مدرسة الصبر في رمضان

يقول الله تعالى: ]يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلاَةِ إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ[ [البقرة/153]، رمضان شهر الصبر، والصبر ثوابه الجنة، ]وَبَشِّرْ الصَّابِرِينَ(155)الَّذِينَ إِذَا أَصَابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ قَالُوا إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ[ [البقرة/155-156]، ]وَلَنَجْزِيَنَّ الَّذِينَ صَبَرُوا أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ[ [النحل/69]، ]إِنَّمَا يُوَفَّى الصَّابِرُونَ أَجْرَهُمْ بِغَيْرِ حِسَابٍ[ [الزمر/10]، ]وَاصْبِرْ عَلَى مَا أَصَابَكَ إِنَّ ذَلِكَ مِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ[ [لقمان/17].

 

 

إن الأمور إذا شدت مسالكها

فالصبر يفتح منها كل ما أرتجا

لا تيأسن وإن طالت مطالبها

إذا استعنت بصبر أن ترى خرجا

أخلق أحرى بذي الصبر أن يخطى بحاجته

ومد مِن الفرع للأبواب أن يلجأ

 

وإذا بليت فثق بالله وارض به

إن الذي يكشف البلوى هو الله

إذا قضى الله فاستسلم لقدرته

ما لامرئ حيلةٌ فيما قضى الله

اليأس يقطع أحياناً بصاحبه

لا تيأس فإن الصانع الله

 

قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "عجباً لأمر المؤمن إن أمره كله له خير، وليس ذلك لأحد إلا للمؤمن: إن أصابته سراء شكر فكان خيراً له، وإن أصابته ضراء صبر فكان خيراً له"[رواه مسلم].

أنواع الصبر:

للصبر أنواع: صبر على الطاعات، وصبر عن المعاصي، وصبر على المصائب.

فالصبر على الطاعات، هو الاستقامة على شرع الله، المثابرة والمداومة على العبادات الكمالية والبدنية والقلبية، ]يَا بُنَيَّ أَقِمْ الصَّلاَةَ وَأْمُرْ بِالْمَعْرُوفِ وَانْهَ عَنْ الْمُنكَرِ وَاصْبِرْ عَلَى مَا أَصَابَكَ[ [لقمان/17].

وقد أقسم الله أن الناجين هم من تحققوا بصفات أربع: الإيمان، والعمل الصالح، والنصح للأمة، ثم الصبر على ذلك: فقال تعالى: ]وَالْعَصْرِ(1)إِنَّ الْإِنسَانَ لَفِي خُسْرٍ(2)إِلاَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ[.

والصبر عن المعاصي ومجاهدة النفس في نـزولها، ومحاربة انحرافها، وتقويم اعوجاجها، وقمع دوافع الشر والفساد التي يثيرها الشيطان فيها.

وهناك صبر على المصائب: وذلك أن الحياة الدنيا دار امتحان وابتلاء، وإن الله تعالى يختبر إيمان عباده _ وهو أعلم بهم _ بأنواع المصائب، ويمحص المؤمنين كي يميز الخبيث من الطيب، والمؤمن من المنافق، ]الم(1)أَحَسِبَ النَّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا أَنْ يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لاَ يُفْتَنُونَ[ [العنكبوت/1-2]، سواء أكانت هذه المصائب في المال أو البدن أو في الأهل، ]لَتُبْلَوُنَّ فِي أَمْوَالِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ[ [آل عمران/186]، ]وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ بِشَيْءٍ مِنْ الْخَوْفِ وَالْجُوعِ وَنَقْصٍ مِنْ الْأَمْوَالِ وَالْأَنفُسِ وَالثَّمَرَاتِ وَبَشِّرْ الصَّابِرِينَ[ [البقرة/155].

ولا شك أن المؤمن الصادق يتلقى هذه المصائب بالصبر والتسليم، بل بالرضاء والسرور، يقول رسول الله (صلى الله عليه وسلم): "لا أحد أصبر على أذى سمعه من الله عز وجل، إنه ليُشرَك به، أو يجعلُ له ولد، ويعافيهم ويرزقهم" البخاري عن أبي موسى الأشعري.

تجمع أنواع الصبر في الصوم: فإن فيه صبر على طاعة الله "ترك طعامه وشرابه وشهوته من أجلي".

وصبراً عما حرن الله على الصائم من الشهوات، يبتعد الناس عن المحرمات في رمضان أكثر من ابتعادهم عنها في غير رمضان.

وصبراً على ما يحصل للصائم فيه من ألم الجوع والعطش، وضعف النفس والبدن.

جاء خباب بن الأرت _ وقد اكتوى في بطنه سبعاً _ إلى رسول الله وهو متوسد برداً له في ظل الكعبة، فقال: يا رسول الله ألا تستنصر الله لنا؟ فجلس محمداً وجهه، فقال: والله لقد كان مَن قبلكم يؤخذ فتجعل المناشير على رأسه فيُفرق فرقتين، ما يصرفه ذلك عن دينه".

عن صهيب أن رسول الله (صلى الله عليه وسلم) قال: كان ملك فيمن كان قبلكم، وكان له ساحر، فلما كَبِر، قال للملك: إني قد كبرت فأبعث إليّ غلاماً أعلمه السحر، فبعث إليه غلاماً يعلمه، فكان في طريقه إذا سلك راهب، فقعد إليه وسمع كلامه فأعجبه، فكان إذا أتى الساحر مر بالراهب وقعد إليه، فإذا أتى الساحر ضربه _ لتأخره _  فشكا ذلك إلى الراهب، فقال: إذا خشيت الساحر، فقل: حبسني أهلي، وإذا خشيت أهلك فقل: حبسني الساحر.

فبينما هو كذلك إذ أتى على دابة عظيمة، قد حَبَسَت الناس، فقال: اليوم أعلم آلساحر أفضل أم الراهب أفضل؟ فأخذ حجراً، فقال: اللهم إن كان أمر الراهب أحبَّ إليك من أمر الساحر؛ فاقتل هذه الدابة حتى يمضى الناس، فرماها، فقتلها، ومضى الناس.

فأتى الراهب فأخبره، فقال له الراهب: أي بني أنت اليوم أفضل مني، قد بلغ من أمرك ما أرى، وإنك ستبتلى، فإن ابتليت فلا تدل عليّ.

وكان الغلام يبرئ الأكمه _ الأعمى _ والأبرص، ويداوى الناس من سائر الأدواء.

فسمع جليس للملك كان قد عمى، فأتاه بهدايا كثيرة، فقال: ما ههنا لك أجمع إن أنت شفيتني، فقال: إني لا أشفى أحداً، إنما يشفى الله، فإن أنت آمنت بالله، دعوت الله فشفاك، فآمن بالله، فشفاه الله.

فأتى الملك فجلس إليه كما كان يجلس، فقال له الملك: من رد عليك بصرك؟ قال: ربي، قال: ولك رب غيري؟ قال: ربي وربك الله.

فأخذه فلم يزل يعذبه حتى دل على الغلام.

فجيء بالغلام فقال له الملك: أي بني قد بلغ من سحرك ما تُبرئ الأكمه والأبرص وتفعلُ وتفعل، فقال: إني لا أشفى أحداً إنما يشفى الله.

فأخذه فلم يزل يعذبه حتى دل على الراهب.

فجيء بالراهب، فقيل له: ارجع عن دينك فأبى.

فَدَعَا بالمنشار: فوضع المنشار في مَفْرِق رأسه، فشقه حتى وقع شقاه.

ثم جيء بجليس الملك، فقيل له: ارجع عن دينك فأبى، فوضع المنشار في مَفْرِق رأسه، فشقه به حتى وقع شقاه.

ثم جيء بالغلام، فقيل له: ارجع عن دينك فأبى.

فدفعه إلى نفر من أصحابه، فقال: اذهبوا به إلى جبل كذا وكذا، فاصعدوا به الجبل فإذا بلغتم ذروته، فإن رجع عن دينه وإلا فاطرحوه، فذهبوا به فصعدوا به الجبل، فقال: اللهم اكفنيهم بما شئت، فرجف بهم الجبل فسقطوا، وجاء يمشى إلى الملك.

فقال له الملك: ما فعل أصحابك، قال: كفانيهم الله، فدفعه إلى نفر من أصحابه، فقال: اذهبوا به فاحملوه في قرقور _ قارب _ فتوسطوا به البحر فإن رجع عن دينه، وإلا فاقذفوه فذهبوا به، فقال: اللهم اكفنيهم بما شئت، فانكفأت _ بهم السفينة _ فغرقوا، وجاء يمشى إلى الملك، فقال له الملك: ما فعل أصحابك، قال: كفانيهم الله.

فقال _ الغلام _ للملك: إنك لست بقاتلي حتى تفعل ما آمرك به.

قال: وما هو؟

قال: تجمع الناس في صعيد واحد، وتصلبني على جذع، ثم خذ سهماً من كنانتي، ثم ضع السهم في كبد القوس، ثم قل: باسم الله رب الغلام، ثم ارمني، فإنك إذا فعلت ذلك قتلتني.

فجمع الناسَ في صعيد واحد، وصلبه على جذع، ثم أخذ سهماً من كنانته، ثم وضع السهم في كبد القوس، ثم قال: باسم الله رب الغلام، ثم رماه فوقع السهم في صُدغه، فوضع يده في صدغه في موضع السهم، فمات.

فقال الناس: آمنا برب الغلام، آمنا برب الغلام، آمنا برب الغلام.

فأتى الملك فقيل له: أرأيت ما كنت تحذر؟ قد والله نزل بك حذرك؛ قد آمن الناس.

فأمر بالأخدود _ الشقوق في الأرض _ في أفواه السكك، فخدت _ فحفرت_ وأضرم النيران، وقال: من لم يرجع عن دينه فأحموه فيها، أو قيل له اقتحم، ففعلوا.

حتى جاءت امرأة ومعها صبي لها، فتقاعست أن تقع فيها.

فقال لها الغلام: يا أُمَّاه اصبري فإنك على الحق"[رواه مسلم].

اللهم خلقنا بأخلاق الإسلام، واهدنا إلى صالح الأعمال وارقنا في مراتب الكمال، ونور قلوبنا، واستعمل في الطاعة أبداننا يا رب العالمين.

 

إضافة تعليق

7 + 0 =
Solve this simple math problem and enter the result. E.g. for 1+3, enter 4.