من أجل فهم صحيح للنقد والناقد

إنّ ما ارتسم في أذهاننا منذ نعومة أظفارنا أنّ النقد عبارة عن نشاط  يستهدف إبراز النقائص والعيوب، وأن الناقد هو شخص مشاغب لا يرى حوله غير السواد وأن عينيه لا تقع إلا على ما يمكن أن يشوب الأشياء من نقائص، وأن همه الوحيد هو إظهار عيوب الناس وما يشرفون عليه من أعمال، و هذا في حقيقة الأمر حكمٌ جائر في حق النقد ومن يقوم به، وهو حكم نابع عن فهم خاطئ لعملية النقد.

1- النقد والناقد:

“إنّ النقد في جوهره هو مجموعة من العمليات الذهنية التي تستهدف تقييم بعض الحقائق والمعلومات والأفكار والظواهر، وتمييز ما فيها من خير وحق وصواب وجمال عما فيها من باطل و خطأ وقبح”(1 )، ويظهر لنا جليًّا هنا أن ما كان راسخًا في أذهاننا من مفاهيم حول النقد هي مفاهيم خاطئة، وأن النقد ليس إظهار العيوب والنقائص، أو هو الكلام عن الجزء الفارغ من الكأس فقط، بل هو أعمق من ذلك وأدق:

–   فالنقد عمليات ذهنية، مما يعني أن دماغ الناقد في اشتغال مستمر، وأنّ إعماله لعقله وفكره في كل ما يلاحظه أو يعرفه أو يقرأه أمر لابد منه، سواء تعلق الامر ببيئته المعرفية، أو ببيئة غيره.

–   النقد تقييم للحقائق والمعلومات والأفكار: وهذا هو جوهر العملية النقدية، فالنقد مرشح للعقل، فهو الذي يمكننا من تمييز الحقيقة عن الرأي،و تمييز ما في الأفكار والمعلومات من حق وباطل، ومن خلال هذا التمييز يمكننا أن نفهم الواقع فهما صحيحا ودقيقا وبالتالي اصدار احكام صحيحة ودقيقة.

كما أن الناقد ليس هو ذلك الشخص الذي قدمنا صورته في المقدمة، فهي صورة قاتمة لا تعبر على حقيقة الناقد الذي ومن خلال ممارسته للنقد “يدرك أنه يعبر عن فهم مقارب لما ينبغي أن تكون عليه الأشياء وفهم مقارب لما هي عليه الآن، وعمله الأساسي هو توضيح ذلك الفارق وتشريحه وبيان خطورته، وحين يجد الناقد الاجتماعي صورا متفوقة وخيرة، فانه يعبر عنها ويشجعها، كي يرسخها، ويمكن لها في الحياة العامة، وكي ينشر روح البشر والاستبشار في نفوس الناس”(2 ).

2-التفكير النقدي (الناقد):

مما يخفى على الكثير أنّ الناقد وهو ينقد الاشياء أو الافكار يقوم باستخدام أهم وأجل نوع من أنواع التفكير, ألا وهو “التفكير الناقد”، الذي يعتبر  “من أكبر أشكال التفكير المركب استحوذًا على اهتمام الباحثين والمفكرين والتربويين الذين عرفوا بكتاباتهم في مجال التفكير”(3 )، “ويعبر جون ديوي عن جوهر التفكير الناقد في كتابه ( كيف تفكر ) بالقول: “إنه التمهل في إعطاء الأحكام وتعليقها لحين التحقق من الأمر” ( Dewey, 1982 )(4 )، وقد حدد باير (Beyer, 1985) عشر مهارات للتفكير الناقد أذكر أهمها على سبيل الذكر لا على سبيل الحصر(5 ):

  • التمييز بين الحقائق التي يمكن إثباتها أو التحقق من صحتها وبين الادعاءات أو المزاعم الذاتية أو القيمية.
  • · التمييز بين المعلومات والادعاءات والأسباب ذات العلاقة بالموضوع وتلك التي تقحم على الموضوع ولا ترتبط به.
  • تحديد مصداقية مصدر المعلومات.
  • التعرف على المغالطات المنطقية.
  • التعرف على أوجه التناقض أو عدم الاتساق في مسار عملية الاستدلال من المقدمات أو الوقائع.

ومن هنا يظهر لنا جليا الأهمية البالغة لهذا النوع من التفكير الذي يحمي صاحبه من الخطأ والزلل، كما يجعله يبتعد عن دائرة المغلوبين على عقولهم المؤمنين بكل ما وجدوه أو ما استجد في بيئتهم المعرفية من افكار ومعلومات دون تمحيص منهم أو تدقيق.

وفي الأخير ليس لي ما أقول حول هذا الموضوع إلا ما قاله المفكر الدكتور عبد الكريم بكار: “التفكير النقدي عمل متفوق جدًا، لأن الناقد يثبت أن وعيه متحرر من سلطان البيئة والنماذج الشائعة، ومتحرر من برمجة التيار الاجتماعي العام، والذي لا يكون في الغالب رشيدا وواعيا”, والله المستعان.

ـــــــــــــــــــــــــــ

  1. أ.د عبد الكريم بكار، تكوين المفكر ، دار وحي القلم ، دمشق، الطبعة الاولى 2010، ص ص 91، 92
  2. أ.د عبد الكريم بكار ،نفس المرجع، ص 92
  3. د فتحي عبد الرحمن جروان، تعليم التفكير: مهارات وتطبيقات، دار الفكر، عمان، الطبعة الثالثة 2007، ص 60
  4. د فتحي عبد الرحمن جروان، نفس المرجع، ص 62
  5. لمزيد من المعلومات يمكن الرجوع الى كتاب تعليم التفكير للدكتور فتحي عبد الرحمن جروان.

 

إضافة تعليق

2 + 1 =
Solve this simple math problem and enter the result. E.g. for 1+3, enter 4.