سجال حول الثقافة والمحلية والعولمة والمستقبل في كتاب "مستقبل العلاقة بين المثقف والسلطة"

هل يمكن للمثقف العربي أن يدرك أن لا قيمة لمحليته وهويته وانتمائه ما لم يحول قيمها ومعاييرها وأفكارها إلى قيم ومعايير وأفكار عالمية؟. وهل يدرك هذا المثقف أن الثقافة والهوية والوطنية اللتين تتشكلان في ظل حكومات مستبدة مآلهما إلى الانقراض تاريخياً، وأن العقل الثقافي بحاجة إلى الحرية، كي يتجاوز لعبة التكفير والتخوين، وإلى الحوار الداخلي والخارجي كي يتم التصالح مع الهوية الوطنية والانتماء الفكري.
وفي هذا العصر بما يحمله من تحولات كبيرة على الصعيدين الفكري والتقني، حيث أصبحت الصورة والمعلومة والربح هي المحركة لرؤوس الأموال، وفي ظل تراجع كبير للمبادئ في بناء العلاقات بين الدول والثقافات، كيف يمكن أن يكون مستقبل العلاقة بين المثقف العربي والسلطات الحاكمة؟.
حول هذه الأطروحات دار سجال فلسفي معمق بين مفكرين عربيين بارزين الأول هو الدكتور خليل أحمد خليل الأستاذ في الجامعة اللبنانية والثاني هو الدكتور محمد علي الكبسي الباحث في الفلسفة السياسية العربية، وذلك في كتاب صدر حديثاً تحت عنوان ''مستقبل العلاقة بين المثقف والسلطة''.
دفاع وهمي
ويرى الدكتور خليل أن العالم متوجه إلى معرفة أحادية عنوانها الراهن ''العولمة الأميركية'' مما يعني مداورة: أن ثقافة هذه العولمة ''السمينة'' مقبلة على أكل ثقافتنا الهزيلة، ومنها الثقافة الدينية الإسلامية ـ كما يتصور مؤدلجو الغرب ـ وهذا يعني مباشرة أن ثقافتنا المحلية العربية والإسلامية هي في حالة تنافس وصراع، إن لم نقل في حالة حرب مع ثقافة الغرب، حيث إن ''أوليفيه كارّي'' اعتبر الثقافة الغربية في حالة دفاع وهمي عن الذات أمام الإسلام المحارب!.
ويشير الدكتور خليل إلى أن العلاقة بين المثقف والسلطة هي علاقة تأثيم متبادل، حدّاه التكفير في مستوى العقل الديني، والتخوين في مستوى العقل السياسي، فيما عقلنا الثقافي يحتاج إلى الحرية لتجاوز لعبة التكفير والتخوين معاً إلى لعبة التفاكر أو التعارف، أي الحوار من الداخل، إلى الحوار في الخارج الإقليمي أو العالمي، إن كان الآخر مستعداً لمعرفتنا أولاً، وللاعتراف بنا ثانياً، وإلا ما جدوى التحاور مع آخر لا يعرفك ولا يؤدي لغير الاعتراف بك إلا كضحية!.
ويؤكد الدكتور خليل الحاجة إلى الحرية الإنسانية في مطلع الألفية الثالثة، مما يستدعي إعادة النظر في علاقة المجتمع نفسه بالسلطة، لجهة تمكين المجتمع من المشاركة بحرية في إنتاج ثقافته واختيار استهلاكه الثقافي وغير الثقافي، فلا يحق مثلاً لأحد أن يفرض على العالم الإسلامي استهلاك رواية سلمان رشدي ''الآيات الشيطانية''، ولا يحق لأحد أن يفرض عليه استهلاك لحوم أبقاره ''المجنونة'' ولا أسلحة تدميره الشامل والفاسد معاً، ولا أي استهلاك آخر مثل استهلاك التنمية والخصخصة ثم استهلاك المديونية، وتأييد التبعية الاقتصادية، وكل أشكال المعلوماتيات الراهنة، ومع ذلك فنحن لا نقول للغرب: لكم عالمكم ولنا عالمنا وحسب، بل نقول أيضاً: لكم ثقافتكم واستهلاكاتكم وعواقبها، ولنا ثقافتنا ومجتمعها وعالمها؟ ولكن أين الاستواء في التبادل بين ثقافتنا وثقافتهم؟!
قفزات في أزمات
وينتهي الدكتور خليل إلى أن ثقافتنا العربية الإسلامية ليست في خطر، وليست خطراً على أحد بسبب من محليتها أو تأصلها، فهي ثقافة تمارس تحضرها على طريق العولمة أو العالمية، من خلال تطورها الذاتي الذي شهد قفزات في أزمات، ولو قارنا نتاجنا الثقافي في القرن العشرين بما كان عليه الحال عندنا في القرن التاسع عشر، لاكتشفنا أننا حققنا نهضة عربية وإسلامية، على الرغم من تعطيل الاستعمار لعقولنا ومدارسنا، ومن نهب ثرواتنا وقتل مواردنا البشرية بالحروب المعروفة.
ويخلص الدكتور خليل إلى أن الاستعمار نفسه الذي ادعى لنفسه صفة ''البطل المحضِّر'' مارس علينا سياسة ''البطل المدمِّر'' ومازال بأشكال أخرى، ويؤكد أن استقلالات بلادنا أتاحت للمثقف العربي أن يكون مواطناً في وطنه أولاً، وأن مجتمعاتنا هي القادرة ثانياً على إعادة تأهيل المواطن للتوجه تلقائياً من مواطنته على المواطنة العالمية.
ويضيف الدكتور خليل أنه لا يرى منذ الآن أن ثقافات الألفية الثالثة ستكون أو قد تكون ثقافة واحدة ذات حراك دائم بلا مركزة، فالثقافة العالمية بوجهيها الأوروبي والأميركي مثلاً لا تخفي مركزتها ولا مركزيتها، وإن بدت في صورة ''نواة العولمة'' بدءاً من أميركا، وما يجب أن نراه بعين الرأس والعقل هو حاجة عالمنا العربي والإسلامي إلى ''نواة عولمته'' وإلى مركزية علاقاته ببعضه، تمهيداً لكل علاقة تجاور وتحاور مع عولمة ثقافتهم، مع القبول بأن تكون ثقافتنا وثقافتهم مشتركة إن هم رغبوا حقاً في الشراكة والتسالم، وفي السلام العالمي. ثم يطرح الدكتور خليل سؤالاً هاماً: لماذا هذا التهويل بعولمة ''متوحشة'' تأكل كل شيء حتى الإنسان وثقافته ؟!
مفاهيم خاطئة
أما الدكتور محمد علي الكبسي فيتناقض في طروحاته مع الدكتور خليل، ويبدو منسحباً من واقع الثقافة العربية الإسلامية، داعياً إلى عدم التوقف عند أصحاب الكهف ـ على حد تعبيره ـ وهو يدعو صراحة لإزاحة مفاهيم اعتقدنا صحتها ردحاً كبيراً من الزمن، وأنه يجب النظر في المتغيرات العميقة التي عرفتها الإنسانية في ظل ما يظهر من تباشير العولمة في هذه الألفية الجديدة، مقرراً أنه لم يعد يجدي موقف القبول أو الرفض بقدر ما يجب أن نحدد الرهانات المستجدة أمام المثقف والسلطة، وبيان كيفية الاستفادة من الوجه الحضاري للعولمة، حيث يعتبر الدكتور الكبسي أن العولمة ليست تياراً أو مدرسة أو مذهباً بإمكاننا الانتماء إليه أو معاداته مستغنين عنه بموروثنا الحضاري! ولهذا فهو يدعو إلى عدم تضخيم ذواتنا وإلى عدم إعطائها حجماً لا يناسبها، لأن طموح العولمة ـ حسب رأيه ـ هو تكوين ثقافة المصير المشترك والمشاعر المشتركة في هذا العالم القرية!. ويقترح الكبسي النظر إلى المحلية لتوجيهها لوجهة تتوافق والأبعاد الإنسانية التي تطرحها هذه الألفية، فنكون بذلك قد فتحنا جسور الحوار بين الثقافات وداخل ثقافتنا المحلية.
ويعتقد الدكتور الكبسي أن مواردنا الثقافية لا يمكن أن تكون البديل عن التكنولوجيا الرقمية، ولا يمكن أن تحمينا من السوق العالمي وسيولة رؤوس الأموال، ولا يمكنها أن توقف ضخ النفط إلى الاحتكارات المالية والسياسية ؟! ويتوقف الدكتور الكبسي عند موضوع الهوية العربية والإسلامية فيدعو إلى مراجعة ما استقر في ثقافتنا حول الهوية والأنا، لأن الهوية ـ حسب رأيه ـ هويات(!). وهي انتماء يستمد حضوره ودلالته من خصوصية المحلية التي هي محليات (!)
خصوصية التنوع
ويصل إلى القول: إن خصوصيتنا كعرب تنوع ينحدر أساساً من تنوع محلياتنا، وإن التحول الثقافي الذي علينا استيعابه هو تأسيس التوافق الداخلي بتفجير الهوية وإخراجها من التشاكل الداخلي بالإبانة عن طبيعتها التنوعية، فانغلاق المحلية علة الثقافة العربية (!) بينما يضع التنوع الهوية وضعاً أفقياً من جهة كونها انتماء مخالطاً لغيره من الانتماءات التي تعترف بأحقية وشرعية الحضارة التي تمثل الأفق الجامع لها، كما تعترف بأحقية وشرعية الثقافات والحضارات الأخرى.
ويعتبر الدكتور الكبسي أن الألفية الثالثة وتباشيرها تؤكد أن الإنسانية هي فلسفة المستقبل في هذه القرية الكونية. لهذا يجب أن يقوم الإبداع على تمثل المشاعر المشتركة (!) وتمثل الإحساس بكوننا أسرة واحدة (!) يهمها مصير كوكبنا (!) ذلك أن الإبداع في الألفية الثالثة ممارسة تعلمنا كيف نحيا الانفصال عن المنظومة الكلاسيكية، ونتبنى حواراً مع الآخر باسم تنوع العائلة الإنسانية، فذلك إغناء لنا، لأننا تجاوزنا الأفق الذي ارتهنا فيه كثيراً وأعدنا صياغة محليتنا بإقرار خصوصية تنوعها، فتغتني ثقافتنا العربية الإسلامية بانفتاحها، فنوجهها نحو تطلعات الإنسانية. ويصر الدكتور الكبسي على أننا قادمون على عصر جديد ومشكلات جديدة، وتصورات جديدة، وبالتالي مستقبلون لإنسان جديد.
وفي قراءة موجزة لهذا السجال الفلسفي الذي ضم بحثين معمقين في كتاب ''مستقبل العلاقة بين المثقف والسلطة'' نرى عربياً مشرقياً يتمسك بالمحلية سبيلاً إلى الندية والمشاركة في العولمة، بينما نرى عربياً مغاربياً يدعو إلى الانعتاق من الموروث والالتحاق بالعولمة وحسب شروطها ومعطياتها!.
كتاب : مستقبل العلاقة بين المثقف والسلطة ( حوارات لقرن جديد)
المؤلف: د.خليل أحمد خليل . و د. محمد علي الكبسي
الناشر : دار الفكر ـ دمشق

إضافة تعليق