وهم الحضور في لغات العالم المركزية

يتهافت الكتّاب العرب، وغير العرب أيضاً، على الترجمة؛ أي على نقل أعمالهم التي ينتجونها بلغاتهم الأم إلى لغات أخرى، طمعاً في الانتشار وكسب قراء جدد، وتحصيل شهرة قد لا يجدونها في ثقافاتهم وديارهم. وقد تبلغ الرغبة في الحضور في الثقافات الأخرى، خصوصاً الغربيّ منها الذي ينتمي إلى ما يسمى الميتروبول (أي ما يمثّل دول المركز وعواصمها واللغات المركزية الواسعة الانتشار بين البشر: الإنكليزية والفرنسية والإسبانية على وجه الخصوص) حدّ الهوس. وعادةً ما لا يهتم الكتّاب العرب كثيراً باللغات الأقرب ثقافياً ولغوياً وجغرافياً، أي بالتركية والفارسية والصينية واليابانية والكردية على سبيل المثال لا الحصر، لأن هذه اللغات لا توفّر لهم حضوراً في ثقافات العالم المركزية وعواصم العالم الأول القادر على تسليط الضوء عليهم وتنبيه الثقافات الأخرى التي تمرّ عبر الوسيط الغربيّ نفسه.بسبب هذه الرغبة، التي يمكن أن نصفها أحياناً بأنها ملحاحة وجامحة ووسواسيّة، فإننا نعثر في سير كتّابنا الذاتية على عبارات تفيد بأنهم مترجمون إلى لغات عالمية عدة، وأن بعض أعمالهم قد وصل عواصم الثقافة في العالم من طريق الترجمة. وفي الحقيقة أن معظم هذه الأعمال العربية المنقولة إلى بعض اللغات الغربية، وحتى غير الغربية، مطبوعٌ لدى دور نشر صغيرة، بعضها محليّ وفرديّ ومحدود التوزيع يعتمد على المعاهد والجامعات التي تهتم بالتعرّف إلى وقائع السياسة والمجتمع والأنثروبولوجيا في العالم العربي. هذا يعني أن الأدب في هذه الحالة يتحوّل إلى مجرّد وثيقة اجتماعية وسياسية يقرأها المتخصصون من ذوي الاهتمامات الاستشراقية أو الأنثروبولوجية، ويفقد قيمته الأدبية الفنية وقدرته على أن يصبح جزءاً من السلسلة الأدبية في الموروث الثقافي العالمي.
ثمّة بالطبع أسباب جيواستراتيجية تقيم في أساس الاهتمام من عدمه بالأدب العربي المعاصر، بعضها متصّل بالرغبة في الفهم ومعرفة كيف يفكر العرب والمسلمون في جغرافيا معادية في حالات، غنيّة بمصادر الطاقة الضرورية لتشغيل الصناعات الغربية في حالات أخرى. وهذا مشروع بالنسبة الى الجهات التي تموّل أو تشجع على ترجمة أعمال أدبية عربية بعينها دون أخرى. كما أن عدم الاهتمام بصورة كافية بالأدب العربي، بالمقارنة مع آداب أخرى مثل الأميركية اللاتينية واليابانية، مفهوم على خلفيّة الإحساس الغربيّ بأن الآداب العربية الحديثة متأثرة، بل طالعةٌ من رحم الآداب الغربية (وهو تصور صحيح في جزء منه خاطئ في معظمه)، ويمكن دور النشر الغربية أن تقول إن بضاعتهم قد ردّت إليهم. المهمّ في هذا السياق من اهتمامنا بنقل الأعمال الأدبية العربية إلى عدد من اللغات المركزية الغربية هو أن نعرف أن دورة النشر والتوزيع في سوق استهلاك الكتاب لها آلياتها وخصوصياتها؛ فليس الكتاب الأكثر توزيعاً هو الأفضل في العادة، وقد يكون العكس هو الصحيح في هذه الحالة. كما أننا بحاجة إلى حملاتٍ وجهّات تمويلية تدعم ترجمة الأدب العربي إلى اللغات الإنكليزية والفرنسية والإسبانية والألمانية والسويدية وغيرها... لنمكّن الأدب العربي المعاصر من الانتشار. لا تكفي جهود الكتّاب أنفسهم لتحقيق ذلك، ولا تكفي كذلك جهود بعض أقسام اللغات الشرقية في الجامعات الغربية التي تموّل ترجمة بعض الأعمال عن حسن نيّة أحياناً، أو لدوافع ذات طبيعة استشراقية في معظم الأحيان. فكثيرٌ من وزارات الخارجية، ومن ضمنها وزارتا الخارجية الأميركية والفرنسية على سبيل المثال لا الحصر، تقوم بتمويل ترجمة آداب بلادها وتسعى إلى انتشار لغاتها في طول العالم وعرضه.
دار الحياة

إضافة تعليق

2 + 9 =
Solve this simple math problem and enter the result. E.g. for 1+3, enter 4.