مسؤولون وأكاديميـون: الأسرة ومواقع التواصل وراء تدني القراءة عربياً"

عزا مسؤولون ومختصون بالشأن الثقافي في الإمارات غياب القراءة عن قائمة اهتمام الشباب العرب إلى ما تقدمه إليهم التكنولوجيا من بدائل وخيارات «أكثر إمتاعاً»، فضلاً عن التراجع الذي تتعرض له اللغة العربية، نتيجة انصراف كثير من التخصصات الدراسية عنها إلى اللغة الإنجليزية.

ويؤكدون أن ثمة حاجة ماسة إلى إطلاق مبادرات على مستوى الوطن العربي، لمعالجة مشكلة تدني مستوى القراءة، منوهين بمبادرة صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم، نائب رئيس الدولة رئيس مجلس الوزراء حاكم دبي «تحدي القراءة العربي»، التي أطلقها في 16 سبتمبر الماضي. والمبادرة هي المشروع العربي الأكبر لتشجيع الطلاب على القراءة في الإمارات والوطن العربي، عبر التزام أكثر من مليون طالب بقراءة 50 مليون كتاب خلال عامهم الدراسي.

وتبلغ القيمة الإجمالية للحوافز نحو 11 مليون درهم، ويشمل التحدي أيضاً تصفيات على مستوى الأقطار العربية، وتكريماً لأفضل المدارس والمشرفين، وصولاً إلى إبراز جيل جديد متفوق في مجال الاطلاع والقراءة وشغف المعرفة.

كما دعوا إلى إنشاء مكتبات عامة في المناطق والأحياء السكنية، لتسهيل وصول القراء إلى الكتب.

دعم قوي للقراءة

وتفصيلاً، أكد الشيخ نهيان بن مبارك آل نهيان، وزير الثقافة والشباب وتنمية المجتمع، لـ«الإمارات اليوم»، أن السبب الرئيس في عزوف الشباب عن القراءة هو انجذاب الشباب إلى الألعاب الإلكترونية والبرامج الحديثة على مواقع الإنترنت والتواصل الاجتماعي، إذ تشير البحوث إلى أهمية الالتفات إلى تشجيع القراءة، سواء كانت ورقية أو إلكترونية.

وتابع: «هناك إجماع من المختصين على أن منطقتنا العربية تحتاج إلى الاهتمام بالقراءة، والأخذ بحركةٍ نشطة للتأليف والترجمة والنشر»، مؤكداً أهمية رفع وعي المجتمع بهذه القضية المهمة، وتوفير الدعم القوي للقراءة، على المستويات كافة.

وأعرب عن أسفه حيال عزوف كثير من الشباب في الدولة، والمنطقة العربية، عن القراءة، لافتاً إلى أنها تأتي في مرتبة متأخرة من اهتمامات الإنسان العربي، ويرجع ذلك إلى أسباب كثيرة، منها طبيعة برامج التعليم التي تعتمد على الحفظ والتلقين، وعدم اهتمامها بدفع الطالب إلى البحث والقراءة، إلى جانب عدم الاهتمام الكافي بتنمية قدرات الشباب على القراءة، من خلال مناهج التعلم الذاتي، والتعلم مدى الحياة، إضافة إلى الدور الضعيف للأسرة في تعويد أطفالها على القراءة، ونوعية الموضوعات التي نراها في معظم الكتب العربية، حيث لا يجد القارئ فيها ما يجذب انتباهه، أو يلبي اهتماماته، سواءً كانت كتباً مدرسية أو عامة.

وأوضح أن غياب الحوافز المشجعة، وقلة المسابقات التي تدور حول القراءة، وانخفاض عدد الكتب المنشورة باللغة العربية، وانخفاض عدد ما يسمى بالكُتاب النجوم، الذين ينتظر الشباب كتبهم بشوقٍ ولهفة لقراءتها فور صدورها، وضعف الدعم التقني للغة العربية، وعدم وجود حركة نشطة للنشر الإلكتروني للأعمال العربية الشيقة والجاذبة للشباب، والفقر الشديد في المكتبات الورقية والإلكترونية، أسباب أخرى تجعل الشباب يبتعدون عن القراءة.

وأوضح الشيخ نهيان بن مبارك أن عدم قراءة الشباب سمة غير مرغوبة على الإطلاق، ما جعل مجلس الوزراء يشكل مجلساً معنياً بالقراءة، تحت مسمى «المجلس الاستشاري للغة العربية». وتابع أن المجلس انتهى من إعداد مشروع وطني لدعم وحماية اللغة العربية، وهو مشروع يؤكد مكانة القراءة وأهمية الكتاب، وكيفية تنمية الرغبة في القراءة، باعتبارها وسيلة تحريك الفكر، وإثارة خيال القارئ إلى جانب كونها الوسيلة المُثلى لاكتساب المعارف وتنمية مهارات الإبداع والابتكار.

وقال إن القراءة من أهم مهارات اللغة العربية، كما أنها تُمثل أهم وسائل الاتصال والتواصل، ما يعتبر علامة على التقدم والتحضر للفرد والمجتمع على السواء، لافتاً إلى أن التعود على القراءة هو أحد عناصر التنمية البشرية الناجحة في كل زمان ومكان.

وذكر أن صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم، أطلق عدداً من المبادرات الرائدة لدعم اللغة العربية والتشجيع على القراءة، كما أن الوزارة أطلقت العام الماضي مبادرة «القراءة ثقافة وإبداع»، التي تنفذ حالياً بنجاح في المراكز الثقافية في أنحاء الدولة، إضافة إلى مبادرات مثيلة في مدارس وزارة التربية ومدارس مجلس أبوظبي للتعليم.

وأكد أن هناك إحصاءات ودراسات كثيرة حول القراءة، تشير إلى انخفاض شديد في ممارستها في منطقتنا العربية، مقارنة بمناطق العالم الأخرى، مؤكداً أن الدولة ستعد دراسة حول مؤشرات القراءة فيها، لتكون محوراً أساسياً في «المشروع الوطني لدعم اللغة العربية»، الذي سيعده المجلس الاستشاري للغة العربية.

مرحلة جديدة

ونوهت الشيخة لبنى بنت خالد القاسمي، وزيرة التنمية والتعاون الدولي، رئيسة جامعة زايد، بمبادرة «تحدي القراءة» لتشجيع القراءة لدى الطلبة في العالم العربي.

وقالت إن القراءة تسعى إلى تجاوز حدود المدرسة التقليدية والجامعة النظامية، فهي مفتوحة دائماً على الأفق، وكل شخص فيها يتمتع بأوسع فضاء حر لقطف ما يريد أن يتعلمه وما يتوق إلى معرفته، واختيار أستاذه ومعلمه، لافتة إلى أن «الجامعة تحرص على تشجيع طلبتها على القراءة».

وأكدت أن «القراءة ترشد الشباب إلى المستقبل، وتعزز ثقافتهم العربية، وتعمق إدراكهم لأصالتها، وتميزها، وتطلعهم إلى ما قدمه الأولون من إسهامات، وما قطعوه من مسافات في دروب التعلم والمعرفة، فتحثهم بذلك على إكمال المسير دون توقف».

وتابعت: «لقد منحنا صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم بهذه المبادرة مفتاح الدخول إلى مرحلة جديدة في عصر التنوير الذي تعيشه الإمارات، منذ تأسست بروح الاتحاد عام 1971، خصوصاً أن المبادرة، وهي تشجع القراءة وتحفز على الاطلاع والتوسع في المعرفة، إنما تواكب مبادرة تشجيع الابتكار التي أطلقها سموه أخيراً، وتتكامل معها، وتزيدها حضوراً وفاعلية».

وأكدت اتساع مفهوم الكتاب وتعدد صوره بدخول عصر النشر الإلكتروني، والكتاب المسموع، والكتاب المحمول على الإنترنت، أو على «التابلت»، ومعالجات الدراما التلفزيونية لأشهر الكتب، وتالياً تعدد سبل الوصول إلى المعلومة، مقارنة بكتب عدة في موضوع واحد وفي وقت واحد ومن بلدان عدة، وأصبحت الكتب في غزارتها كقطرات المطر.

ودعت القاسمي الشباب الى أن «يستفيدوا مما هو قائم ومتجدد حولهم، وأن يزدادوا تعطشاً إلى القراءة والمعرفة، وأن يضاعفوا القراءة بالبحث والكتابة والتأليف بلغتهم العربية الأم، فلا شك أنهم سيأتوننا بحصاد جديد، وسيضعون قوائم جديدة للبنيان الحضاري في بلادنا».

لذة اقتناء الكتب

وأكد مدير هيئة الاعتماد الأكاديمي في وزارة التعليم العالي والبحث العلمي، الدكتور بدر أبوالعلا، أن وسائل التواصل الاجتماعي والتكنولوجيا بشكل عام أسهمت في ابتعاد الشباب عن القراءة، من خلال قضاء أوقات فراغهم في تصفح مواقع التواصل الاجتماعي، في الوقت الذي يعمد مواطن الدول الغربية فيه إلى استغلال الهواتف الذكية في مضاعفة الوقت الذي يقضيه في القراءة، بسبب وجود ثقافة القراءة لديه منذ الصغر.

وأضاف أنه «يتعين على الأسر أن تعود أبناءها على القراءة من خلال قراءة الأبوين الكتب لأطفالهما قبل النوم، والحرص على توعيتهم بأهمية القراءة»، مضيفاً أن اختيار مواقع قريبة من الأحياء السكنية لإنشاء مكتبات عامة فيها، سيكون له أثر إيجابي، إذ إنه سيكون محفزاً للشباب لقضاء أوقات فراغهم فيها.

وقال العضو المنتدب لمؤسسة محمد بن راشد آل مكتوم، جمال بن حويرب، إن «لعزوف الشباب عن القراءة سبباً رئيساً، هو عدم تعود الشباب منذ الصغر على القراءة»، لافتاً إلى أن «الشاب الإماراتي والعربي لا يهتم بزيارة المكتبات العامة، ولا يجد لذة في شراء واقتناء الكتب».

وأضاف أن «القراءة قضية الجميع، بدءاً من الأسرة التي تتحمل مسؤولية رعاية ميول أبنائها، وتنمية اتجاهاتهم نحو القراءة منذ الصغر، مروراً بالمدرسة التي تتولى مسؤولية تعليم القراءة، وتعزيز حبها في نفوس الناشئة، ثم المجتمع بجميع مؤسساته التي تتحمل مسؤولية تشجيع القراءة، وتيسير الحصول على مصادرها»، مؤكداً أن «مبادرة صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم، ستسهم في تشجيع الشباب على القراءة في الدولة وخارجها».

وحث الجهات المعنية على المبادرة بإنشاء مكتبات عامة، تحتوي على كتب مختارة بعناية، من أجل تعزيز ميول النشء القرائية.

كتّاب محدودون

ورأى رئيس مجلس أمناء الجامعة الكندية في دبي، بطي سعيد الكندي، أن «حب الاطلاع والمعرفة باللغة العربية لم يعد موجوداً لدى شباب هذا الجيل»، لافتاً إلى أن «تدريس النشء باللغة الانجليزية جعل الطالب يلجأ إلى قراءة كتب غريبة عن ثقافته الأصلية، وأبعده عن قراءة الكتب العربية».

وأكد العميد التنفيذي للدراسات العربية والإماراتية في كليات التقنية العليا، الدكتور عبيد المهيري، أن «السعر المرتفع للكتب، مقارنة بأسعار الكتب في الغرب، سبب عزوف الشباب عن القراءة، فضلاً عن عدم وجود كتب للأطفال تشجعهم منذ الصغر على القراءة، إذ إن كتّباها محدودون».

وأوضح أن «دار النشر في الوطن العربي تطبع لكل كتاب 1000 إلى 3000 نسخة، كحد أعلى، توزع على 400 مليون عربي، وفي الغالب لا يباع العدد كله»، مؤكداً أن «دور النشر لا تستطيع طباعة أكثر من 4000 نسخة، بحكم أن القراء في الوطن العربي قلة».

وأكدت مدير مدرسة الأقصى للتعليم الأساسي سابقاً، حزام إبراهيم الزعابي، أن قلة القراءة لدى الشباب تحد له تداعيات كبيرة على التنمية في المنطقة، عازية ذلك إلى أن الطفل لم يعتد على القراءة في سن مبكرة، إضافة الى صعوبة قراءة بعض الكتب.

وقال أستاذ الثقافة الإسلامية في الجامعة الكندية في دبي، الدكتور سيف الجابري، إن أبرز أسباب عزوف الشباب عن القراءة إهمال الأبوين أبناءهما، وعدم تشجيعهما لهم على القراءة ومساعدتهم على توفير الوسائل والكتب المناسبة لأعمارهم، إضافة إلى عدم تعويد المعلم للطالب في المراحل المدرسية والجامعية على القراءة.

لبنى بنت خالد القاسمي:

القراءة تتجاوز حدود الدراسة التقليدية، فهي مفتوحة على الأفق، وكل شخص يستطيع اختيار معلمه.

نهيان بن مبارك:  القراءة والتقنيات الحديثة

أكد الشيخ نهيان بن مبارك آل نهيان، وزير الثقافة والشباب وتنمية المجتمع، أن الاهتمام بالقراءة يجب أن يصاحبه اهتمام بالتأليف، والترجمة، والنشر، على نحوٍ يُوَفِّر الكُتبَ المفيدة للشباب.

وأضاف: «لابد كذلك من العمل على تعميق قدرات أبناء وبنات الوطن على المَزْجِ بين القراءة والتقنيات الحديثة، واتخاذهما معاً أساساً للإبداع والابتكار».

وأشار إلى أن «الحديث عن القراءة لا يعني إغفال المهارات اللغوية الأخرى، من كتابة ومُحادثة، فهذه المهارات جميعها هي محور اهتمامنا، ونحن نسعى بصفة جادة ومستمرة إلى أن تُتاح الفرصة أمام كل فرد من سُكّان الإمارات لأن يُصبح قارئاً واعياً، ينفتحُ على ثقافة وطنه وثقافة الآخرين، بما يكون له أكبر الأثر في تنمية مهاراته وتغذية عقله ونماء أفكاره».

انخفاض الإقبال على القراءة لدى الإنسان العربي

أظهرت تقارير صادرة عن منظمات وجهات ثقافية دولية وإقليمية ومحلية، انخفاضاً مستمراً في الإقبال على القراءة لدى الإنسان العربي، خلال السنوات الماضية. وقال تقرير لـ«اليونسكو» إن كل 80 شخصاً في الوطن العربي يقرأون كتاباً واحداً في السنة، فيما يقرأ الأوروبي نحو 35 كتاباً خلال الفترة نفسها.

وقدر تقرير لـ«مؤسسة الفكر العربي» الوقت الذي يقضيه العربي في القراءة بست دقائق سنوياً، بينما يقرأ الأوروبي بمعدّل 200 ساعة.

وعلى الرغم من تفاوت الأرقام بين دراسة وأخرى بالنسبة إلى معدّل القراءة في العالم العربي، فهي تتفق على ضآلة منسوب القراءة في هذا الجزء من العالم.

ويتزامن ذلك مع ضآلة في الإنتاج، إذ يقدر «تقرير التنمية الثقافية» عدد كتب الثقافة العامة التي تنشر سنوياً في الوطن العربي بما لا تتجاوز 5000 عنوان سنوياً، فيما يصدر في أميركا، على سبيل المثال، نحو 300 ألف عنوان.

لا أقرأ

أكد المواطن أحمد محمد أنه يقضي نحو خمس ساعات يومياً في تصفح مواقع التواصل الاجتماعي «إنستغرام» و«اسناب شات»، مضيفاً أنه يدرس في إحدى الجامعات الحكومية، ولا يفكر في اقتناء كتب عربية، لأن دراسته باللغة الإنجليزية.

وتابع أن معلم المادة يطلب منه أن يقرأ كتباً باللغة الإنجليزية لتعلم مصطلحات جديدة تفيده في المساق، ما يجعله بعيداً عن قراءة الكتب العربية.

وأكد أنه قرر إعادة النظر في قراءته للكتب، بعد إطلاق صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم مبادرة «تحدي القراءة العربي»، وسيحرص على قراءة أكبر عدد من الكتب شهرياً.

وذكر إبراهيم ناصر، وهو طالب في كلية التقنية العليا في أبوظبي، أن معظم تخصصات الكلية تدرس باللغة الإنجليزية، ما يجعل الطالب يلجأ إلى قراءة الكتب الإنجليزية، ويبتعد عن العربية. وتابع أن مواقع التواصل الاجتماعي تشغل يومه، ولا تبقي له متسعاً من الوقت لقراءة الكتب، مؤكداً أنه يقضي نحو ست ساعات يومياً على مواقع وبرامج التواصل الاجتماعي «إنستغرام» و«اسناب شات».

وأقر المواطن خالد محمد بأنه لا يقرأ، ويفضل زيارة المراكز التجارية، والخروج مع الأصدقاء في رحلات ترفيهية إلى مختلف مناطق الدولة.

وقال المواطن محمد ناصر، وهو طالب في جامعة خاصة في دبي، إن الشباب لا يعرفون مصطلح «القراءة» إلا قبل ساعات من موعد الامتحان، وذلك من أجل الحصول على الشهادة العلمية.

وأكد المواطن خالد الفلاسي أن أبرز أسباب عزوف الشباب عن القراءة وجود المكتبات العامة بعيداً عن الأحياء السكنية، إذ لا يجد الآباء استعداداً دائماً لتوصيل أبنائهم إلى المكتبة.

إضافة تعليق

1 + 15 =
Solve this simple math problem and enter the result. E.g. for 1+3, enter 4.