نشأة المحفل الصهيونى.. إرهاصات التكوين وحتى وعد بلفور "الجزء الثالث"

الصهيونية من الدينية إلى القومية:
قد نحت المصطلح نفسه المفكر اليهودي النمساوي نيثان بيرنباوم(7) (في أبريل 1890 م) في مجلة الانعتاق الذاتي وشرح معناه في خطاب بتاريخ (6 نوفمبر 1891 م) قال فيه إن الصهيونية هي إقامة منظمة تضم الحزب القومي السياسي بالإضافة إلى الحزب ذي التوجه العملي (أحباء صهيون) الموجود حالياً. وفي مجال آخر (في المؤتمر الصهيوني الأول 1897 م صرَّح بيرنباوم بأن الصهيونية ترى أن القومية والعرْق والشعب شيء واحد, وهكذا أعاد بيرنباوم تعريف دلالة مصطلح “الشعب اليهودي” الذي كان يشير فيما مضى إلى جماعة دينية إثنية, فأصبح الشعب اليهودي مصطلح يشير إلى جماعة عرْقية (بالمعنى السائد في ذلك الوقت), وتم استبعاد الجانب الديني منه تماماً. وأصبحت الصهيونية الدعوة القومية اليهودية التي جعلت السمات العرْقية اليهودية) ثم السمات الإثنية في مرحلة لاحقة (قيمة نهائية مطلقة بدلاً من الدين اليهودي, وخلَّصت اليهودية من المعتقدات المشيحانية والعناصر العجائبية الأخروية, وهي الحركة التي تحاول أن تصل إلى أهدافها من خلال العمل السياسي المنظم لا من خلال الصدقات.
ورغم أن بيرنباوم كان يهدف إلى الدعوة إلى ضرب جديد من التنظيم السياسي مقابل جهود أحباء صهيون التسللية, فإن المصطلح استُخدم للإشارة إلى الفريقين معا.
أصبحت الدعوة الصهيونية كحل للمسألة اليهودية واضحا بعد مقال ثيودور هرتزل بعنوان “حل للمسألة اليهودية” فى يناير 1896م, والذى نادى فيه ببناء دولة يهودية متسامحة, ليس بالمفهوم بالثيوقراطى, والتى سوف تعيد بناء الهيكل فى أعظم ذكرى لعقيدة الآباء, وقد لخص ذلك فى قوله: “سوف نعيش أخيرا أحرارا على أرضنا ونموت فى سلام فى بيتنا”. كما أنه أصر على أن اليهود يمثلون “شعب واحد” وتكلم عن “القومية المميزة لليهود”.
وبعد المؤتمر الصهيوني الأول(8) (1897 م في بازل(9)), تحدَّد المصطلح وأصبح يشير إلى الدعوة التي تبشر بها المنظمة الصهيونية وإلى الجهود التي تبذلها, وأصبح الصهيوني هو من يؤمن ببرنامج بازل (في مقابل المرحلة السابقة على ذلك, أي مرحلة أحباء صهيون بجهودها التسللية المتفرقة).
تبلور المفهوم الغربى للصهيونية تماما فى وعد بلفور الذى مُنح للشعب اليهودى (بعدما أسقطوا كلمة العرق اليهودى) والذى أشار للعرب باعتبارهم الجماعات غير اليهودية, أى أن اليهود أصبحوا شعبا بلا أرض وفلسطين أصبحت أرضا بلا شعب.
المحفل الصهيونى:
تبلورت الفكرة الصهيونية عند اليهود وذلك بحتمية الحل الامبريالي واستقرار الصيغة الصهيونية الشاملة خاصة بعد تقسيم الدولة العثمانية, كذلك وجود ديباجات مختلفة لتهويد فكرة الصهيونية ووجود ديباجات أخرى لتحديد شكل الدولة المزمع إقامتها. لم تكن بلورة الفكرة كافية بل كان ضروريا أن يوجد إطار تنظيمي. وقد وضع هرتزل التصور الأساسى فى كتابه “دولة اليهود” ثم دعا للمؤتمر الصهيوني الأول وتأسيس المنظمة الصهيونية فى بازل عام1897 م.
تعريف الصهيونية:
يختلف تعريف الصهيونية من المدعمين لها إلى الناقدين لها, فنرى مثلا أن تعريف الصهيونية فى المعاجم الغربية هى حركة القومية اليهودية وعودة اليهود لأرض الأجداد أو الحركة العالمية لتأسيس مجتمع يهودى قومى أو دينى فى فلسطين ثم الدعم المستمر لإسرائيل.
على النقيض عرفها أحد اليهود المعارضين للصهيونية – من حيث علاقتها بالدين – كالتالى:
الصهيونية هى محاولة لوضع إجابة غير محددة بسبب تغيرها من المفهوم الروحي إلى الإمبراطوري (لمشكلة غير محددة) المسألة اليهودية, التى تعتمد على مواقف مختلفة تجاه سؤال ما هى اليهودية (بخصوص جماعة بشرية غير محددة) حسب تعريف من هو اليهودى (فى أرض غير محددة) من غرب فلسطين إلى حدود مصر والفرات (10).
وقد ذكر فى المؤتمر الصهيونى الأول 1897 م (8) أهداف الصهيونية كالتالى:
“تهدف الصهيونية إلى إنشاء وطن مصون قانونيا ودوليا للشعب اليهودى فى فلسطين وللوصول لهذا الغرض فالمؤتمر يعتبر بالوسائل التالية:
- الترويج لاستيطان اليهود المزارعين والحرفيين والتجار فى فلسطين.
- اتحاد كل اليهود فى مجتموعات عامة أو محلة, تبعا لقوانين الدول المختلفة.
- تقوية الشعور والوعى اليهودى القومي والثقافة اليهودية.
- إتخاذ إجراءات تمهيدية للحصول على الموافقة الدولية على تنفيذ المشروع الصهيوني”.
وجاء د. عبد الوهاب المسيرى ليعرف ما يسمى بالصيغة الصهيونية الأساسية الشاملة التى تتضمن بعض المسلمات التى لا يمكن أن يستغنى المصطلح عنها فى أى من اتجاهاتها المختلفة. وهي كالتالي:
- اليهود شعب منبوذ غير نافع (أى جماعة وظيفية فقدت الوظيفة) ,يجب نقله خارج أوروبا ليتحول إلى شعب عضوى نافع (لأوروبا بالطبع).
- ينقل هذا الشعب إلى أى بقعة خارج أوروبا ليوطن فيها وليحل محل سكانها الأصليين الذين لابد أن تتم إبادتهم أو طردهم على الأقل (استعمار استيطاني إحلالي).
- يتم توظيف هذا الشعب لصالح العالم الغربى الذى سيقوم بدعمه وضمان بقائه واستمراره, داخل إطار الدولة الوظيفية فى فلسطين.
أما ما تبقى من التعريف هو دولة وظيفية يدعمها الغرب ويضمن بقاءها وتقوم هى على خدمته وعلى تجنيد يهود العالم وراءها لخدمتها وخدمة العالم الغربى. بعد أن أصبح المتبقين من اليهود فى أوروبا قد اندمجوا داخل الشعب ولم يعد هناك حديث عن عدم نفعهم. كما أن عملية الإحلال تمت لقدر معين تبعا لحدود عام 1967 م وهذه الصيغة الشاملة هى الأساس الذى يستند إليه ما يسميه الكاتب “العقد الصهيونى الصامت بين الحضارة الغربية والحركة الصهيونية بشأن يهود الغرب”.
وإذا كانت الصيغة الشاملة (التى اقترحها د. المسيرى كصيغة تعبر عن العلاقة بين اليهود والغرب) تُعَلمِن اليهود تماما وتعلمن الهدف من نقلهم والأرض التى سينقلون إليها, فإنه ليس من السهل على المرء قبول أن يتحول إلى وسيلة وأن ينقل كما لو كان شيئا لا قيمة له إلى أى أرض.
ولذلك فقد طور “هرتزل” الخطاب الصهيونى المراوغ الذى فتح الأبواب المغلقة أمام كل الديباجات اليهودية التى غطت على الصيغة الشاملة وأخفت إطارها المادى النفعى.
وقد تم إنجاز ذلك بأن قامت الصهيونية الإثنية (أى مفهوم الصهيونية باعتبارها تعبر عن عرق اليهود وحقه فى الرجوع لأرضه) بإسقاط ديباجات على الصيغة الشاملة بحيث يتحول اليهود من مادة ناقعة إلى كيان مقدس له هدف وغاية ووسيلة ورسالة. وتجعل عملية نقله مسألة ذات أبعاد صوفية أو شبه صوفيه نبيلة. ولكل هذا أصبح من السهل على المادة البشرية أن تستبطن الصيغة الصهيونية الشاملة وأصبح من السهل التحالف بين الدينيين والعلمانيين: فالجميع يتفق على قداسة العب ورسالته ورغم كثافة الديباجات الدينية إلا أن الثوابت تيل كما هى وتظل الصيغة الشاملة كما هى.
أما الديباجات الأخرى التى وضعت لتغطية الهدف الرئيسى العلمانى للصهيونية, فقد تنوعت بين الفكرة الدينية لوجوب وجود اليهود فى “أرض الميعاد” أو أن الشعب اليهودى كان منبوذ فى كل زمان ومكان ومكروه من الأغيار (المسألة اليهودية) بسبب قداسته. أما هدف النقل فليس للتخلص اليهود (كما هو الواقع الفعلى) أو تأسيس دولة وظيفية ولكن لإصلاح الشخصية اليهودية واستجابة لحلم رسالة اليهود الإلهية لتأسيس دولة تستند إلى الشريعة اليهودية. أما آليات الانتقال لم يعبر عنها بمفهوم الاستعمار الغربى ولكن تنفيذ القانون الدولى متمثلا فى “وعد بلفور” أو تنفيذا للوعد الإلهي.
وقد قبلت الصيغة المهودة (أى بعض إضافة الديباجات اليهودية غير المجردة) هذه قرار يهود الغرب المندمجين فى مجتمعاتهم نظير تلقى دعمهم والتفافهم حولها على أن تلزم الحركة الصهيونية الصمت تجاه فضيحة الصهاينة الذين لا يهاجرون, ومن هنا ولدت الصهيونيتان:
الاستيطانية والتوطينية (صهيونية الدياسبورا), لكل منهما رؤية وتاريخ ومصالح وجماهير, ولكنهما تحالفا بعد صدور وعد “بلفور” وهو الحل المثالى الذى حلموا به جميعا. ولكن برغم التحالف فإن كل صهيونية لا تزال محتفية بتوجهها ومقاصدها وجماهيرها.
الهامش:
(1) الماشيح كلمة عبرية تعنى”المسيح المخلص”، ومنها “مشيحيوت” أى “المشيحيانية” وهى الاعتقاد بمجئ الماشيح. وهو (فى اعتقادهم) يجمع بين الإنسان والإله، فهو نقطة الحلول الإلهي المكثف الكامل فى إنسان فرد. وهو ملك من نسل داوود، سيأتي بعد ظهور النبى إليا ليعدل مسار التاريخ اليهودي، بل البشري، فينهي عذاب اليهود ويأتيهم بالخلاص ويجمع شتات المنفيين.
(2) هى حركة الإصلاح الدينى المسيحى التى أعادت علاقة الإنسان بالخالق وبالكتاب المقدس بحيث أصبح فى إمكان الفرد أن يحقق الخلاص بنفسه لنفسه خارج الإطار الكنسي الجمعي، ودون الحاجة إلى رجال الدين وأصبح من واجبه أن يفسر الكتاب المقدس لنفسه.
(3) جماعة وظيفية: اعتبر اليهود فى المنظور الغربى جماعة وظيفية، بمعنى أنها عنصر حركي عضوي مستقل بذاته غير متجذر فى الحضارة الغربية، يستحق البقاء داخلها إن كان نافعا يلعب الوظيفة الموكلة إليه، فإن انتهى هذا النفع وجب التخلص منه.
(4) هذا التاريخ الذى ذكره د. المسيرى فى الغالب يمثل بعد نجاح بريطانيا فى تحجيم توسعات محمد على بعد معاهدة لندن 1840م.
(5) المسألة اليهودية: مصطلح يطلق على معاناة اليهود بسبب الاضطهاد التاريخى لهم كأقلية دينية منذ العصر الرومانى وحتى المعاداة النازية للوجود اليهودى. وتعتبر الصهيونية بأهدافها المذكورة فى المؤتمر الصهيونى الأول الحل للمسألة اليهودية.
(6) هى مسألة تقسيم العالم الإسلامى أو دولة الرجل المريض (الدولة العثمانية)، ويظهر العلاقة التاريخية بين حل المسألة اليهودية (الصهيونية – وعد بلفور) عام 1917 م وحل المسألة الشرقية (معاهدة سايكس بيكو) عام 1916 م.
(7) كاتب وصحفى نمساوى، اشتهر بكتاباته عن الصهيونية والثقافة اليهودية وهو أول من سطر مصطلح الصهيونية.
(8) المؤتمر الصهيونى: هو الهيئة العليا للمنظمة الصهيونية العالمية، وقراراته هى التى ترسم الخطوط العامة لسياسات المنظمة
(9) هى مدينة بازل الواقعة بشمال سويسرا فى الملتقى الحدودى بين سويسرا وألمانيا و وفرنسا. وأقيم بها أول مؤتمر صهيونى بدعوة من تيودور هرتزل
(10) كاتب هذا التعريف هو يوتاناه راتوش، شاعر إسرائيلى، أنشأ منظمة سميت مجلس إئتلاف الشباب العبري، ويهدف من خلال كتاباته إلى تحلل الإسرائيلين من اليهودية لأنها لا علاقة لها بالأرض (الدين غير مرتبط بأرض) وأن تكون الدول مبنية على الوحدة العبرية.
نشأة المحفل الصهيونى.. إرهاصات التكوين وحتى وعد بلفور [3/3]
الحل (وعد بلفور 1917 م)
قبل الخوض فى وعد بلفور نفسه, فسوف نذكر التصريحات والوعود السابقة من رجال السياسة فى الغرب له والتى تهدف إلى نفس الغاية وهى إقامة وطن قومى لليهود فى فلسطين.
الوعود البلفورية (1) تعبير عن نموذج كامن فى الحضارة الغربية يضرب بجذوره فيها. وهى حضارة تنحو منحى عضويا, وتجعل التماسك العضوى مثلا أعلى ونيرا لأن التماسك العضوى هو المثل الأعلى, فإن عدم التجانس يصبح سلبيا كريها. وينتج عن هذه الرؤية للكون رفض الآخر فى شكل الأقليات. ومن خلاله نجد أن الحضارة الغربية (والمسيحية الغربية) لم تتوصل إلى إطار تتعامل من خلاله مع الأقليات, وبالذات اليهود, وإنما همشتهم وحوسلتهم (2) فى صورة دولة وظيفية (أى تقوم بدور وظيفى بالنسبة للدول الغربية).
ومنذ عصر النهضة الغربية, بدأت أزمة الجماعات اليهودية وظهرت الصيغة الصهيونية الأساسية الشاملة التى تدور فى إطارها الحضارة الغربية والتى ترجمت نفسها إلى فكرة العقد الصامت بين الحضارة الغربية والحركة الصهيونية بشأن يهود العالم, والوعود البلفورية.
وقد صدرت معظم الوعود البلفورية فى القرن التاسع عشر واستمرت حتى صدور وعد “بلفور” عام 1917 م الذى حسم مسألة علاقة اليهود بالحضارة الغربية. ومن أمثلة الوعود البلفورية:
- وعد “نابليون بونابرت” ومن أوائل من أصدر وعدا بلفورياً ومن نص الوعد:
“من نابليون القائد الأعلى للقوات المسلحة للجمهورية الفرنسية فى أفريقيا وأسيا إلى ورثة فلسطين الشرعيين. أيها الإسرائيليون,أيها الشعب الفريد, الذين لم تستطع قوى الفتح والطغيان أن تسلبهم اسمهم ووجودهم القومى, وإن كانت قد سلبتهم أرض الأجداد فقط…تقدم فرنسا فلسطين لليهود فى هذا الوقت بالذات وعلى عكس جميع التوقعات. تدعوكم فرنسا لا للاستيلاء على إرثكم بل لأخذ ما تم فتحه والاحتفاظ به بضمانها وتأييدها ضد كل الدخلاء…وجودكم السياسى كأمة بين الأمم, وحقكم الطبيعى فى عبادة يهوه طبقا لعقيدتكم, علنا وللأبد”.
- وعد “دون أيلونبرج” باسم حكومة القيصر إلى “هرتزل” وجاء فيه:
“إن صاحب الجلالة على استعداد أكيد أن يناقش الأمر [توطين اليهود] مع السلطان, وأنه سيسعده أن يستمع إلى مزيد من التفاصيل منكم فى القدس…وقد أصدر جلالته أوامره بأن تذلل كل الصعاب التى تواجه استقبال وفدكم…وأخيرا يجب جلالته أن يخبركم عن استعداده أن يأخذ على عاتقه مسئولية محمية [يهودية] فى حال تأسيسها”.
- أما وعد اللورد بلفور فكان فى صورة رسالة بعث بها فى 2 نوفمبر 1917 إلى اللورد “إدموند دى روتشيلد” أحد زعماء الحركة الصهيونية آنذاك يقول فيها:
عزيزى “اللورد روتشيلد”:
“يسعدنى كثيرا أن أنهى إليكم, نيابة عن حكومة جلالة الملك, التصريح التالى تعاطفا مع أمانى اليهود الصهاينة التى قدموها ووافق عليها مجلس الوزراء. إن حكومة جلالة الملك تنظر بعين العطف إلى إنشاء وطن قومى للشعب اليهودى فى فلسطين وسوف تبذل ما فى وسعها لتيسير تحقيق هذا الهدف. وليكن مفهوماً بجلاء أنه لن يتم شئ من شأنه الإخلال بالحقوق المدنية للجماعات غير اليهودية المقيمة فى فلسطين أو بالحقوق أو الأوضاع القانونية التى يتمتع بها اليهود فى أى دولة أخرى. وسوف أكون مدينا بالعرفان لو قمتم بإبلاغ هذا التصريح إلى الاتحاد الصهوينى”.
وبعيدا عن كل الدوافع التى تذكرها الكتب الصهونية لإصدار مثل ذلك الوعد (مثل أنه جاء في مقابل جهود “وايزمان (3) ” العلمية لاختراعه مادة الاسيتون المحرقة)، فإن د.المسيرى يرى أن هذا الوعد كان بسبب دافع بريطانيا لإنهاء المسألة اليهودية ( حيث مثبت أن بلفور نفسه كان يرفض النزوح اليهودى إلى بلاده بالطرق التشريعية), وأيضا لإنشاء دولة وظيفية لصالح القوى الغربية. كما أن وعد بلفور كان بمثابة وسيلة انسحاب بلباقة من شرط معاهدة “سايسكس بيكو” (4) التى تقتضى بتدويل فلسطين, حيث أن بريطانيا كان تريد وضع فلسطين تحت حمايتها لضمان مصالحها فى مصر وقناة السويس. فتصبح الدولة اليهودية دولة وظيفية تحت رعاية بريطانيا وكأنها احتلال بريطاني لفلسطين، فقررت بريطانيا توظيف اليهود حتى تتخلص من البنود الخاصة بفلسطين فى معاهدة سايكس بيكو.
وقد أظهر “وايزمان” نفسه هذا الدافع وهو كون بريطانيا تحتاج لوجود فلسطين تحت حمايتها حتى تحمى مصالحها المعتبرة فى مصر وخاصة قناة السويس (الطريق الهام لمستعمراتها في الهند) وبذلك وصلت حركة الصهيونية لأهدافها المحددة قبلا وهو تهجير اليهود إلى فلسطين وإقامة دولة قومية يهودية بها، وتستمر الحركة حتى الآن فى دعم إسرائيل وإحداث علاقات واضحة تجمع اليهود التوطينيين مع الإسرائيليين تحت هدف واحد سطر منذ 1897 م.
الهامش:
(1) هكذا يدعوها د.عبد الوهاب المسيرى فى وصفه للوعود التى أصدرها زعماء الغرب على مدار التاريخ لليهود بإقامة وطن قومىلهم فى فلسطين.
(2) الحوسلة تعبير يستخدمه د.عبد الوهاب المسيرى فى الإشارة إلى اتجاه العلمانية إلى تحويل الإنسان والطبيعة إلى وسيلة
(3) عالم يهودى عمل بالكيمياء وهو مخترع مادة حارقة استخدمت خلال الحرب العالمية الأولى، ونصب كأول رئيس لدولة إسرائيل.ويعتبر من أهم الشخصيات التى لعبت دورا فى الحصول على الوعد البلفورى مع رئيس الوزراء البريطانى لويد جورج ووزيره للعلاقات الخارجية آرثر بلفور.
(4) معاهدة بين إنجلترا وفرنسا وروسيا عقدت لتنظيم كيفية الإجهاز على الدولة العثمانية وتقسيمها إلى دول تحت نفوذ القوى الاستعمارية المشاركة فى المعاهدة. تمت هذه المعاهدة عام 1916 أى فى العام السابق تماما لوعد بلفور. وتحمل هذه المعاهدة اسمى الدبلوماسيين الإنجليزى مارك بيكو والفرنسى فرنسوا جورج سيكس. وقد تم الاتفاق فى هذه المعاهدة على تدويل فلسطين أى لا تصبح تحت سيطرة أى من القوى الاستعمارية.
المراجع
- أحمد إبراهيم خضر. ما بال أقوام يمالئون اليهود؟ قراءة متأنيه في موسوعة د. المسيري عن اليهود واليهودية. مجلة البيان.
- ابراهام ليون. المسألة اليهودية: تفسير ماركسى. ميكسيكو سيتى , 1950.
- عبد الوهاب المسيرى. اليهود واليهودية والصهيونية. الفاهرة : دار الشروق، 2010.
- مايكل بريور. الصهيونية ودولة إسرائيل:سؤال أخلاقى. لندن ونيويورك : روتليدج، 1999.
- عبد الوهاب المسيرى. تاريخ الفكر الصهيونى. القاهرة : دار الشروق، 2010.
- مايكل بريور. الصهيونية ودولة إسرائيل. مجموعة تايلور وفرانسيس، 2005.

إضافة تعليق