وقفات مع الشعر الفلسطيني الحديث المعنى والعدم في ديوان "كتابة الصمت" للشاعرة نداء يونس (الجزء الأول )

الاسير الفلسطيني الكاتب كميل ابو حنيش يكتب من داخل زنزانته في السجون الاسرائيلية: قبل خمسة سنوات طالعت الديوان الأول للشاعرة الفلسطينية نداء يونس والذي حمل الاسم "أن تكون أكثر" فاستوقفتني الكثير من نصوص هذا الديوان التي امتازت بعمقها ومضمونها وتساؤلاتها الكبيرة، وقبل شهرين تسنى لي الاطلاع على ديوانها الجديد "كتابة الصمت"، والذي طالعته عدة مرات، إذ ليس بوسع أي قارئ مُتذوق للشعر إلا أن يتوقف ويتأمل هذه النصوص، فالشاعرة جريئة في طرح الأسئلة الكبيرة ومُقاربتها ولا تحفل بالتابوهات، كما أن نصوصها تعكس نُضجًا وثقافةً ووعيًا، كما أنها تمتاز بقوة الحدس والاحساس العميق والقُدرة على تمثُل الأزمنة والتاريخ الإنساني والثقافي.

 وهذا الديوان "كتابة الصمت" هو في الواقع ديوانين جعلتهما الشاعرة في كتابٍ واحد حيثُ اختارت اسم "أنائيل" للديوان الأول، أي "أنا هو" وأنائيل كلمة مُركبة تتكون من ضمير المُتكلم بالعربية وضمير الغائب بالفرنسية "IL" فيما أطلقت اسم "بروفايل للسيد هو" على الديوان الثاني، وربما آثرت الشاعرة ضم الديوانين في كتابٍ واحد لتماهي اللغة الشعرية في الديوانين وانطوائهما على ذات الفلسفة والرسالة والوسيلة، فلهذا فإننا وأثناء مُقاربتنا للنصوص الشعرية في الديوانين لن نلجأ الى مُسمى الديوان الأول أو الثاني وإنما سنتعامل معها كنصوص لديوان واحد مثلما اختارته الشاعرة (كتابة الصمت)، وقد جاء اختيار المُسمى مُوفقاً لما تضمنته النصوص من لغة واحساس وبوح صامت لكنه صمتٌ يضِجُ بالكلام.

 للشاعرة فلسفتها الخاصة التي انطلقت من الذات لسبر الوجود، واختارت الجسد ليُشكلَ مُنطلقاً أو مُختبراً في بحث الشاعرة عن معنى الوجود وأسراره، هذا الجسد برغباته الحسية ولغته الباطنية ونداءه السري وأحاسيسه وشيفراته يروي حكاية وجودية ويطرح أسئلة فلسفية، فتأملته كعالم صغير يحوي في داخله اسرار العالم الأكبر.

 واذا اختصرنا الديوان بكلمات، فهو نصٌ يمشي الهوينى على حدِ سكينٍ ويشقُ طريقاً وعرة بين المعنى والعدم، فالشاعرة تتسائل وتبحثُ وتتقصى وتنفعل وتُجيب وتصرخ وتصمت وتكر وتفر وتُقاتل وتهرب وتظهر وتختفي، ونصوصها لا تشوبها الضحالة والسطحية ولا تبتذل ذاتها باستحضار واستشراف الرغبات الحسية بصورةٍ مُباشرة، بل تبحث عما هو كامن وعميق وما هو دائم وليس ما هو عارض.

 ونداء يونس المُندهشة كطفلة أمام الاكتشاف نجدها تغذ خُطاها سعياً وراء ما تُنبئ به النصوص من إشارات، وكلما فكَّتْ لغزاً أو طلسماً نراها تحتفي ثم لا تلبثُ أن تلهث وراء اكتشافٍ آخر، فنصوصها لا تعرفُ الشبع والاكتفاء والارتواء.

 وإذا كان الديوان قد حمل عنوان كتابة الصمت إلا أنه صمتُ المُتأملين والمُستغرقين في حياتهم الباطنية الذين يتحدثون لغة باطنية فالصمتُ لغة وكُل صمتٍ نحياهُ ما هو إلا صمتٌ يضِجُ بالكلام.

 وبهذا الصمت ثمة حوار مُستعر بين الـ"أنا" وظلها، وجرياً على عادة الشعراء العرب منذُ امرؤ القيس (قفا نبك..)، والشعر العربي وفيٌّ لذلك التراث ولعل أبلغ عبارةٍ قيلت في هذا الشأن كانت بقلم الرِوائي العربي الياس خوري في رواية "أولاد الغيتو" حين أنشأ يقول: "علمني امرؤ القيس المُثنى حين تنقسم أنا الشاعر الى نصفين، وتصيرُ الأنا هي مرآة الذات المُنكسرة على ظلال الشاعر في الصحراء، ويصيرُ الحوار بين الأنا والـ أنا هو بداية العلاقة بين الكلمات والموسيقى"، ثُمَ يُضيف في ذات الرواية: :"لا شيء يُعادل الشعر سوى فواصل الصمت التي تضبط ايقاعاته على إيقاع الروح".

 ليس  اسمه مُصادفةً، كما أنه ليسَ مُصادفةً أن يحمل في جزئه الأول منحوتة: (أنا هو) الأمر الذي يعكس العلاقة بين الأنا وظلها على طريقة الشعر العربي أو ينطوي على لغة التصوف الحلولية على مذهب الحلاج (أنا هو وهو أنا)، لنجد الشاعرة قد أهدت ديوانها بهذه الصيغة "إليه الذي أراه في مرآة لا أحملها"، فمن هو ذلك الذي تراه في مرآة لا تحملها؟ هل هو أناها الآخر؟ قرينها؟ معشوقها المُترائي في مخيالها؟ المعنى الكامن في وجدانها؟ ظلها الشفيف اللامرئي، إلخ، ومن هنا فإن نصوصها ما هي إلا مُحاولة دؤوبة لتُرينا ما يترائى لها في تلك المرآة التي تجهل الشاعرة مكانها.

 الصمتُ كلام ولكن من نوعٍ آخر، إنه الصمت الذي ينطوي على ما يُمكن أن يُقال أو ما لا يُقال أو ما ينبغي أن يُقال، إنه الصمت الحُر والشجاع، ففي حضرة الصمت، لا نختبئ وراء الأقنعة والستائر، في الصمت بوسعنا أن نتحدث بصراحة ونكون أكثر شجاعة وشفافية، وبمقدورنا أن نقول بصوتٍ مرتفع أن الملك عارٍ، وفي مرآة الصمت نكون أكثر وضوحاً وعُريِّاً في الظاهر والباطن.

 وبهذه التأمُلات تُتحِفُنا نداء بعد أن جعلت الجسد مرآةً تعكسُ الوجود، وجعلت الوجود مُكثفاً في الجسد، ومثلما قال قطب الصوفية الأكبر ابن عربي: "الإنسان كونٌ صغير والكونُ انسانٌ كبير"، أو كما تقول إحدى عبارات الصوفية "إنك العالم والراصد والمرصود".

 

لنتأمل هذه النصوص الجريئة في رحلة بحث الشاعرة عن المعنى في قلب العدم وعن الحقيقة وسط السراب وعن الحضور في رحم الغياب من خلال المحاور الستة التالية:

 أولاً: البحثُ عن المعنى

 كانت رحلة الانسان منذ أن بدأ يُدركُ وجوده في الطبيعة هي رحلة البحث عن المعنى، وقد تبدت هذه الرحلة فيما تركه لنا الانسان القديم من رسوماتٍ على جدران كهوفه والمنحوتات والنقوش على الصخور والألواح الطينية التي حملت لنا أساطيره وملاحمه الشعرية وآثاره وأبراجه وأهراماته ومُعتقداته، ضمن اشارات أخرى، وكلها شاهدةٌ على تلك الرحلة الروحية، فالعقل الإنساني لا يُصدق ولا يستوعب فكرة العدم الذي يُؤرق الشاعرة كما يؤرق أي انسانٍ عاقل وتستحضره من خلال أسئلة تتجاوز الذات الإنسانية والعالم الفيزيائي، فانهمكت بالبحث بدءً بذاتها جسداً وروحاً، وسبرت أغوار دهاليزها الباطنية ورغباتها وهواجسها وأحزانها وأفراحها ومواطن قوتها وضعفها واتساعاتها وانكماشاتها، لذا نجدها في قصيدة "نشيد" في افتتاحية الديوان تقول:

 لي جارانِ في بدني/ هما قلبي ونجواه

ولي نهران يصطخبان/ من صمتٍ ومعناه (ص10)

 إن هذا الحوار تُجريه الشاعرة بين الـأنا وظلها وهي تختبئ تحت قوقعة الصمت بحثاً عن المعنى في ثُنائية الروح والحس، الانسان والطبيعة، الفيزيائي والميتافيزيائي، الوجود والعدم، ثم نجدها تهتف:

               فهل حقاً ستُدركهُ/ وتأتينا بمعناهُ (ص11)

 

وهذه الأبيات في قصيدة "نشيد" العمودية الايقاعية هي القصيدة الايقاعية الوحيدة في هذا الديوان، ورُبما تُشكِّل أبياتُها مفاتيحًا لنصوصها اللاحقة، لتشرع بعدها في نظم نصوصها النثرية في محاولةً لسبر أغوار معنى الوجود، فالشاعرة ظمأى للحقيقة ونجدها تلهث ورائها في الصحراء فتتراءى لها ثم لا تلبث أن تنطفئ الصورة ولا يتبقى سوى ما يُخلفه السراب بعد أن يتراءى.

وفي أحد نصوصها تهتف الشاعرة:

 الدمع أسود

الليل أسود

الحلم أسود

لا أعرفُ لوناً آخر

خارج حدود الشمعة (ص14)

 هذا التشاؤم من الظلام الوجودي يأتي على شكل احتجاج، والشمعة هي الوعي الإنساني غير المُتاح له أن يُدرك خارج حدوده، وليس بوسعه أن يتجاوز حدود وعيه وحواسه، وفي حال انطفاء الوعي أو الادراك، عندها سيسود الظلام. هذا نصٌ ينطوي على الاحتجاج على غياب المعنى أو بالأحرى هاجس غياب المعنى، عندها ستتشابه الألوان كلها في ظلام العدم، فالشاعرة تتوق لرؤية الألوان خارج حدود الشمعةـ وترى المُتجاوز منها، وهو بعكس ما تمناه أبو علاء المعري -ضرير البصر- الذي يود أن يرى الأشياء في قلب ظلام العدم، حين يقول:

 يود أن ظلام الليل دام له/ وزيد فيه سواد القلب والبصر

 

يتمنى هذا الشاعر أن تزداد حلكة ظلام الليل وشدة سواد القلب والبصر لأن في الظلام الدامس بوسع الإنسان أن يُفعل خياله، فتكون الرؤية أكثر وضوحاً لا سيما حين نستحضر للمخيلة المشاهد والصور والأحداث. تواصل الشاعرة في نصٍ آخر:

 ‏أ‏دور ‏مع المريدينَ 

‏ليس ‏ليحملنِي الهذيانُ

‏أ‏و ‏أ‏رى على ‏‏أطرافِ تنورةٍ

‏ما يقرؤُه ‏العارفون،

‏بل لأرى صورتَك

‏في مرآةٍ؛ ‏      

         ‏لا ‏أ‏حمِلها‏ (ص42)

 هي أيضاً تبحثُ عن الصورة المتجاوزة للحواس، تُجرب الطرق الصوفية ليس لأغراض الوصول الى نشوة الهذيان أو حالة الانخطاف الصوفية بل لترى الحقيقة وإدراك المعنى، ولربما يكون بوسعها أثناء تأملاتها أن ترى ما لم يره غيرها، والمرآة التي لا تحملها هي حدسٌ خارج الحواس والادراك المُباشر، ربما الهام أو إشارة يلتقطه/ها مخيالها من عالمٍ آخر مُتجاوزة الطبيعة، يأتيها على شكل ومضة حلم، ثُم نجدها تستدرك بالقول:

 لا أقولُ أن الانعكاس ضرورةٌ

بل أن الظل اثباتٌ على نجاة الكائناتِ

لا من الحبِ

بل

من العدم (ص42)

 

لا تلمس الشاعرة الصورة في تجليها الكامل كما تنعكسُ في المرآة، إنها مُجردُ ايماءةٍ أو اشارةٍ أو دليلٍ يُنقذها من الوقوع في هاوية العدم، بل تلمس ظلالاً مُتحركة أو ثابتة، لأن الظلَ اثباتٌ على وجود شيء مادي، ومجرد وجود الظل كافٍ للنجاة من اليأس والعدمية واللامعنى، فالكائنات تنجو بالحب لكنها لا تنجو من العدم، لذا هي تنشُد النجاة لا من الحب بل من العدم، لأن الحب ينطوي على المعنى وموازٍ للعدم.

 

وربما تستبطن الشاعرة فلسفة أفلاطون ونموذجه في المُثُل الأزلية المُترائية كظلالٍ على جدران الكهف، وهذه الفلسفة نجد لها صدى في العديد من الفلسفات، كما في هذا البيت الذي جاء على لسان أحد الشُعراء المُتصوفين:

 

كُلُ ما في الكونِ وهمٌ أو خيال

أو عكوس في المرايا أو ظلال

 وهذا البيت يُناقض نفسه إذ يجمع الوهم بالحقيقة والمعنى بالعدم، فالانعكاس دلالة على وجود شيء، والظلال أيضاً تدل على الوجود المادي للأشياء وما دون ذلك فإنه لن يكون سوى الوهم والخيال والعدم، وفي نصٍ آخر تقول الشاعرة:

 للبحرِ حكايةٌ أُخرى

غير التي يرويها الموجُ،

لو تسأل الصَدَفةَ (ص52)

إضافة تعليق

2 + 14 =
Solve this simple math problem and enter the result. E.g. for 1+3, enter 4.