يسبر أعماق الروايات التاريخية في أدبنا الحديث .. حلمي القاعود .. إبحار في التـراث الروائي العربي الإسـلامي

الرواية التاريخية في أدبنا الحديث دراسة تطبيقية موسعة وجهد متميز قام به الأديب والناقد الدكتور حلمي القاعود، وهي إبحار ممتد في الرواية التاريخية من خلال اهتمام أكبر، يتوقف عند كثير مما أهمله الدارسون، أو مروا عليه مروراً سريعاً وخاطفاً، فهناك بعض المحاولات التي نظرت إلى هذا التراث نظرة عابرة، وبعضها توقف عند نماذج معينة، في حين اكتفى بعضها الآخر بتناول رواية من هنا وأخرى من هناك، ولكن يبقى هذا التراث الهائل من الروايات التاريخية، في حاجة إلى إعادة نظر، وإلى قراءة جديدة تغوص في أعماقه، وتكشف بعض مكنوناته.
وهذا ما حاول القاعود، القيام به في هذه الدراسة التطبيقية، التي صدرت طبعتها الرابعة مطلع هذا العام عن دار مبدعون للنشر والتوزيع بالقاهرة، فأسلوبه فيها واضحٌ وبسيط، وبعيدٌ عن الثرثرة والترهل، بما يساعد القارئ على فهم النص الروائي وتذوقه، من خلال استشهادات غزيرة، وطويلة في بعض الأحيان، ليعيش القارئ الجوّ الفني للرواية ويلمس عن قرب أسلوب الكاتب وأداءه التعبيري.
وفي مطلع الدراسة يؤكد القاعود أن الرواية التاريخية كانت من أهم ملامح صعود الحركة الرومانتيكية في الغرب، بوصفها طريقاً فنياً ممتعاً لاستعادة مآثر الآباء والأجداد والتأسي بها أو تطويرها. واشتهر الروائي الأسكتلندي ذائع الصيت والتر سكوت (1771 - 1832) بكتاباته الروائية في هذا المجال وتبعه كثيرون وساروا على خطاه.
وينظر القاعود إلى الماضي والحاضر نظرة متمحصة، فيؤكد أن ماضينا ليس شراً كله، وحاضرنا ليس خيراً كله.. في الماضي كانت هنالك مساحات مضيئة ومشرقة، وهذه المساحات مفيدة، واستدعاؤها ضروري كي نستفيد من معالمها وملامحها ودروسها.. ولعلنا نضيء بها مساحات مماثلة في الحاضر. وفي الماضي، كانت هنالك مساحات مظلمة وقاتمة.. وهذه المساحات مفيدة أيضاً، واستدعاؤها ضروري، كي نستفيد من عِبرها وعظاتها ونتائجها.
وكُتّابُ الرواية التاريخية في وطننا الكبير، في عصرنا الحديث، استوعبوا هذا الدرس جيداً لإيقاظ أمتهم بالفن، فأخذوا يبذلون جهوداً عديدة، أثمرت هذا التراث الهائل من الروايات التاريخية، إلا أن هذا التراث، في بداياته، كان يفتقر إلى المنطق الفني الصارم، فقد لقي بصفة عامة نوعاً من الإهمال والتجاهل، لا يتسق مع ما بُذل فيه من جهد وعناء.
ويحذر الباحث من تلك الأفكار والرؤى التي تحبذ الانفصال عن الماضي، وترفض التراث جملة وتفصيلاً، وتلهث وراء كل ما تقذفه نوافذ الغرب الثقافية.. وللأسف، فإن هذه الأفكار والرؤى يملك أصحابها قدرة ضخمة على مخاطبة الجمهور العريض من الناس بحكم سيطرتهم على أجهزة الإعلام ووسائل الاتصال الثقافي.
ويشير القاعود إلى الدراسات التي سبقته في هذا المجال وما يؤخذ عليها، فيقول: كانت هناك قراءة موجزة، وعميقة في الوقت نفسه، قام بها محمد حامد شوكت في دراسته حول الفن القصصي في الأدب العربي الحديث، وأشار فيها إلى عدد من النصوص الروائية التاريخية، ولكنه لم يتوقف طويلاً عند نماذجها. وهنالك قراءة نقدية وتاريخية قام بها قاسم عبده قاسم، وأحمد إبراهيم الهواري لأربع روايات تاريخية، تولى الأول الجانب التاريخي المحيط بها وأفاض فيه، وقام الثاني بالدراسة الأدبية، وكانت النماذج هي (أرمانوسة المصرية) لجرجي زيدان، و(اليوم الموعود) لنجيب الكيلاني، و(وا إسلاماه) لعلي أحمد باكثير، و(على باب زويلة) لمحمد سعيد العريان. ثم كانت هنالك قراءة نقدية لبعض روايات نجيب محفوظ التاريخية، وهي (عبث الأقدار)، و(رادوبيس)، و(كفاح طيبة)، تضمنتها دراسة عبدالمحسن طه بدر، في كتابه عن نجيب محفوظ- الرؤية والأداة.
وقد نعثر في ثنايا بعض الأبحاث والدراسات، على تناول موجز أو مفصل لرواية أو أكثر.. ولكنها في كل الأحوال لا تتوافر على دراسة الرواية التاريخية بوصفها لوناً روائياً متميزاً له خصائصه وجمهوره وتأثيره. ولعل هذا ما حفز القاعود على تخصيص هذه الدراسة للرواية التاريخية من خلال اهتمام أكبر، ومنهج يتوقف عند بعض ما أهمله الدارسون أو مروا عليه مروراً سريعاً.
وفي ذلك يقول: لقد تأملت النماذج العديدة من الروايات التاريخية منذ نشأتها على يد جرجي زيدان، وحتى أحدث النماذج التي صدرت عام (1989م)، ورأيت أنها - فنياً- تندرج تحت ثلاثة أقسام، الأول هو روايات التعليم، التي لا تتوافر فيها الأسس والمفاهيم الفنية لبناء الرواية بشكل كامل، أو يجعل منها أصحابها مجرد وسيلة لتحقيق غاية أخرى، مع التجاوز عن بعض مواصفات البناء الفني للرواية، وكان الهدف منه غالباً تعليمياً.
ومن أبرز أدباء اللون التعليمي والذين خضعت رواياتهم لهذه الدراسة: جرجي زيدان وروايته (فتح الأندلس)، وطه حسين (الوعد الحق)، وعبدالحميد جودة السحار (محمد رسول الله)، وعلي الجارم (غادة رشيد)، و(هاتف من الأندلس)، وإبراهيم الأبياري (مغيب دولة)، و(عذراء البصرة).
والقسم الثاني هو روايات النضج التي ظهرت على يد رواد الحرفة الفنية الناضجة أو جيل بناة الرواية العربية الحديثة، وهو الجيل الذي استوعب المقاييس الكلاسيكية التي عرفها الأدب الغربي الحديث، فأنشأ على هداها رواية تاريخية متكاملة الأركان قوية الأسس.
ومن روايات النضج التي أخضعها الباحث لهذه الدراسة: عنترة بن شداد، والمهلهل سيد ربيعة، وزنوبيا ملكة تدمر لمحمد فريد أبو حديد، وعلى باب زويلة، وشجرة الدر لمحمد سعيد العريان، و وا إسلاماه والثائر الأحمر لعلي أحمد باكثير، وأميرة قرطبة، وأحمس بطل الاستقلال لجودة السحار، وابن عمار لثروت عكاشة، والمنصورة لمصطفى هدارة.
أما القسم الثالث والأخير، فهو روايات الاستدعاء التاريخي، والتي تعتمد على اتخاذ التاريخ كإطار يتحرك في داخله الكاتب الروائي، مستعيناً بالخيال الروائي الفضفاض، ليعالج قضايا معاصرة وملحة، أغلبها يرتبط بالغايات الحضارية والسياسية، من دون التزام صارم بوقائع التاريخ.
ومن روايات هذا القسم التي خضعت للدراسة: الحرافيش، وعبث الأقدار، ورادوبيس، وكفاح طيبة، ورحلة ابن فطومة لنجيب محفوظ، وعمر يظهر في القدس لنجيب الكيلاني، ومن أوراق المتنبي لمحمد جبريل.
هذه الأقسام الثلاثة للروايات التاريخية لها قيمتها الموضوعية والفنية، وتأثيرها العلمي والجمالي، بالنسبة للقارئ العادي، والقارئ المثقف، والقارئ المتخصص. والنظرة الموضوعية المتواضعة، تكشف عن دلالات ينبغي أن نضعها في الحسبان عند تقويم الرواية التاريخية وبحث تطورها، ولا ينبغي أن نغفل هذه الدلالات، لأنها جزء من حكمنا وتقويمنا.
وقد آثر القاعود أن تكون دراسته وفقاً للتقسيم الذي استنتجه بعد طول تأمل.. وفي كل قسم ركز على أبرز النماذج التي تكشف عن غاية فنية أو موضوعية، لتكون دليلاً على ظاهرة وعلامة على منهج، وخص كل قسم بتوطئة تتحدث عن ملامحه ونماذجه، واعتمد على قراءة شاملة للنماذج الروائية التي تناولها، بحيث تشمل الكاتب والمكتوب معاً.. فقد ترجم للكاتب ترجمة موجزة، وذكر أعماله كلها أو معظمها، وتوقفت عند بعضها وقفات قصيرة أو طويلة بغرض التمهيد أو المقارنة خدمة للنص، وإلقاء الضوء عليه من زوايا أخرى. أما النص ذاته، فقد تناوله شكلاً ومضموناً، بناء وصياغة.. وتوقف عند بعض المفاهيم والرؤى التي تناولتها النصوص بالتفسير والتحليل، وبخاصة إذا كان الأمر يتعلق بالحدث التاريخي، الذي تناوله المؤرخون بالاتفاق أو الاختلاف.
وقد حَرَصْ القاعود، على أن يكون أسلوب القراءة في هذه الدراسة واضحاً وبسيطاً، مبتعداً في الوقت نفسه عن أساليب رديئة طغت على لغة النقد الأدبي في أيامنا، واتسمت بالتعقيد والتعتيم، كما قدم استشهادات غزيرة، وطويلة في بعض الأحيان، ليعيش القارئ في الجوّ الفني للرواية، وليلمس عن قرب أسلوب الكاتب وأداءه التعبيري.
وبعد سياحته الطويلة في أعماق الروايات التاريخية، يخلص إلى أنها تمثل فناً زاخراً بالكثير من المعطيات والدلالات على المستويين الموضوعي والشكلي معاً. ومن الملائم أن ندعو إلى التوجه نحو الجوانب المشرقة والمضيئة في تاريخ الأمة الإسلامية، بل في حياتها، وما أكثر هذه الجوانب، وبخاصة الجانب الحضاري، الذي أسس قاعدة جيدة للحضارة الحديثة في مجال العلوم والكيمياء والطب والثقافة والأدب والتشريع والقيم الإنسانية، الساطعة كالحرية والعدل وحقوق الإنسان.
ويؤكد أن الأمة الإسلامية تفيض بنماذج كثيرة من الرجال والنساء والحوادث، التي أثرت في مسيرة الإنسانية وجعلت شمس الكرامة تشرق على البشرية من دون منّ أو أذى، وهذه النماذج منجم ثري للمعالجة الروائية خاصة والإبداع الأدبي عامة.

إضافة تعليق