ذكرى تقسيم وطن... أم يوم تضامن مع شعب؟!

يتبادر للذهن سؤال موجع وهو: لماذا اختارت الأمم المتحدة يوم 29/11 يوما عالميا للتضامن مع الشعب الفلسطيني، ومن هو صاحب الاقتراح؟. هل كان الاقتراح حقا لمجرد التضامن أم لغايات التغطية على التاريخ الذي فيه تداعت الأمم على تقسيم فلسطين؟ ربما يقول بعض القائلين لو قبلنا يومها بقرار التقسيم ما حصلت النكبة، ولكنا حققنا الدولة التي جهدنا ونجهد لأجل قيامها منذ صدر قرار التقسيم الذي أوصى بدولتين، ولكن السؤال الأكثر إيلاما هو: هل كان العالم يعي موافقته على قرار التقسيم متضمنا دولة لليهود وأخرى للعرب مع إدراكه حقيقة الصهيونية؟ أم أن الدعاية حول الهولوكوست قد دفعت لتعاطف غير موضوعي مع حركة استيطانية إجلائية؟
يقينا إن عالم المصالح يختلف كليا عن عالم المباديء وأن ما حرك القرار الذي صاغته أمريكا ووافق عليه الاتحاد السوفياتي كقوتين صاعدتين لترؤس قطبين سياسيين في العالم هو عالم المصالح، الذي عادة ما يغمض عينه عن المباديء إذا كانت عائقا عن المصالح وهو ما حصل فعليا، حين تم بالقرار تنفيذ وعد بلفور بالمفرق.
فسواء كنا كعرب رفضنا القرار أم وافقنا عليه، لم يكن القرار سوى تمهيد للنكبة، بمعنى أن التقسيم شرع للحركة الصهيونية التي قبلته يومها إمكانية أن تطبقه بأيديها، وكان لها ذلك فلم تمض أسابيع على إصدار القرار حتى بدأت المعارك الصهيونية حول يافا وحيفا ومدن أخرى سارعت الحركة الصهيونية لامتلاكها بالقوة، حتى كانت النكبة وتمكنت الحركة الصهيونية من الاستيلاء على أكثر مما أعطاها قرار التقسيم، وحينما قيل لبن غوريون إنكم تجاوزتم حدود التقسيم، قال: "إن حدود دولتنا حيث يصل بسطار الجندي الصهيوني" وهذا ما تم في ظل الخذلان الدولي والعربي لشعب فلسطين.
فهل أعلنت الأمم المتحدة هذا اليوم كتضامن مع الشعب الفلسطيني لتغطي على خذلانها وعجزها عن تطبيق قرارها؟ وما الذي تفعله هذه المناسبة الاحتفالية لنا؟ ستقام المهرجانات والحفلات في العالم وتصدر البيانات، وكل ذلك لن يوقف الدم الذي ينزف، والأرض التي تسرق وتهود، سيعطف العالم علينا بهبات الإعاشة مخصوم منها ما يوزع على اللاجئين العرب ضحايا كارثة سايكس بيكو وبلفور، ولكنه لن يستطيع مرة واحدة أن يجبر كيانا قام بقرار أممي أن ينصاع لقابلته القانونية.
هنا في فلسطين استمرأنا قبول يوم التضامن ونسينا أنه يوم التقسيم، باتت ثقافتنا السياسية مرهونة بتوازنات النظام الدولي لا بحقائقنا التاريخية، وبتنا ننظر إلى اليوم كما ينظر له العالم، لا كما يجب أن ننظر إليه كتاريخ بدأت معه الحملة الصهيونية بالتشكل كدولة مغتصبة.
لذلك فإن سر غياب التقدم في حركتنا الوطنية هو تناسيها للرواية التاريخية الحقيقية عن الأرض والشعب الفلسطينيين، ومحاولة استدخال لغة ومصطلحات المستعمر والقوى المهيمنة في العالم إلى وعينا كحقائق رغم أنها ضد التاريخ وضد الحقيقة، وبتنا نتعامل مع القرارات الدولية والتي كانت كلها مجحفة بحق شعبنا كمنطلقات في السياسة ، لابل وتعاملنا معها أيضا بمرونة تجعلها موضع نزاع وقابلة للتفاوض، كما شربناها للجماهير وكأنها حقائق لا اضطرارات ناتجة عن موازين القوى الدولية.
سيصدر القلق بان كيمون غدا بيانه بالمناسبة ويدعونا نحن قبل المحتل لضبط النفس كي ينام جيدا ويتخلص من القلق، ومبكرا صدرت بياناتنا المحلية وتحركت رزنامة سفاراتنا نحو المناسبة لتقيم احتفالاتها المعهودة ، فيما لن يغير هذا من حقيقة أن الذكرى هي ذكرى استكمال وعد بلفور، وأنها ذكرى اليمة خذلنا فيها الصديق الذي طرح نفسه محررا للشعوب قبل من كانوا يعدون انفسهم لتبني الوليد بعد حمل ومخاض رعوه بقلوبهم ومالهم وسلاحهم..
إن الأمانة التاريخية تقتضي أن نسمي الأسماء بسمياتها الحقيقية، فالألقاب والتوصيفات تزول في لحظة الحقيقة ليظهر الاسم العاري من أي تجميل أو تقبيح، نحن أمام ذكرى أليمة هي قرار التقسيم ومن يريد أن يتضامن مع شعبنا في هذه المناسبة عليه أن يعي حقيقة هذا اليوم، فالقضية لم تبدأ عام 1967 بل قبل ذلك بكثير.

إضافة تعليق