ولا يزالون مختلفين إلا من رحم ربك

هكذا قدر الله للبشر أن يكونوا مختلفين.. نعم فالاختلاف سنة كونية وهذه حقيقة قد تغيب عن الكثيرين، رغم وضوحها وتأكيد ربنا عز وجل عليها في مواضع قرآنية عديدة {وَمِنْ آَيَاتِهِ خَلْقُ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافُ أَلْسِنَتِكُمْ وَأَلْوَانِكُمْ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآَيَاتٍ لِلْعَالِمِينَ} (الروم: 22)، {وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ لَجَعَلَ النَّاسَ أُمَّةً وَاحِدَةً وَلا يَزَالُونَ مُخْتَلِفِينَ. إِلاَّ مَنْ رَحِمَ رَبُّكَ وَلِذَلِكَ خَلَقَهُمْ...} (هود: 118-119)، وكما يقول المفسرون: «فللاختلاف خلقهم»! {لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنْكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجًا وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَجَعَلَكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَلكِنْ لِيَبْلُوَكُمْ فِي مَا آتَاكُمْ فَاسْتَبِقُوا الْخَيْرَاتِ إِلَى اللَّهِ مَرْجِعُكُمْ جَمِيعًا فَيُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُون} (المائدة: 48).
لماذا التعصب؟
من طبيعة البشر الميل لذاته وحبه لنصرة نفسه وهو هوى في نفوسنا إن لم نضبطه سيتحول إلى كارثة تسمى «التعصب»، فهو خطر إن أصبح توجهًا في الفكر والسلوك والحياة عامة لأنه يقف في وجه التفاهم ويمنع الحوار والتسامح والتعايش، فرفض فكرة الاختلاف وقابلية أن نختلف يدفع للتعصب على المستويين المعرفي والسوسيولوجي، حيث يتجه العقل إلى المطلق الفكري والديني والاجتماعي وغيره، ونحو إقصاء الآخر ورفض فطرة التباين وسنة التغيير والنقد.
التعصب جمود
إن المتتبع لسيرة ومسيرة حضارتنا الإسلامية يجد أن ازدهارها لم يتوقف ونموها لم يندثر إلا عندما تجمدت العقول وتعصبت للأفكار والآراء دون بحث عن تطوير وتكيف مقبول مع الواقع المتغير، تكيف يحفظ للناس دينهم بقدرته على مواكبة النقلات الرهيبة في حياتهم بصوره ومجالاته وتكويناته الجديدة.
ولعل من المفارقات التي تؤكد على قولنا أن الحضارة الغربية ذاتها انهارت عندما خضعت لتعصب رجال الدين لآرائهم دون احترام للتطور، وما فعلته الكنيسة بجاليليو وعلماء التنوير شاهد على ذلك.
الاختلاف والبناء الحضاري
الحضارة لم تكن يومًا حكرًا على أحد فهي مسار دفع فيه أغلب البشر وساهموا في تشييده، والقول بغير ذلك تعصب وعدم إنصاف، والاختلاف باب من أبواب التطور والتجديد، فصلاحية الفعل الحضاري تختل عند الركون إلى التعصب بسائر درجاته وأنماطه ومجالاته، ولا يمكن لها أن تؤدي خلق بعث حضاري في حالة سيطرة فكرة أو منهج أو منظور على الفعل دون احترام الاختلاف بين البشر، وليس أدل على ذلك من حالة الكون الحالية في ظل التحيز المادي الغربي غير الأخلاقي لحضارته وأفكاره مع إنكاره لباقي مكونات العالم، فالتأسي والتدافع هو ضمان للعمران ومحط قيام الحضارات السليمة الفطرة كالتي قام عليها الإسلام كرسالة.
الإسلام رسالة
إن ما يميز الإسلام كتشريع حضاري أنه استوعب هذه السنة في طرحه وقيامه، فهو أسس لرؤية الكون المحكوم بإله واحد دون فرض الانتماء للإسلام على الناس {لا إكراه في الدين} (البقرة: 256)، كما أنه جعل المسلمين إخوة في الإيمان وجعل الناس إخوة في الإنسانية «أيها الناس» ومن هديه " صلى الله عليه وسلم" ما جاء في صحيح البخاري عن جابر بن عبدالله رضي الله عنهما قال: مرت بنا جنازة فقام لها النبي " صلى الله عليه وسلم" وقمنا به فقلنا: يا رسول الله، إنها جنازة يهودي! فقال إذا رأيتم الجنازة فقوموا»، وفي البخاري أن النبي " صلى الله عليه وسلم" مرت به جنازة فقام ، فقيل له: إنها جنازة يهودي! فقال: «أليس نفسًا».
فالإسلام جاء رسالة لا انتقائية فيها، لا يرتبط بزمان أو مكان صالح لكي يحيا بين البشر على اختلافهم ويستوعب وجود غير المسلم في دولته وتحت تشريعه دون ظلم له أو افتئات مع ضمان الاحترام الكامل للاختلاف بين المسلم وغيره.
توصية
- من أروع ما كتب في هذا الشأن: «ولا يزالون مختلفين» المؤلف: د.سلمان بن فهد العودة، التقديم: د.عبدالوهاب بن ناصر الطريري- الناشر: مؤسسة الإسلام اليوم: 2008م
كاتب مصري

إضافة تعليق