يوميات الحجر الصحي

مساءالخير أمي..إسمحي لي أن أكتب إليك هذه الرسالة من داخل الحجر الصحي هنا بمدينة تطوان.أكتب لك هذا اليوم لكي أطمئن عن أحوالك الصحية – بعد كل هذا الغياب القسري – وأقول لك بمناسبة: oعيد الأم*: كل سنة وأنت طيبة
وهي مناسبة، أجدني أنحني من خلالها تقديرا وإجلالا لك عن كل المجهودات والتضحيات التي قمت بها من أجلي منذ أن كنت صغيرا، وإلى أن أصبحت رجلا بعد أن استوى عودي. لقد كبرت (بالضمة) قليلا يا أمي، ويكبر معي حبي لك الذي أحمله معي في قلبي في كل زمان ومكان. لقد أمضينا تقريبا شهرين من الحجر الصحي في منازلنا بعيدا عن بعضنا البعض من دون أن أستمتع بطلتك ووجهك الصبوح وأنا أنزل القصر الكبير في زيارة خاصة عند عطلة نهاية الأسبوع. الآن يا أمي لم يعد هذا ممكنا ذلك في ظل القيود على السفر التي فرضتها السلطات المغربية بفعل انتشار الفيروس وعد احترام الناس لقانون الطوارئ الصحي. لا أخفي أني أتطلع بشغف وشوق لهذه الزيارة، ولذا فأنا فقط أنتظر فرصة رفع القيود على السفر لأزورك في أقرب وقت ممكن. لقد اشتقت إليك يا أمي، واشتقت إلى خبزك وقهوتك التي تذكرني بالطفولة. نعم ما زالت روائح تلك القهوة عالقة في خيالي وتستبد بي. كنا آنذاك صغار السن ونحن نستعد للذهاب إلى المدرسة. تصوري أني في بعض الأحيان أجلس في مقهى المركزية التي اعتدت ارتيادها هنا، فبعد أن يأتي النادل لخدمتي، أطلب منه قهوة بالحليب. وأنا أرشف وأستمتع بنكهتها، أشعر كما لو كانت هذه القهوة من صنع أياديك البيضاء، فأجدني ألتفت إلى من يقاسمني الطاولة من الأصدقاء ، فأقول له بتلقائية:
. « أنظر، هذه القهوة لا تختلف عن قهوة أمي »
لن أسألك عن أحوالك مع الحجر الصحي. أعلم علم اليقين أنك تمتلكين من القوة والصبر ما يجعلك قادرة على مواجهة هذا الحجر وتداعياته النفسية والاجتماعية، كما أعلم أنك قادرة على قهر سلطته، وأنا الذي خبرت روح نضالك ومقاومتك في الكثير من محطات الحياة
:ولما يدرك صاحبي حجم كيمياء الحب التي أحتفظ بها لك يا أمي، يقول لي
.يحدث هذا الأمر معي في بعض الأحيان
ومع تقدمي في العمر قليلا وتمكني من القراءة، أصبحت أفهم ما معنى أن ينظم محمود درويش قصيدة شعرية اختار لها عنوان «إلى أمي»، قصيدة يمجد ويحتفي من خلالها بأمه. وهي: القصيدة التي يقول في مطلعها
… « أحن إلى خبز أمي/ وقهوة أمي/ ولمسة أمي/ وتكبر فيّ الطفولة/ يوما على صدر يوم »
o::`أمي العزيزة
لن أسألك عن أحوالك مع الحجر الصحي. أعلم علم اليقين أنك تمتلكين من القوة والصبر ما يجعلك قادرة على مواجهة هذا الحجر وتداعياته النفسية والاجتماعية، كما أعلم أنك قادرة على قهر سلطته، وأنا الذي خبرت روح نضالك ومقاومتك في الكثير من محطات الحياة. ولهذا، فأنا فلن أبالغ إن قلت لك أني كثيرا ما أستمد منك كل هذه الطاقة التي جعلتني أقاوم من دون استسلام تبعات كورونا، بدءا من الحجر الصحي وما يلازم ذلك من التزام بالبيت والانخراط في ورشتي القراءة والكتابة وكذا القيام ببعض الأشغال المنزلية الضرورية. وحتى لا تفوتني المناسبة، أسألك هل ما زلت تتذكرين أيام مرحلة الابتدائي وأنا أتابع دراستي في مدرسة سيدي أبو أحمد. نعم لن أنسى تلك المرحلة، لقد كنت كثير التغيب عن المدرسة. بصراحة لقد كنت أدمن اللعب يا أمي، وأدمن الذهاب إلى السيرك الذي كان يحط في لالة العالية. لقد كانت تستهويني ألعاب الحظ والسحر، كما كانت تستهويني لعبة وسياقة السيارات الصغيرة التي تشتغل بالكهرباء. لكنك بما تمليكنه من ذكاء وبداهة ، كنت تنتبهين لتخلف عن المدرسة. أعلم أن كنت تذهبين خلسة إلى المدرسة لتسألين عن سيرتي الدراسية، كنت أخيب أفق انتظارك من حيث الحضور والنتائج. لن أنسى فضل بعض الأساتذة علينا أذكر منهم الأستاذ الطويل والعوفي و المصوري و فطومة و قريش.. كما لن أنسى الأستاذ محمد الجعادي رحمه الله وأحسن مثواه الذي كان يحبب إلينا المدرسة ومادته، بيبداغوجيته الخاصة والناجحة من دون اللجوء إلى العنف (الأسلوب التربوي التي كان سائد في نهاية الستينيات وبداية السبعينيات). كان هادئا وعطوفا وحنونا، فقد كان نعم الأب والمربي المثالي. الآن، لقد مرت الأيام والسنين وأصبحت هذه المحطات مجرد ذكرى نعود إليها كلما اشتقنا إلى ذلك الماضي الطفولي الذي ما زال حاضرا بيننا. لقد كان جميلا وبسيطا استمتعنا من خلاله بعمرنا الصغير ونحن نطير مثل الفراشات بين الربيع oوالصيف.
أمي العزيز
:أتمنى أن تصلك هذه الرسالة وأنت في أحسن الأحوال. وحتى لقاء قريب أقول لك
.انتبهي لنفسك و أنتظر منك المزيد من الدعاء لنا
.بارك الله في عمرك وصحتك
أحبك
ابنك المخلص
حسن اليملاحي
* ناقد وأستاذ مختص في النقد الروائي والقصصي
* عيد الآم في المغرب والجزائر وتونس في 31 أيار/ مايو

إضافة تعليق