21 آذار اليوم العالمي للشعر تحتفي به منظمة يونيسكو

تحيي منظمة اليونيسكو في الحادي والعشرين من كل عام «اليوم العالمي للشعر»، وهذا العام شاءت المديرة العامة للمنظمة العالمية إرينا بوكوفا، توجيه كلمة في المناسبة هي بمثابة التفاتة كريمة لهذا الفن الذي ما زال يملك سحره على رغم تراجع جمهوره في بقاع عدة من عالمنا الحديث، لا سيما بعد صعود حضارة الاستهلاك وهيمنة الثقافة المرئية - المسموعة من فضائيات وإنترنت وفايسبوك وتويتر. وعهدت المنظمة إلى الشاعر الإسباني خوسيه مانويل كاباييرو بونالد مهمة كتابة رسالة يوم الشعر هذا العام، ودعت الشعراء والنقاد والقراء في العالم إلى المشاركة في الاحتفال بهذا اليوم.

أحلام الشعوب

إيرينا بوكوفا

الخميس ?? مارس ????

يمثل الشعر أحد أنقى أشكال التعبير عن حرية اللغة، وهو عنصر مكون لهوية الشعوب، وهو يجسد أيضاً الطاقة الإبداعية للثقافة من حيث قدرتها على التجدد المستمر.

وتنتقل الحداثة التي يتميز بها الشعر من جيل إلى جيل من خلال النصوص الخالدة التي كتبها كبار المؤلفين والأعمال التي كتبها شعراء مغمورون. ويتعين علينا نقل هذا التراث - أي التراث الذي خلّفه هوميروس ولي باي وطاغور وسنغور وآلاف غيرهم - بوصفه شاهدا حياً على التنوع الثقافي للبشرية. ويتعين علينا أيضاً أن نساهم في إخصاب هذا التراث بوصفه مصدراً للإثراء اللغوي وللحوار.

ومن خلال الاحتفال باليوم العالمي للشعر، تود اليونسكو أيضاً ترويج القيم التي تحملها. فالشعر رحلة، لا تجري خارج الواقع وإنما تقترب غالباً اقتراباً شديداً من مشاعر الأفراد ومطالبهم وآمالهم. فالشعر يجسد أحلام الشعوب ويعبر عن أسمى أشكال روحانياتهم ويمد الشعوب بالشجاعة لتغيير العالم.

وترك الشعراء من جميع البلدان أبيات شعر خالدة للدفاع عن حقوق الإنسان والمناداة بالمساواة بين الرجال والنساء واحترام الهويات الثقافية. كتب الشعر الفرنسي بول اليوار: «يا حرية، أكتبُ اسمك».

ويحمل الشعر، حتى يومنا هذا، نفح الحرية والكرامة في مواجهة العنف والقمع. ولهذه الأسباب جميعها تقدم اليونسكو الشــــعراء وكل الاشخاص المشاركين في نشر الشعر وترجمته وطباعته. وإننا نضطلع بهذه المهمة من خلال حماية تنوع أشكال التعـــبير الثـــقافي والحفاظ على إلقاء القصائد المدرجة في قائمة التراث الثقافي غير المادي للبشرية، باعتبارها وسيلة لإضفاء مزيد من الجمال على عالمنا ولبناء السلام في عقول البشر رجالاً ونساء.

 

رسالة اليوم العالمي: حياة وشعر

خوسيه مانويل كاباييرو بونالد

الخميس ?? مارس ????

شرعت في محاولاتي الشعرية الأولى بعد أن قرأت، في البدء، لشعراء حركوا مشاعري وجعلوني أحس بانفعال مبهم. من دون تلك القراءات الأولية، ما كنت لأعرف كيف أوجه خطواتي الأولى في الأقاليم السرية للشعر. أخص من الشعراء مواطني الأندلسيين، خوان رامون خيمينث، غارسيا لوركا ولويس ثيرنودا والتشيلي بابلو نيرودا. هؤلاء كانوا معلمي الأوائل بجدارةٍ مستحقة.

منذ ذلك الحين، بدأت أستوعب معنى تلك العبارة الشعرية التي تفيض على دلالتها في المعاجم، وتمضي أبعد من حدودها التعبيرية المشتركة. لربما ذلك ما يدعوني، أحياناً، إلى التفكير في أنه ليس من الضروري أن يفهم القارئ القصيدة في شكلٍ مطلق. يكفي أن تفتح له كلماتها باباً وتجعله يطل على واقعٍ مجهول، وتكشف له عالماً يغني في شكل ما حساسيته. في سيرورة هذه المعرفة، يكمن سر الشعر.

بعد خطوات التعلم الأولى تلك، استكشفت مسالك مغايرةً، طرقاً طبيعية أخرى لمقاربة تجربة الشعر. يتوجب علي، بدءاً، أن أذكر الشعراء الرمزيين الفرنسيين، فقراءة رامبو وبودلير ومالارمي، بالنسبة إلي، تعلمٌ مستمر منذ نصف قرن تقريباً، ما دام هذا المقروء نموذجاً لا ينضب. فيه وجدت شكلاً جديداً لوضع أسس الشعر التي كنت أجهلها، تلك التي أبرزت لي سجلات جديدة تضيء ما هو أشد إلغازاً في الواقع. أظن أن ولوج شعر الرمزيين لا يمكن أن يتحقق من دون التمثل القبلي لترابطاته التعبيرية الأكثر صفاء، وفي وجهٍ خاص، من دون استيعاب، على نحو رئيس، بعض المغذيات الأساسية لفكره الجمالي.

ذلك ما يحدث مع المبدعين الكونيين في نظام شعري مجدد، خصوصاً إذا كان هذا النظام الشعري يتأسس على إبداع قوانين جماليةٍ جديدة. وقد حدث لي شيءٌ مماثل مع خلوات غونغورا، ومع حيوان الأعماق لخوان رامون خيمينث، ومع جزءٍ كبير من شعر ثيسار باييخو وأوكتافيو باث أوليثاما ليما ومع السورياليين الفرنسيين، من بروتون إلى إيلوار ومن أراغون إلى سبولت. كان الأمر شبيهاً بولوج غابة بكرٍ من غير أن أعرف كيف أشق لنفسي طريقاً، إلى الحد الذي يبلغ فيه المرء حال التيه بين الظلمات والمسالك الخادعة. وهنالك بالذات سألتقي، فجأة، وميضاً، علامة، ومفتاحاً: يقين اكتشاف بعد شعري جديد.

أعتبر نفسي وريثاً للرمزيين، هم من علموني البــحث عن الــشعر في حال خالصة، مجردة من كل عنصر مألوف: تلك الكيمياء السرية للكلمة التي لا يمكن بلوغها نظرياً، مضمومة إلى «مفهوم الحد». يتعلق الأمر بالمتخيل وقد أزيح الواقعي: فالتجاوز المستمر للمعنى المألوف للكلمة والقبض على كل الوسائل التعبيرية للغة التي بين حدودها يرتفع الشاعر إلى المقام الأسمى للفنان الباحث في الشعر عن التركيب التأويلي للعالم، هو المفتاح الأساس للمعيش.

الشعر، بالنسبة إلي، ممارسة ذات صلات خفية بالتجربة الصوفية. ثمة ما يشبه مماثلة سرية في البحث عن المطلق في «الكهوف العميقة للمعنى»، التي يتحدث عنها سان خوان دي لاكروث. إنه مسلك روحيٌ ملغز وبرنامجٌ جماليٌ. إلى أين تقود كهوف المعنى؟

لربما يمكن أن تلخص الأجوبة الممكنة الكثيرة في جوابٍ واحد: بيان أن كل شعر حقيقيٍ يحدد، في كل لحظة، الأحوال الأكثر خفاءً للحياة الإنسانية. يمكن الطريقة المسماة بوحدة الوجود عند الصوفية أن تجد في الشعر أحد تجلياتها الأشد ثباتاً أو على الأقل، الأكثر تطابقاً مع ما في التجربة مما هو متمنعٌ على التعبير. من هنا، تنبثق كل تلك الطرق التأملية التي ميزت التيارات الكبرى للكمال الداخلي: تيار الصوفيين المسيحيين والصوفيين المسلمين أو ممارسات التأمل البوذي للزن. عبر مسالك مختلفة، يتم بلوغ الغاية ذاتها. نذكر، عدا سان خوان دي لاكروث أو ميغيل دي مولينوس، معلمي الصوفية، ابن عربي، أو ابن عباد الرندي، أو رهبان البوذية الزن إيساي أو شويو دايشي.

منذ أكثر من نصف قرن وأنا أمارس مهنة الشاعر. يمكنني، على الأقل، أن أفتخر بالمثابرة.

كلمتي المكتوبة تعيد في شكل واضح إنتاج أفكاري الجمالية. لكن، أيضاً فكري الأخلاقي، طريقتي في مراجعة التاريخ الذي أقتسمه مع الآخرين. لقد أتاحت لي أداة اللغة أن أجعل مفهومي للعالم موضوعياً، وحرصت دوماً على أن يتوافق ذلك المفهوم الشعري للعالم مع برنامج حياتي الذي لا يمكن التخلي عنه. وجرياً على ما اعتيد أن يقال، ففي أعمالي تضمينٌ لكل ما أفكر فيه وحتى ما لم أفكر فيه بعد، في كل مرة أجدني أكثر يقيناً من أن الشعر، ذاك الذي يشغل فضاءً أكبر من النص بمعناه الصحيح، يفسر وجودي ويبرره. بل يمكنني أن أضيف أن الشعر علمني أن أعرف ذاتي في شكلٍ أفضل كلما مضيت استعنت به لكي أختار تشخيصاتي الذاتية عن الواقع. أؤمن بكل عفة بالدور المخلص للشعر، بقدرته على الإشفاء أمام الاختلالات التي يمكن أن يمدنا بها التاريخ في عالم مثل العالم الذي نتقاسمه اليوم، العالم المحاصر بالعنف والبلايا والحروب الجائرة والاستهانات بحقوق الإنسان. في عالم مثل هذا، تجب المطالبة بالحلول المنصفة للذكاء، بالأساليب الإنسانية القديمة للعقل. لربما يتعلق الأمر بيوتوبيا، لكن اليوتوبيا هي أيضاً أمل مؤجلٌ بالتتابع، حيث يتوجب الوثوق بأن ذلك الأمل يتغذى أيضاً من الينابيع الخصبة للذكاء، ما الذي كان سيصير عليه من دونها الكثير من العناوين المشرقة التي تزين حضارتنا؟ أن تقرأ كتاباً، أن تستمع إلى كونشيرتو، أن تتأمل لوحة هي أشكال فورية وفعالة للدفاع عن أنفسنا من كل ما يهيننا أو يسعى إلى أن ينقص من اختياراتنا للحرية والطمأنينة. لربما يتسنى بذلك أن تسود حساسية جماعية جديدة تجعل الفكر النقدي يتغلب على الفكر الوحيد. لربما هكذا يتحول مجتمع معقد مثل مجتمعنا إلى مجتمع متضامن. فلنفكر بكل التفاؤل الواجب بأن الشعر أيضاً يمتلك تلك السلطة العلاجية.

 

ترجمة: خالد الريسوني

الحياة

إضافة تعليق

5 + 10 =
Solve this simple math problem and enter the result. E.g. for 1+3, enter 4.