاقة الكهربائية في مختلف أنحاء العالم.

لكن هناك وجهات نظر أخرى، تقول بأن الأسباب الرئيسة ، تعود إلى أعمال العباد التي لايرضى عنها الله سبحانه وتعالى، وهنا بصراحة بيت القصيد وساحة النقاش.

إن الذي أريد قوله هو أن فهمنا للآيات القرآنية يجب أن لاينطلق من تصوراتنا البشرية ، فالله جل وعلا لا يعامل البشر كما نتصور، لأن تصوراتنا محدودة بقدراتنا المحدودة، بينما قدرة الله لاحدود لها لأن ببساطة المحدودية ضربها الله على كل شيء مخلوق، وحدده بالمخلوقين الزمن ،والمكان .

نعود إلى سؤال الساعة ماعلاقة انحباس الأمطار بأعمال الناس ؟

لعل البعض ربط بانحباس المطر الفسق والفجور ، فيأتي من يقول هذه أوربا جنات خضراء تهطل الأمطار فيها في الشتاء وحتى في الصيف وبلادهم مليئة بالفجور، والإباحية، وهناك دول صحراوية عوضها الله بالنفط، لتنبع الأرض لسكانها ذهباً أسود وقد استمرأ أهلها الحياة باللهو والمجون علماً أنهم قد وقعوا عقد الإيمان مع الله.

ترى من خلال قراءتنا للقرآن هل يعامل الله العباد حسب تصوراتهم البشرية أم وفق التقديرات الإلهية.

لقد استخلف الله الإنسان على الأرض، وجعلها مركزاً لبناء حضاراته ، تمهيداً لانطلاقه خارجها، ليبدأ باستعمار الكواكب الأخرى القريبة منها، وفي مئات السنين القادمة ربما ستزداد تطلعات الإنسان إلى استيطان كواكب خارج المجموعة الشمسية وربما خارج مجرتنا.

قال تعالى :) َألَمْ تَرَوْا أَنَّ اللَّهَ سَخَّرَ لَكُمْ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَأَسْبَغَ عَلَيْكُمْ نِعَمَهُ ظَاهِرَةً وَبَاطِنَةً وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يُجَادِلُ فِي اللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ وَلَا هُدًى وَلَا كِتَابٍ مُنِيرٍ( [لقمان31/20]

ولكن هناك من يقول إن الله قد جعل حدوداً في الحصول على العلم لايستطيع الإنسان تجاوزها

 قال تعالى: )إِنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ وَيُنَزِّلُ الْغَيْثَ وَيَعْلَمُ مَا فِي الْأَرْحَامِ وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ مَاذَا تَكْسِبُ غَدًا وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ بِأَيِّ أَرْضٍ تَمُوتُ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ( [ لقمان31/34]

إن هذه المغيبات الخمس هي عناوين كبرى لملايين المغيبات في الكون ويريد الله أن نكملها كمايلي:

وعنده علم الرياح والسحاب وحركة الشمس والأرض والقمر والنجوم والمجرات والطائرات والقطارات والسيارات والبشر والحيوانات والحشرات ووحيدات الخلية والذرات ومافوق ذلك وما دون ذلك.

قال تعالى: )يَا بُنَيَّ إِنَّهَا إِنْ تَكُ مِثْقَالَ حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ فَتَكُنْ فِي صَخْرَةٍ أَوْ فِي السَّمَاوَاتِ أَوْ فِي الْأَرْضِ يَأْتِ بِهَا اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ لَطِيفٌ خَبِيرٌ( [ لقمان 31/16]

وإذا فهمنا أن كل شيء في الكون لا يمكن أن يظهر إلى الوجود ولايتحرك إلا بإرادة الله ، ولايمكن استمرار الوجود إلا بقيومية الله على مخلوقات الكون جميعا،ً وبالتالي أن الأشياء تُحرَّك ولا تتحرك، علمنا أن للكون في كل لحظة كونية صورة مختلفة عن اللحظة التي سبقتها بشكل نسبي طفيف هي خطوة التغيير.

ولكن هل يمنع ذلك الإنسان من أن يعلم مستقبل الأشياء ؟ لاشك بأن علمه بذلك سيعتمد على علم الإحصاء ، وسيقترب من النتيجة الدقيقة كلما أخذ بعين الاعتبار الحالات السابقة التي خلقها الله، وتعلم منها. وكلما اقترب في توقعاته كلما كان في موقع مباهاة عند الله لا بل إن الله دعا الإنسان لرحلة غيبية تبعد 14 مليار عام عن وقتنا هذا ، إنها بداية خلق الكون وهو ما يعرف بالانفجار الأعظم.

)أَوَلَمْ يَرَوْا كَيْفَ يُبْدِئُ اللَّهُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ إِنَّ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ  قُلْ سِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَانْظُرُوا كَيْفَ بَدَأَ الْخَلْقَ ثُمَّ اللَّهُ يُنْشِئُ النَّشْأَةَ الْآَخِرَةَ إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ( [العنكبوت 29/19-20]

فإذا كان الباري يدعو البشر للغوص في ماض يبعد مليارات السنين عن عصرنا ، فكيف إذاً بالأحداث التي تبعد عنا أياماً أو شهوراً أو سنين ؟  فمن الطبيعي إذاً أن يتنبأ الإنسان بحركة الرياح والسحاب وتوقع كميات الأمطار التي ستهطل، ويحدد مواقعها، وخاصة أنه الآن يراقب حركة الرياح لحظة بلحظة  بواسطة الأقمار الصناعية.

وكما نرى في الآيات السابقة إن الله يبدئ الخلق ثم يعيده ويكرره  ففي كل سنة يكرر الله حركة السحاب ونزول الأمطار وثمار الشتاء والصيف ومراحل الحمل لكل أنثى وحركة الأرض والقمر وملايين الدورات الكونية. لماذا ؟

فإذا ما تعرض الإنسان إلى أزمة مناخية ، أو كارثة بيئية، فإنه سيواجه الخطاب الإلهي السابق، وسيقول له الله لقد كررت لك الظواهر الطبيعية ملايين المرات، ألم تر كيف أبدأ الخلق ثم أعيده ؟ لذلك احتل التخطيط وعلم توقع أحداث المستقبل مكانة عظيمة في القرآن الكريم قال الله تعالى:)يُوسُفُ أَيُّهَا الصِّدِّيقُ أَفْتِنَا فِي سَبْعِ بَقَرَاتٍ سِمَانٍ يَأْكُلُهُنَّ سَبْعٌ عِجَافٌ وَسَبْعِ سُنْبُلَاتٍ خُضْرٍ وَأُخَرَ يَابِسَاتٍ لَعَلِّي أَرْجِعُ إِلَى النَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَعْلَمُونَ قَالَ تَزْرَعُونَ سَبْعَ سِنِينَ دَأَبًا فَمَا حَصَدْتُمْ فَذَرُوهُ فِي سُنْبُلِهِ إِلَّا قَلِيلًا مِمَّا تَأْكُلُونَ ثُمَّ يَأْتِي مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ سَبْعٌ شِدَادٌ يَأْكُلْنَ مَا قَدَّمْتُمْ لَهُنَّ إِلَّا قَلِيلًا مِمَّا تُحْصِنُونَ ثُمَّ يَأْتِي مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ عَامٌ فِيهِ يُغَاثُ النَّاسُ وَفِيهِ يَعْصِرُونَ( [ يوسف 12/46-49].

عندما كشف الله للنبي يوسف ماسيحدث في السنوات المقبلة  كما يكشف لنا بواسطة التكنلوجيا التي أنعم الله علينا بها فإن سيدنا يوسف لم يطرح الحل الجذري في السنوات العجاف الدعاء والاستسقاء فقط -على أن الدعاء هو مخ العبادة ومطلوب في الرخاء والضيق- ولكنه استسقى  بالتخطيط بتخزين المحاصيل الزراعية في السنين الخيرة وتوزيعها في السنين الجافة بشكل إحصائي للمنتجات الزراعية ولعدد السكان ونموهم خلال السبع سنوات، والقرآن يتحدث هنا في الأمن الغذائي القومي في إطار  دولة لها ميزانية ونظام اقتصادي وهذا كله قبل الميلاد، وبعد آلاف السنين من تلك القصة يأتي العصر الذي نعيشه فكيف سنستقي؟

إن صلاة الاستسقاء جعلها الله لنـزع لباس الغرور والترف والبذخ  والاستهتار بأنعم الله ليتوقف الناس ساعات وساعات ندماً على ما اقترفوه بحق البيئة والموارد الطبيعية وما أنعم الله عليهم في السنين الخيرة.

إن صلاة الاستسقاء هي مناسبة لاجتماع الناس بمختلف مستوياتهم ووظائفهم لكي يضبطوا الحقوق أولا ويعيدوها إلى أصحابها ثم يبتهلو إلى الله وينزعوا  رواسب اللهو واللامبالاة فتصفى قلوبهم، ثم يجتمعوا لجاناً ومجموعات كل حسب اختصاصه ، ليواجهوا مشكلة الجفاف بما منَّ الله عليهم من وسائل وتكنولوجيا.

إن مشكلة الجفاف هي اختبار لمدى مناعة الأمة من الأمراض الاجتماعية والاقتصادية. فكلما كان نظامها الاجتماعي والاقتصادي متماسكاً،  كلما استطاعت الأمة تجاوز المرحلة الصعبة وإيجاد الحلول. وإن وقود ذلك سيكون التضرع إلى الله الذي سيمنح الأمة طاقة غير عادية للصبر ومعالجة المشاكل بالوسائل المتاحة.

ولكن لماذا يبتلي الله البشر بسني المحل والزلازل والبراكين والتلوث البيئي والسيول الجارفة والأعاصير والأمراض وغير ذلك ؟

قال تعالى:)وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ بِشَيْءٍ مِنَ الْخَوْفِ وَالْجُوعِ وَنَقْصٍ مِنَ الْأَمْوَالِ وَالْأَنْفُسِ وَالثَّمَرَاتِ وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ الَّذِينَ إِذَا أَصَابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ قَالُوا إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ( [البقرة2/155-156].

)وَهُوَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ وَكَانَ عَرْشُهُ عَلَى الْمَاءِ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا وَلَئِنْ قُلْتَ إِنَّكُمْ مَبْعُوثُونَ مِنْ بَعْدِ الْمَوْتِ لَيَقُولَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ هَذَا إِلَّا سِحْرٌ مُبِينٌ( [هود11/7].

إن المصائب والكوارث التي تحل بالبشر هي السلَّم الطبيعي لتطورهم وليبتلي الله الناس ويرى أحسن الأعمال ثم يكافئهم يوم القيامة على هذه الأعمال وهنا ربط بين الحياة الدنيا والآخرة بالعمل الصالح.

ولو بسط الله الرزق لعباده لاستسلموا إلى الكسل والتواكل ولعلا بعضهم على بعض .

قال تعالى: )وَلَوْ بَسَطَ اللَّهُ الرِّزْقَ لِعِبَادِهِ لَبَغَوْا فِي الْأَرْضِ وَلَكِنْ يُنَزِّلُ بِقَدَرٍ مَا يَشَاءُ إِنَّهُ بِعِبَادِهِ خَبِيرٌ بَصِيرٌ( [الشورى42/27].

ولما انتشرت السدود وخزانات المياه الضخمة، وتقنية السقاية بالتنقيط، وتقنيات تنقية المياه، وإعادة استخدامها وتحلية مياه البحار، كذلك لما انتشرت تقنيات الحماية من الصواعق والأبنية المضادة للزلازل وإنشاء الجسور  والأنفاق، ولو أعطى الله الإنسان حاسة الاتصال عن بعد لما انتشرت وسائل الاتصالات المعتمدة على اكتشاف الأمواج الكهرطيسية .

ولو لم يضع الله القدرة في الإنسان على تحمل المصائب لما استطاع اختراع الطائرة  وهي إحدى معجزات القرن العشرين التي ذهب ضحبة هذا الاختراع آلاف المهندسين والفنيين والمسافرين حتى وصلت إلينا بأعلى مستوى من الأمان والرفاهية .

وهناك خطاب إلهي للبشرية كلها )يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ( [الحجرات49/13].

 يبين لهم أحد الأهداف من خلق البشر وهو إقامة كل أشكال التعاون والتعارف ومن يحد عن هذا الطريق فسيدفع الثمن وقد أدركت أوربا ذلك فقد دفعت ثمن فرقتها وبغيها على بعضها دماء حصدت عشرات الملايين في الحربين العالميتين في القرن الماضي حتى رست سفينة مفكريهم على شاطئ الاتحاد الأوربي وساد السلام والتعاون بكل أشكاله وتحولت عشرات الدول إلى اتحاد أرضه كل أراضي تلك الدول وخيراته تعود إلى كل شعوبه بمختلف لغاتهم وعروقهم وثقافاتهم  وهذا هو النموذج الأول في الأرض والله سبحانه وتعالى يخبرنا بأن النموذج الأصلح هو الأتقى وبالتأكيد سنشهد نماذج جديدة مصداقا لقوله تعالى.

فالمصائب والكوارث هي سنة الله في هذه الحياة وليست انتقاما من الله وهي مؤشر لتنبيه الناس على مساراتهم الخاطئة لتصحيحها وسلوك الطرق الأصلح وارتقاء البشر مدارج التقدم العلمي وعندئذ يكافئ الله البشر مصداق ما قال سبحانه:)سَنُرِيهِمْ آَيَاتِنَا فِي الْآَفَاقِ وَفِي أَنْفُسِهِمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الْحَقُّ أَوَلَمْ يَكْفِ بِرَبِّكَ أَنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ( [فصلت41/53].

ونفهم من ذلك أن الأحداث الصعبة التي يتعرض لها البشر هي لدفعهم للتفكير والتخطيط والتغلب على مشاكلهم ليتمكنوا من رؤية آيات الله في الآفاق وفي الأنفس واستثمار الموارد والنعم بالصورة الصحيحة

وأخيراً هل سندرك نحن المسلمين بأننا مطالبون بأمرين اثنين هما : الاتكال على الله حق التوكل  ثم مواجهة المشاكل التي تعترضنا فتنقلب سلما نرتقي به درجات التقدم نحو الأمام، وإلا تنعكس كارثة فتدحرنا مسافات نحو الوراء غرباء عن التاريخ.

 

 

 

إضافة تعليق

6 + 7 =
Solve this simple math problem and enter the result. E.g. for 1+3, enter 4.