80 بيعاً حرمها الاسلام ويجهلها الكثيرون

حذر علماء شريعة وخبراء اقتصاد من انتشار البيوع المحرمة شرعاً حماية للمستهلك، ووقاية للمجتمع من المفاسد الاقتصادية التي تؤدي إلى تدميره .وطالبوا بنشر الوعي بتلك البيوع المحرمة التي أوصلها الفقهاء إلى قرابة الثمانين ولا يعلمها كثير من البائعين والمشترين على حد سواء!
فمن الحفاظ على العلاقات الإنسانية، إلى محاربة الكذب والتدليس، مروراً بالربا المحرم . . تتعدد أسباب تحريم الإسلام لتلك البيوع حفاظاً على نقاء المعاملات الإسلامية؛ لتكون نموذجاً يحقق الرفاهية البشرية من دون جشع ولا أنانية .

تقول الدكتورة زينب الأشوح، رئيسة قسم الاقتصاد بكلية التجارة للبنات في جامعة الأزهر: نهى الله سبحانه وتعالى عن كل البيوع الضارة بالبشر عامة، موضحة أن بعض الفقهاء أوصلها إلى قرابة الثمانين بيعاً لما فيها من أضرار، وما تتضمنه من الجهالة والغرر، أو لوجود نص صريح بتحريمها .

 

وتعدد د . الأشوح مجموعة من تلك البيوع، ومن أشهرها حسب تعبيرها “بيع النجش” وهو أن يزيد في السلعة من لا يريد شراءها، مؤكدة أن هذا البيع حرام لأن فيه تغريراً بالمشترين الآخرين وخداعاً لهم، وكذلك “بيع الحاضر للبادي” وهو ما يقوم به السماسرة ببيع السلعة بأغلى من سعر يومها، وكذلك “البيع قبل القبض” لأنه يؤدي للخصام، وكذلك “بيع العينة” وهو أن يبيع إنسان سلعة إلى أجل ثم يشتريها ممن باعها له بأقل من قيمتها نقداً، لافتة إلى أن هذا النوع اجتمع فيه ما يسمي “بيعتان في بيعة” مشددة على أنه حرام لأنه إحدى الوسائل الربوية، وكذلك يحرم “بيع الرجل على بيع أخيه” لما فيه من إيغار الصدور والوقيعة بين الناس، كما يحرم “بيع كل ما كان حراماً” كالخمر والخنزير وآلات اللهو وغيرها .

 

وتشير د . الأشوح إلى أن من البيوع المحرمة كذلك بيع ما في بطون الإناث من الحيوانات وما في أصلاب ذكورها؛ لأنه بيع لشيء مجهول فيه غرر، ويحرم بيع ما يعجز البائع عن تسليمه كالطيور في الهواء وبيع الثمار قبل نضجها، وكذلك يحرم “بيع المخاضرة” وهو بيع الثمر في شجره قبل نضجه، و”بيع المحاقلة” وهو بيع أو مبادلة ما في الحقول قبل حصاده بشيء آخر يتم كيله أو وزنه، فلا يجوز بيع المعلوم بغير معلوم في الحقل .

 

وأيضاً يحرم “بيع المزابنة” وهو بيع التمر على النخل بتمر على الأرض معلوم كيله، ويحرم “بيع الدم” مقابل مال أو منفعة، و”بيع الكلاب” إلا إذا كانت لحراسة، و”بيع الأموال الربوية”، وبيع الإنسان ما ليس عنده مثل بيع الشارد من الحيوانات وغيرها، أو بيع الطير في الهواء والسمك في الماء أو بيع السمن واللبن في الشاة قبل إنتاجها، أو بيع العنب إذا كان البائع على يقين أنه سيتم اتخاذه نبيذاً، وبيع النحل وبيع المغصوب والمسروق وبيع الدين، وبيع المرهون . . كما أنه يحرم إتمام البيع إذا كان هناك جهل بمقدار المبيع مثل بيع اللبن في الضرع أو بيع الصوف على ظهر الحيوان وبيع اللؤلؤ في الصدف، وحرم البيع بشرط فاسد وبيع ما ليس عنده وبيع الشيء قبل تملكه، والبيع والشراء في المسجد، وكذلك البيوع المتعارضة مع مواقيت بعض العبادات مثل صلاة الجمعة حيث قال تعالى (يا أيها الذين آمنوا إذا نودي للصلاة من يوم الجمعة فاسعوا إلى ذكر الله وذروا البيع ذلكم خير لكم إن كنتم تعلمون) .

 

وتوضح أن هناك اختلافاً بين أهل العلم حول أي النداءين يحرم البيع بعده، فهناك من يرى بعد الأذان الأول، في حين يرى جمهور الفقهاء أن التحريم متعلق بالأذان الثاني، عقب جلوس الإمام على المنبر .

 

حماية مقاصد الشريعة

 

وعن فلسفة البيع والشراء وأسباب تحريم مثل تلك البيوع يقول الدكتور محمد موسى عثمان، رئيس قسم الاقتصاد بكلية التجارة في جامعة الأزهر: يعتبر البيع والشراء في الجملة من الأمور الضرورية التي قصد الإسلام توفيرها للبشر للمحافظة على المقاصد الخمسة، وهي الدين والنفس والعقل والنسل والمال، ولهذا حرم الإسلام “بيع الوفاء” الذي يرد فيه البائع الثمن للمشتري فيقوم برد العين المباعة وفاء، وقد استحدث هذا البيع في أواخر القرن الخامس الهجري كحيلة على الربا؛ لأن غايته الحقيقية تمكين المقرض الذي يرتدي عباءة المشتري من الحصول على منفعة وفائدة من البائع، مقابل إقراضه ماله الذي جعل في هذا البيع بمثابة الثمن للمبيع .

 

ويضيف: عندما ظهرت فكرة البنوك بدأت على يد اليهود الذين أرادوا استغلال أموال المودعين وأخذوا يقرضون تلك الأموال بالربا، وتمكنوا عن طريق الخداع والتزوير من جعل غالبية المال لأنفسهم، وروجوا لكل البيوع الربوية كالقروض والودائع الثابتة وخصم الكمبيالات وغيرها، ولهذا عمل خبراء الاقتصاد الإسلامي والفقهاء على إنشاء البنوك الإسلامية على المستوى الدولي والمحلي، وابتكرت بيوعاً ومعاملات خالية من الربا وتشجع على الاستثمار الحقيقي القائم على أساس المضاربة وقاعدة الغنم بالغرم .

 

ويطالب عثمان بتفعيل قاعدة مهمة وهي أن كل شيء حرم تناوله حرم ثمنه، وبالتالي لا يصح بيعه، كالميتة بجميع أنواعها إلا ميتة السمك والجراد لوجود نص شرعي على إباحتها، وكذلك حرمة تناول الدم إلا الكبد والطحال وحرمة الخنزير بجميع أجزائه .

 

ويشير إلى أنه يحرم على التاجر بيع المواد الغذائية الفاسدة أو منتهية الصلاحية، كما يحرم عليه بيع اللحم إلا إذا علم يقينا أنه مذبوح من حيوان يحل أكله، وأنه ذبح حسب الشريعة، ويحرم كذلك بيع المسكرات والمخدرات إلا البنج المستعمل في الطب للضرورة إليه، وكذلك تحريم كل بيع متعلق بحالة خاصة مثل حظر بيع السلاح وقت الفتن والحروب، ووجود قطاع الطرق، وذلك لأنه يؤدي إلى زيادة العدوان، وتزداد الحرمة إذا كان يتم بيع السلاح أو الغذاء أو أي مواد أخرى للأعداء ما يقويهم على المسلمين .

 

تحريم الخبائث

 

ويقول الدكتور عبد الفتاح الشيخ، الرئيس الأسبق لجامعة الأزهر، حرم الله البيوع الضارة ومنعها لإضرارها بالعباد، أو لأنها من الخبائث والمستقذرات لقوله تعالى (ويحل لهم الطيبات ويحرم عليهم الخبائث ويضع عنهم إصرهم والأغلال التي كانت عليهم)، وقول رسول الله صلى الله عليه وسلم “أفضل الكسب عمل الرجل بيده وكل بيع مبرور” .

 

ويشدد د . الشيخ على ضرورة أن يكون المسلم على بصيرة من دينه ويعرف الحلال من الحرام ويميز بين الخبيث والطيب، فمثلاً حرم الإسلام البيوع الفاسدة لأنها أكل لأموال الناس بالباطل، ومنها بيع الأشياء النجسة والمحرمة، مبدياً أسفه لأن كثيراً من المسلمين حسب تعبيره يقع في الحرام بقصد أو من دون قصد، لافتاً إلى أنه لو عرف الأحكام لحرص على تجنب الحرام وبخاصة في ظل التوسع الكبير في مجال المعاملات، وحرص الإسلام على وضع ضوابط للمعاملات لمنع البيوع المحرمة .

 

ويستطرد د . الشيخ قائلا: الأصل أن الله حرم أكل أموالنا بيننا بالباطل سواء من خلال البيوع أو غيرها، وأخطر البيوع المنتشرة في عصرنا هو بيع الربا المحرم في جميع الديانات السماوية، ولكن بتحريف اليهود التوراة أباحوا أخذه لأنفسهم من غيرهم، وقد نهى القرآن عن أي تعامل به فقال تعالى (يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله وذروا ما بقي من الربا إن كنتم مؤمنين* فإن لم تفعلوا فأذنوا بحرب من الله ورسوله)، ومن يتأمل كثيراً من البيوع يجد حدوث كثير من المشكلات لعدم تحديد مواعيد محددة للسداد، بل وعدم كتابة الديون أو باقي ثمن البيع، وهذا ما يخالف قول الله عز وجل (يا أيها الذين آمنوا إذا تداينتم بدين إلى أجل مسمى فاكتبوه)، وقول النبي صلى الله عليه وسلم “من أسلف في شيء فليسلف في كيل معلوم، أو وزن معلوم، إلى أجل معلوم” .

 

ويضيف: حرم الإسلام بيع المنافع الضرورية للبشر ما لم تكن ملكا لأحد، فقال صلى الله عليه وسلم “المسلمون شركاء في ثلاث: في الماء والكلأ والنار”، أما الكلأ المحرم بيعه سواء كان رطباً أو يابساً ما دام في أرضه، وكذلك النار لأن هذه الأشياء أشاعها الله بين خلقه .

 

وكما حرم الإسلام كل البيوع التي جاء نص بتحريمها حرم أيضاً الطرق المؤدية إلى المحرمات مثل بيع المجلات والصحف وأشرطة الفيديو أو الكاسيت الخليعة التي تدعو إلى الفجور لما فيها من صور أو أغانٍ أو كلام فاحش يدعو للرذيلة، فذلك كله يحرم بيعه وشراؤه طاعة لله وحماية للمستهلك من الدمار الأخلاقي، ولكن إذا كانت هناك ثنائية في الاستعمال بين المباحات والمحرمات ولم يعلم البائع أن المشتري سيستعملها في الحرام فلا مانع من بيعها والمتاجرة بها، أما إذا علم فيحرم بيعها وقد قال الله تعالى (يا أيها الذين آمنوا إنما الخمر والميسر والأنصاب والأزلام رجس من عمل الشيطان فاجتنبوه لعلكم تفلحون” .

 

ويؤكد د . الشيخ أنه يجب على المسلم عند التعامل بأي معاملة أن ينظر إلى علل التحريم تلك، فإن وجد إحداها فعليه أن يبتعد عنها وأن يأخذ برأي الجمهور في المختلف فيه لقوله صلى الله عليه وسلم “فمن اتقى الشبهات فقد استبرأ لدينه وعرضه ومن وقع في الشبهات وقع في الحرام” .

 

“تلقي الركبان” والاحتكار

 

ويذكر د . الشيخ نوعاً من البيوع المحرمة، مؤكداً أن فلسفة تحريمه ربما تتعدى حماية المشتري إلى البائع ذاته، وهو ما يسمى بتلقي الركبان، أي التعرض لمن يأتي بالسلعة لبيعها في السوق فيخبره المتلقي بكساد الأسواق حتى يبيعها له بسعر فيه غبن، ثم يبيعها هو بزيادة كبيرة، مؤكداً أن هذا حرام لإضراره بالبائع والمستهلك على السواء، فقد قال صلى الله عليه وسلم “لا تلقوا الركبان” ومرتبط به النهي عن بيع الحاضر للبادي ويقصد به بيع المقيم في البلد للمقيم في البادية؛ لأنه يجعل نفسه سمساراً جشعاً ويرفع السعر ولهذا قال صلى الله عليه وسلم “ولا يبيع حاضر لباد” .

 

ويحرم كذلك بحسب د . الشيخ بيع المحتكر الممتنع عن عرض سلعته في السوق ليكثر طلبها ويرتفع سعرها ثم يبيعها بأعلى من سعرها، لضرره لقوله صلى الله عليه وسلم : “لا يحتكر إلا خاطئ” أي آثم، كما يحرم “بيع الغش” لما فيه من عيب في المبيع أو غش خفي أو ظاهر مدلس فيه أو غبن في الثمن أو زيف في النقود، وهذا يخالف قول رسول الله صلى الله عليه وسلم “المسلم أخو المسلم لا يحل لمسلم باع من أخيه بيعاً وفيه عيب إلا بينه له” .

 

وعن حكم الشرع فيمن يستبيحون البيوع المحرمة ويدعون أنهم من المسلمين قال د . الشيخ: لا شك أن تحكيم شرع الله في أرضه هو حل لكل مشكلات البشر وليس المسلمين فقط، أما من يستحلون الحرام فهم يتحدون الحق ويقودون البشرية إلى الهلاك، ولهذا تعجب القرآن من هؤلاء وأمثالهم فقال تعالى (أفحكم الجاهلية يبغون ومن أحسن من الله حكما لقوم يوقنون” .

 

ومن ثم فإن من يتاجرون في هذه البيوع المحرمة آثمون شرعاً ويأكلون سحتاً في بطونهم، يصلون به نار جهنم يوم القيامة، إذا لم يتوبوا إلى الله حتى يعفو الله عنهم .

إضافة تعليق

8 + 6 =
Solve this simple math problem and enter the result. E.g. for 1+3, enter 4.