" يوم الكتاب ..أفكار وحرائق!!"

رنة مميزة على تليفونى المحمول تعلن وصول رسالة تحمل أخبارا جديدة : "فى يوم الخميس 23 أبريل سيحتفل العالم باليوم العالمى للكتاب وحقوق المؤلف". قفزت تلك الرسالة القصيرة على شاشة تليفونى المحمول حاملة معها الكثير من المعانى التى أثارت عواصف من الأفكار فى عقلى.

 

فقد إنشغل عقلى فى الأسبوع الأخير بالكثير من الأحداث، كان من أبرزها وأكثرها إقلاقا هو ذلك الذى تعلق بالعاصفة الجدلية حول التعامل مع فكر ومؤلفات الأئمة القدماء وما تبعها من عاصفة إضافية تمثلت فى تبرع مجموعة من التربويين ـ بمبادرة شخصية منهم ـ بتنظيم إحتفالية حرق علنى لمجموعة من الكتب التى إستشعروا ـ بمبادرة شخصية منهم أيضا ـ أنها مصدر للتطرف الدينى ليعيدوا إلى الذاكرة إحتفاليات حرق الكتب فى عصر ما قبل سقوط الأندلس وفى عصور الظلام ومحاكم التفتيش بأوروبا، حينما كانوا يحرقون الكتب والمؤلف معا، أو حكم النازى فى ألمانيا خلال عقد الثلاثينيات من القرن الماضى عندما حاولوا الهيمنة على حرية الفكر البشرى فى مرحلة ما قبل إحراق ألمانيا وأوروبا والعالم بأسره خلال الحرب العالمية الثانية (1939ـ 1945).

ويبدو أننى لم أكن الوحيد الذى إستشعر ما حدث للكتاب فى العالم أو فى مصر وهو ما أكدته رسالة السيدة إيرينا بوكوفا المدير العام لليونسكو (منظمة الأمم المتحدة للتربية والعلوم والثقافة)، بمناسبة اليوم العالمى للكتاب وحقوق المؤلف عام 2015. لقد قالت بوكوفا فى رسالتها الموجهة إلى العالم : " لقد شهدنا في الأشهر القليلة الماضية هجمات استهدفت أطفالاً فى مدارسهم وتنظيم محارق علنية للكتب" !!

وترى اليونسكو أن الإحتفال باليوم العالمى للكتاب وحقوق المؤلف فرصة لدراسة واستعراض الطرق المناسبة لنشر ثقافة الكلمات المطبوعة والسماح للجميع بالوصول إليها، وذلك من خلال برامج محو الأمية وموارد تعليمية مفتوحة ودعم التوظيف فى مجال النشر وكذلك المكاتب ومحال بيع الكتب والمدارس.

لقد كان أمر الله الأول الذى تنزل على رسوله الكريم محمد صلى الله عليه وسلم هو "إقرأ". وقيل فى القراءة : "القراءة تصنع الرّجال" ـ فرانسيس بيكون. و"يقود الأمم هؤلاء الذين يقرأون ويكتبون" ـ فولتير. وقيل لأرسطو: "كيف تحكم على إنسان؟" فأجاب: "أسألُهُ كم كتاباً يقرأ وماذا يقرأ؟". 

وبعيدا عن كل ما قيل فى الكتاب والكتابة فإن صناعة الكتاب فى بلادنا أصبحت تتطلب المزيد من "التحسين" على كافة المستويات، بداية من المنتج ـ الكتاب ومحتواه ـ وصولا إلى ضوابط ووسائل حفظ حقوق المبدعين والناشر والقراء أيضا. فقد مرت عدة عقود وهناك رغبة فى تحسين حال الكتاب وصناعته وإيصاله لأكبر شريحة من الجماهير، ولكن ظلت تلك الرغبة مقيدة عند مرحلة التوصيات غير المطبقة إلا فى حالات محدودة كانت لها نجاحات محسوبة مثل مهرجان القراءة للجميع فى مصر.

لقد أكدت حالة عدم الإستقرار الفكرى التى يمر بها العالم العربى على وجه الخصوص والعالم بوجه عام أن صناعة جيدة للكتاب، بما تتضمنه من المؤلف المبدع الإيجابى والناشر النشط الشجاع والكتاب الجيد المفيد الذى يصل إلى القارئ بسهولة، هى وسيلة شديدة الأهمية لتحقيق النصر فى مواجهة الفكر الهدام الوارد إلينا. فالفكر لا يتم دحضه إلا بفكر أفضل منه. ويكفى أن نتابع كم كتابا صدر في سيناء على سبيل المثال حتى ندرك حجم الأزمة.

وفيما يتعلق بالتخوف من تغلب الكتاب الإلكترونى على نظيره التقليدى الورقى، أعتقد أن الوقت قد حان لإنهاء ذلك الصراع "الوهمى" بين الورقى والإلكترونى. إن السوق العالمية اليوم نجحت فعليا فى إيجاد البيئة المواتية للجمع بين الرقمى والورقى بما يتماشى مع مصالح كافة أطراف صناعة الكتاب والقراء. فالكتاب أولا وأخيرا هو ذات الكتاب والناشر هو ذات الناشر والجمهور فقط هو من سيحتاج إلى وقت قصير حتى يتأقلم مع تكنولوجيا العرض، وهو الأمر الذى بدأ يتحقق بشكل واضح لدى طلبة المدارس الذين يقبلون على إستخدام الكتب الإلكترونية.

دارت تلك الأفكار فى ذهنى، فنحيت تليفونى المحمول جانبًا ونظرت إلى الأفق فى صمت.

إضافة تعليق

11 + 4 =
Solve this simple math problem and enter the result. E.g. for 1+3, enter 4.