DNA الخلية التي تلخّص حياة وتطوّر أي أمّة (الجزء 2)

في هذا الجزء سأبحث عن المعاني الجديدة المتعلقة بإماطة الأذى عن الطريق في القرآن لنرى أبعاد الموضوع على حياة الإنسان المؤمن الحقيقي، كما فرضه القرآن، وكيف يجب أن تكون. فلنبدأ

 

انطلقت فكرة هذه المقالة من ذلك الحديث الذي يقول أنّ إماطة الأذى عن الطريق يعد أدنى شعب الإيمان (كما رأينا في الجزء الأول). فالرؤية من خلال المفهوم الجديد قد اتضحت أكثر، وأصبح بالإمكان الآن ربط المعاني مع بعضها لأنّ ثمّة شيء خاطئ في واقعنا. يدفعنا لنفكر من جديد بطرق جديدة للوصول إلى نتائج جديدة. فهناك قاعدة أساسية تقول أن القرآن كفيل أن يحدث نهضة لأي مجموعة تتفاعل معه، فمحال غير ذلك. وما دام حالنا ووضعنا هذا مستمراً منذ قرون فهذا يعني ببساطة شديدة أنّ ثمة خللاً وخطأً في مفهومنا وفي تطبيقنا للقرآن. لذلك سنحاول أن نرى الموضوع بعين أخرى ونظرة جديدة، فالتكرار والنظرة المتكررة بنفس الطريقة لنفس الموضوع سيجعل من الرتابة حاجزاً يحجبنا عن رؤية ما هو جديد.

لذلك في هذا الجزء سأبحث عن المعاني الجديدة المتعلقة بإماطة الأذى عن الطريق في القرآن لنرى أبعاد الموضوع على حياة الإنسان المؤمن الحقيقي، كما فرضه القرآن، وكيف يجب أن تكون. فلنبدأ:

تقول الآية بعد بسم الله الرحمن الرحيم: ?كُنْتُمْ خَيْرَ أُمّةٍ أخْرِجَتْ للنّاسِ تأمُرُونَ بالمَعْرُوفِ وَتنْهَوْنَ عَنِ المُنْكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللهِ ? [آل عمران 3/110].

بعيداً عن المعنى التقليدي للآية والمتمثل بتلك الحقبة الزمنية الصعبة المنال. فإنّ ما يهمّنا منها هو محاولة الربط بينها وبين الحديث (إماطة الأذى)، فالاثنان يجمعهما منطق ومفهوم واحد. وهو حرصك وتفكيرك على صحّة المجتمع بشكلٍ عام. فوجه الربط بين هذه الآية وبين الحديث هو أنّك من خلال سيرك في الطريق ستلاحظ مواضع الضعف في الناس. ستعرف ما هو المنكر السائد والمنتشر، عندها ستفكر بالمعروف الّذي سيصلح ذلك المنكر.. وستفكر أيضاً بالطريقة الأنسب لفعل ذلك.. وبالتالي فإنّ إماطة الأذى عن الطريق لم تعد بالضرورة تعني إزالتها فوراً وأنت بالطريق! بل ملاحظة الأذى والسعي والتخطيط لحله، قد يكون في يومٍ آخر أو بمكان آخر غير الطريق. فالطريق سيتحول في شخصية الإنسان المسلم إلى مقياس حقيقي وواقعي لمعرفة أحوال الناس، وبالتالي أحوال دينه. تماماً مثل عين الإنسان، فالطبيب يستطيع بنظرة فاحصة إلى عينك أن يخبرك بأمراض جسمك. كذلك الأمر تماماً مع الأمّة، بنظرة فاحصة إلى الشارع (الطريق) نستطيع ملاحظة أغلب الأمراض، المنكر والأذى، في الناس. وبالتالي سعي الجميع من أجل إيجاد حلول لها، من أجل الرقي بالشارع الذي يمثل بالدرجة الأولى المجتمع. يمثلك أنت وأنا، والطفل والشيخ والمرأة، يمثل الماضي والحاضر والمستقبل بكل أجياله.

ربما عند دمج معنى الحديث في معنى الآية، نستطيع أن نستخلص أنّ أقصر طريق لنكون خير أمّة أخرجت للناس هو إماطة الأذى عن الطريق بالمعنى الشمولي. سنكون خير أمّة أخرجت للناس عندما يذوب الفرد من أجل الجميع. الجميع من أجل صلاح المجتمع المتمثل بصلاح الشارع. فالخليّة الأصغر لأي مجتمع – الذي إذا صلحت صلح المجتمع – ليست الأسرة كما نتوهم، بل هي الشارع والطريق. وهناك العديد من الأمثلة على أسر صلُحت ولم يصلح معها المجتمع، لكن يكفي شارع واحد سليم ليثبت ويدل على أنّ معظم سكّان الحي أسوياء.

والشارع بعد كل هذا العرض يملك أهميّة أخرى ستؤثر في حياة الإنسان. إنه ببساطة يمثّل الإعلام. الشارع سيؤثّر في جميع الناس وفي كل الأجيال. الأصغر سيقلّد الأكبر، وأفعال وتفكير الكبار مرتبطة بما سيفعله الصغار. فأي شخص سيسير في الشارع سيؤثّر في الآخرين ويتأثر بهم. في كل لحظة ستمثّل أنت الرأي العام لقضية ما في عقل شخص ما. فكم مرّة أطلقت حكماً مسبقاً عاماً لقضية ما، بعد رؤيتك لبعض الأشخاص في الشارع؟

من المفترض ونحن في القرن الواحد والعشرين أن أتكلم عن أهمية جمال الشارع وأناقته ونظافته وأن كل هذا سينعكس إيجاباً على نفسيتنا، على روحنا ونظرتنا للخالق, سينعكس على طريقة معاملتنا مع الآخرين. أقول من المفترض لأن هذا الكلام غير منطقي الآن، على الأقل ونحن في هذا الحال. وخاصةً عندما نتكلم عن شيء أو شخص ونقول عنه عندما نريد أن نعبّر عن استيائنا منه أنه سوقي (من السوق، من مكان اجتماع الناس، الذي من المفترض أن يكونوا مؤمنين) أو شوارعي. فمن غير المجدي أن أتكلم هنا عن جمال الشارع وأناقته ونظافته، فهذا بالدرجة الأولى غير منطقي وواقعي. لكني سأتكلم عنك أنت وعني أنا. عن أي شخص يفترض أنه ينتمي إلى الإسلام. عن تفاعلك وفهمك لدينك، لما يترتب عليك من مهام، ليس من أجل زيادة الأجر والثواب بل من أجل أن تضمن دخولك أدنى أبواب الإيمان.

أعلم أن الكلام لن يعجبك، وستبدأ البحث عن مخارج لتقنع نفسك أن الأمر ليس كما يخيّل لي. وأن الأمر كله مرتبط بإيمانك أنت وحدك. ربما بعدد الركعات التي تركعها يومياً ودعائك وبكائك لوقتٍ طويل. المشكلة أنك ما زلت مقتنعاً بأنّ الحل السحري لمشاكل المسلمين مرتبط بمزيد من الاستغفار، بمزيد من الصلاة، وبمزيد من الدعاء!. لكن ألم نتعلم من دروس سابقة.. في غزو العراق مثلاً.. ألم نقم جميعنا بالدعاء والصلاة والبكاء لوقتٍ طويل… أتحررت العراق؟

أعيد، ثمّة شيء خاطئ في واقعنا وفي فهمنا المباشر لديننا. الذي يؤدي بشكلٍ مباشر إلى الوضع المزري الذي نحن فيه. لذلك يجب أن لا ننسى أبداً أنّ فهمنا الصحيح للقرآن يجب أن يؤدي بشكلٍ مباشر وحاسم إلى النهضة، وأي تأخير في حدوث النهضة يعني حتماً وجود خلل في فهمنا للقرآن.

هل تعلم بعد هذا كله.. أنّ توبتنا قد أصابها الخللُ أيضاً. والأغلب أن التوبة منذ عقود لم ولن تقبل منا جميعاً حتى

لو رافقتها الدموع الغزيرة!.

سأسرد القصة من بدايتها: ... (يتبع في الجزء 3)...

إضافة تعليق

6 + 1 =
Solve this simple math problem and enter the result. E.g. for 1+3, enter 4.