وحدة الفكرين الديني والفلسفي

يجادل الكثيرون في أسبقية التفكير الديني او الفلسفي، بنفس الوقت الذي يجادلون فيه في نسبة الأسطورة الى أي منها
الكتاب: وحدة الفكرين الديني والفلسفي
الكاتب: أبو يعرب المرزوقي
الناشران: دار الفكر المعاصرـ بيروت ودار الفكر ـ دمشق
يجادل الكثيرون في أسبقية التفكير الديني او الفلسفي، بنفس الوقت الذي يجادلون فيه في نسبة الأسطورة الى أي منها، وإن كان البعض يرى في تحرر الفكر من الأسطورة ودخوله الى النسق المنطقي نشأة الفكر الفلسفي كما حدث مع طاليس الذي أعاد نشأة الكون الى الماء وكان ذلك أول تفكير كلي او بنائي ميّز الفلسفة عن غيرها من العلوم وأصبحت بالتعريف إرجاع الجزئي الى الكلي، في حين يرى آخرون أن التفكير الديني القديم قدم الانسان نفسه إذ تظهر الحفريات الأثرية وجود دلائل على نشأة الهاجس الاعتقادي لدى انسان الكهوف مما يدل على ارتباط الميتافيزيقا مع الوجود الانساني.
وقد انتقل الجدل نفسه الى التراث العربي الاسلامي فيما بعد حول أولوية التفكير الديني او الفلسفي في النشأة لدى العرب او انفصالهما او اتصالهما عن بعضهما البعض، لذلك يحاول أبو يعرب المرزوقي في كتابه (وحدة الفكرين الديني والفلسفي) الصادر عن دار الفكر بدمشق، أن ينحاز الى أن المؤثرات الدينية هي التي أهّبت الفكر الفلسفي العربي لظهوره ووجوده، ويصل الى ذلك انطلاقاً من اعتبار أن مناط التوحيد بين الفكرين والإشكاليتين الفلسفية والدينية كانت بؤرة الخلاف في الماضي والحاضر، غير أن حسن اختيار منهجية البحث والاستدلال هي التي تمكن من فهم الصلة بين دور الفكر النقدي وما طرأ على الإشكاليتين من تغير بمقتضى ما حصل فيهما في الحقب اللاحقة.
مبادئ العقل
فلما كانت أم المسائل الفلسفية هي مسائل مبادئ العقل والنظر (عدم التناقض والثالث المرفوع والهوية ـ بما هي طبيعة ـ مبادئ أرسطو) وأم المسائل الدينية هي مسألة مبادئ الشرع والعمل (الترجيح والتحقيق والهوية ـ بما هي شريعة ـ) وكانت كلتا المسألتين الأم تلتقيان في بؤرة خلافهما الظاهري، أي في نظرية القيم وما تطرحه من إشكالية، فإن اثبات التفاعل الحي بين الفكرين الفلسفي والديني والتمازج بينهما يؤدي الى فهم المسألتين في ضوء ما حققه فكر الحنيفية المحدثة من تجاوز لإطلاق المقابلة بين أساس مبادئ العقل والنظر أي نظرية الطبائع والتحليل وأساسها المستند الى سببية الضرورة الطبيعية فيها، وأساس مبادئ الشرع والعمل أي نظرية الشرائع والتأويل وأساسها المستند الى سببية الحرية الانسانية فيها، شرط أن نتحرر من مواصلة القول بأن العقل الانساني يحتاج الى الوحي لكونه محدوداً. لكأن الوحي علم بما يعجز العقل عن علمه. فعلم الغيب ممتنع على الأنبياء امتناعه على غيرهم، وإذن فهذا الزعم مجرد ذريعة لتبرير سلطان الفقهاء الذين صاروا سلطاناً روحياً معارضين بذلك أكبر ثورة في تاريخ الفكر الديني، أي ثورة الاستغناء عن الوسطاء، فلا علم إلا بالعقل، بشرط فهم العقل فهماً سليماً، أي تحريره من التصور الجوهراني عند الفلاسفة، وحدود العقل هي عينها حدود العلم، إذ ليس الوحي بأوسع من العلم العقلي، فهو في الاسلام على الأقل لا يتعلق بعلم متجاوز للعقل، بل بعلم حدود العقل التي تغيب عن بال العقل عندما يجحد وينسى، وتحضر بمجرد أن يشهد ويذكر، فالوحي تذكير بهدف المحدودية ودعوة للاعتبار لا غير.
وبذلك فالدين الاسلامي يقوم على صفتين هما من أهم نصوص الرسالة المحمدية، أولاهما هي الاعتقاد الصريح في التوحيد بين الدين الطبيعي الأسمى والدين المنزل الأتم لكونه دين الفطرة، وثانيهما هي الاعتقاد الصريح في ختم الوحي، او نهاية التنزيل لكون المجرى الطبيعي للخلق يتحد فيه التاريخي والطبيعي، وبنفس الوقت لا يجب النظر الى الفكر الفلسفي بشكل وثوقي أعمى عن طريق التسليم الساذج بأسطورة العقل ذي المصير الغربي حصراً، عندها نستطيع اكتشاف المشترك بين محاولات فلاسفة اليونان وعلماء الاسلام في الكشف عن مبدأ الهوية التام. فاليونان سعوا الى التعالي على التحكم الوضعي الشرقي الأول أي المصري البابلي. والمسلمون سعوا في علومهم الاجتهادية على التعالي على تحكم السلطان الروحاني. وهكذا فمبدأ الهوية كان بحاجة الى اكتشاف جديد لم يحصل إلا بفضل نقد الفلسفة العربية بطوريها الكلامي الخالص، ثم الكلامي الفلسفي للفلسفة اليونانية، وقد حدث هذا الاكتشاف الجديد على مرحلتين، إحداهما نفت عن الهوية القيام الذاتي دون نفي التحديد الماهوي والثانية نفتهما معاً (نفي الشيئية والوجود).
الصوفية والفلسفية
ويكمن الجهد الثاني الذي أبدعه الفكر الديني للتأثير في التفكير الفلسفي في إحاطة حدي التجربة الدينية الصوفية (موسى وعيسى) بحدي التجربة الفلسفية العلمية (أفلاطون وأرسطو) القديمتين من حيث الزمان والمعنى، هي التي جعلت من النقد المحمدي للتحريف الديني غاية التوحيد التام بين الفكرين الديني والفلسفي وبداية الوحدة الجوهرية بينهما، حتى عندما ينفصلان مؤسسياً، فيكون كل منهما متضمناً للآخر، وإن بأسلوبه الذي يخصه. ففكر الحنيفية المحدثة الأصلي المتخلص من الجحودين ومآزقهما يؤكد رفع التقابل بين الفلسفة والدين وعلى إرجاعه إياهما الى الأصل الواحد الذي هو الموقف الشهودي من آيات الباري، الموقف الذي يتعين في الإدراك الجمالي لآيات الخلق والأمر اللذين يعد الاعتبار بهما أهم تعيينات الشعر المطلق اشرئباباً الى فهم الإعجاز كما أوضح ذلك المرزوقي في كتابه السابق ( في العلاقة بين الشعر المطلق والإعجاز القرآني).
فالحضارة الاسلامية إذاً حضارة ذات رسالة خاتمة أولاً وآيتها معجزة إبداعية وفكرها ساعٍ الى التوحيد بين الدين الطبيعي والدين المنزل في مفهوم الفطرة وذلك بالاستناد الى موقفٍ أساسه نقد التجارب الدينية السابقة، وسلطان الإجماع الاجتهادي بديلاً من السلطان الروحي المعصوم. إلا أن المرزوقي يقع في فخ التعميم بشكل يمنعه من تلمس الإشكاليات الرئيسية المتعلقة بالفكرين الديني والفلسفي. فهو مثلاً ينقد الدولة الشمولية الحديثة سواء أكانت شيوعية ام ليبرالية، معتبراً انها مجر عودة صريحة للنموذج الفرعوني البابلي دون أن يحاول كشف آليات الفعل السياسي والاجتماعي المختلفة في كلٍ من الدولتين، كما انه لا يجد في الجامعة الغربية إلا نموذجاً لتقاسم الدولة والكنيسة وأن كل من لا ينضوي تحت هذين التنينين تلفظه الجامعة لفظ النواة، وأن هؤلاء الملفوظين هم حملة لأعراض تنذر بالخطر الذي يتهدد الحضارة الغربية والانسانية كلها، ولكن دون أن يذكر سلطة السوق او الإعلام التي تمارس هيمنة بشكل كلي على المجتمع الغربي. ومقابل هذه الاختزالية في قراءته للمجتمع الغربي يحاول إعادة الفكر العربي والاسلامي باستمرار كما في كتبه السابقة الى ابن تيمية وابن خلدون اللذين شكلا نهاية نموذج الفكر العربي والاسلامي في الحضارة العربية الاسلامية. فابن تيمية سعى الى هدم الميتافيزيقا ببعديها الوجودي والمعرفي وذلك لتأسيس شروط الأمر الشرعي الذي لا ينافي الأمر الكوني. أما ابن خلدون فقد حاول تهديم ما بعد التاريخ ببعديه الوجودي والمعرفي لتأسيس شروط تحقيق القيم الاسلامية في دولة تنبني على الحريات الخمس الأساسية بحسب القيم والمؤسسات الاجتماعية الخمس وهي التربية التحررية في الأسرة والعمل التحرري في المؤسسة الاقتصادية والتعليم التحرري في المدرسة والتشريع التحرري في الدولة والعقيدة التحررية في المعبد. وهكذا فالمرزوقي مولع بتأسيس لنموذج تيمي وخلدوني معاصر واستحضارهما بشكل يعكس باستمرار أفضليتهما على الفكرين الغربي والعربي المعاصر وهو لذلك يقع باستمرار في فخ الاختزال والتبسيط عن طريق عقد مقارنات تفتقد الى تحقيق تناسب الشروط الاجتماعية والاقتصادية والسياسية عند عقد المقارنة، غير أن المرزوقي دأب على ذلك منذ كتابه (إصلاح العقل) وحتى كتابه (وحدة الفكر بين الديني والفلسفي) بشكل يعكس مشروعاً يدأب الكاتب على تحقيقه رغم كل الانتقادات والملاحظات التي يتعرض لها في كتاباته، فهل في ذلك شعور عميق بعدم جدوى النقد وسطحيته كما اتهمه باستمرار، أم عدم رغبة من الكاتب نفسه على تغيير ما ابتدأه او على الأقل إعادة النظر في ما اختطه سابقاً.

إضافة تعليق