جاد يهرب من الكتاب إلى اللعبة

«إن أحبّ الصغار الكتاب.. أحبته الأمة». خلاصة ينطلق منها أصحاب دور النشر ومؤلفو كتب الصغار للتأكيد على أهمية توثيق علاقة الطفل بالكتاب من نعومة أظافره. يعتبرون القراءة حاجة لصيرورة الطفل، كالأكل والشرب واللعب، وتبرز أهميتها الأساسية عند بلوغ الطفل عامه الثالث ودخوله مرحلة دراسية جديدة. ولكن ما هو واقع علاقة الطفل العربي بالقراءة؟ وهل اهتمام دور النشر بكتب الأطفال نابع من «هم مجتمعي» أو «هم تجاري»؟.
في قاعة «البيال» حيث يُقام «معرض بيروت الدولي للكتاب» جعجعة بلا طحين. أناس يتنزهون وقلة يشترون. يركض جاد في أرجاء المكان الرحب متنقلاً من جناح إلى آخر. تحاول والدته إغراءه بالرسومات على غلاف إحدى القصص، سائلةً إياه «هل أشتريها لك؟ تعال وأنظر ما أجملها!». لا يأبه لها. يواصل ابن السنوات الخمس «الشيطنة» داخل القاعة. تقع عيناه على لعبة معروضة في أحد دور النشر. يتجه لاهثاً نحو والدته و «يجرها» إلى مكان اللعبة، قائلاً «أريد هذه».
تفضيل جاد للعبة على حساب الكتاب يعود لأسباب تربوية بحتة. إذ تقوم الأسرة بإغراق أولادها بالألعاب منذ صغرهم، في حين أنها لا تزودهم بالكتب إلا عندما يحين موعد التحاقهم بالمدرسة. فلا يعرف الصغار الكتب ولا يعون أهميتها إلا بعد بلوغهم سنّ «اللهو». وهو ما يؤكده مسؤول في «الملتقى العربي لناشري كتب الأطفال» محمود حسونة، معتبراً أنه «نتيجة التربية المنزلية تلك من الطبيعي أن يفضل الصغار التسلية واللعب على إمضاء وقت في القراءة والتعلم».
وإذ لا ينكر حسونة وجود بعض الأسر التي تقوم بتوعية أطفالها على أهمية القراءة واقتناء الكتب، يؤكد أنها لا تزال من دون الحد الأدنى المطلوب، مشيراً إلى أن «الكثير من دور النشر بدأت تدرج ضمن لوائحها كتباً تتناول مواضيع متعلقة بالتطور التكنولوجي العصري الحديث، مع مراعاتها ذهنية الأطفال، حيث تعتمد أسلوباً سهلاً ممتعاً وتصويرياً، وتُخضع اللغة العربية لبساطة القصة فتعبّر عنها بكلمات سهلة، ما قد يخفز الأهل على توجيه أطفالهم نحو القراءة».
ومن بين دور النشر التي طورت طريقة عرضها لكتب الأطفال على صعيد المضمون (فكرة القصة ورسوماتها) والغلاف، تبرز «دار أصالة». إذ سعت الدار التي فاز عدد كبير من قصصها الخاصة بالأطفال بجوائز عدة، إلى تطوير انتاجها بشكل أكثر جذباً للصغار، وفق ما يؤكد مازن حمدان أحد مؤسسيها.
ويكشف عن أن «النقلة النوعية التي قامت بها الدار جاءت بعدما لمسنا اتجاه بعض الأطفال إلى شراء القصص الأجنبية (الفرنسية والانكليزية على وجه الخصوص) لما فيها من تميز على مستوى الغلاف وطريقة العرض»، مؤكداً أن «القصص العربية المعروضة الآن لا تقل أهمية من حيث قوة الألوان والرسومات عن تلك الأجنبية، إلا أن الإقبال عليها لا يزال ضعيفاً».
ويشير حمدان إلى أن «الأسر العربية لا تدرج ضمن أولوياتها مهمة تثقيف الأطفال عبر حثهم على القيام بقراءات جانبية، بل يقتصر جلّ عملها على تعليم الأطفال وتسجيلهم في المدارس»، موضحاً أن «الإقبال على شراء الكتب المدرسية أو القصص المطلوبة في المدارس أكبر بكثير من الاقبال على شراء كتب او قصص من خارج المنهج الدراسي».
بين الكتب المدرسية والقصص
يؤكد حمدان أن «الكتب المدرسية أكثر مبيعاً من القصص الخاصة نتيجة لتزايد عدد المدارس، وهي أكثر ربحاً لان اسعارها أعلى من الانتاجات الأخرى»، موضحاً أن «الكتب والقصص المخصصة للأطفال تبدأ من عمر ثلاث سنوات وصولاً إلى 15 سنة، وتتراوح اسعارها بين 3 ألاف و20 ألف ليرة. وقد يصل سعر المجموعة الكاملة من القصص، التي تضم 50 قصة إلى 100 ألف ليرة أحياناً».
ويشير إلى أن «الأسعار لا تشكل عائقاً امام اللبنانيين، بل هناك عائلات تتجه إلى شراء القصص الأجنبية حتى ولو فاق سعرها ثلاثة أضعاف سعر القصص العربية»، مؤكداً أن «هذه الحالات تبرز خاصة لدى الأسر التي تعلم أطفالها في مدارس تتعامل مع اللغة العربية على أنها لغة ثانية». وقد يبدو أن حمدان أغفل نواحي أخرى كثيرة تضعف الرغبة باقتناء القصة العربية، خاصة أن اختلافاً جوهرياً يبرز بينها وبين القصص الأجنبية. حيث لا تزال قصص الأطفال العربية على الرغم من دخولنا في «العصر الافتراضي»، تأتي بقيمة أدبية متدنية وتحتوي على كمية هائلة من الوعظ الأخلاقي المزيف. بالإضافة إلى أنها تنتهي بتوجيه أسئلة للقارئ (الطفل) إمعاناً في التلقين والحفظ، الأمر الذي يؤدي حتماً إلى نفور الصغار منها.
عادةً، يحدد سعر القصة وفق عملية حسابية لتكلفتها وما يتقاضاه كل من المؤلف والرسام. ويتعامل المؤلف مع دار النشر وفق عقد عمل مسبق يحدد على ضوئه عدد الأعمال التي سيكتبها والأجر الذي سيتقاضاه. في حين، تتعامل دور النشر مع الرسام إما وفق تسعيرة محددة سلفاً لكل قصة، وإما أن يحصل على اجر مقابل كل رسمة ينجزها. وتحقق دور النشر أرباحاً طائلة من القصص التي يُعاد طبعها أكثر من مرة، لأنها لا تتكفل بدفع أتعاب المؤلف او الرسام مرة آخرى.
في السياق، يرفض مدير فرع بيروت في دار النموذجية للطباعة والنشر خليل مكوك إعطاء أرقام محددة لتكلفة القصص، متذرعاً بأنها «غير ثابتة»، مشيراً إلى أن «المناهج المدرسية المعتمدة محلياً تُتخم الأطفال بالدرس ليلاً نهاراً، فلا يبقى لهؤلاء وقت كافٍ للقيام بقراءات جانبية وهو أمر يُحيل دون شراء القصص بكثرة، لذلك فإن التعاقد مع مدارس بهدف توزيع الكتب المدرسية وإعادة طبعها يحقق مردوداً مادياً أعلى بكثير من مردود تأليف القصص للصغار وبيعها».
العبارة نفسها يكررها أحد العاملين في دار نشر، ولكن بطريقة أكثر وضوحاً. يقول بعدما رفض الكشف عن اسمه: «إن التزام الدار مع عدد من المدارس يوفر لها ربحاً كافياً على مدار السنة». أي أن وجود مصلحة مادية لدى دور النشر تدفع بها إلى التعامل مع المدارس لاسيما الخاصة وغير المجانية منها.
«الشراكة» بين المدارس ودور النشر على الرغم من مساهمتها في مضاعفة النشر بصورة عامة، كانت سبباً في انتشار الفوضى وتحول الكتاب إلى سلعة، إذ لا يفكر كِلا الطرفين سوى بكيفية مضاعفة أرباحهم المادية. ففي لبنان نوعان من الكتب المدرسية، منها ما يُطبع في دور النشر المحلية بعد أن توافق عليه لجنة تربوية خاصة، ومنها ما يُستورد من الخارج. وتُسعّر الكتب غالباً، بعد توافق يحصل بين نقابة الناشرين المدرسيين ووزارة الاقتصاد. إلا أن الالتزام بالتسعيرة المحددة شبه معدوم نظراً لغياب الرقابة.
وفي الفترة الأخيرة، بدأت المدارس بالتعاون مع دور النشر العمل على استيراد كتب من الخارج. تضاعف دار النشر سعر الكتاب على المستهلك، وتقدم حصة من المبيع لإدارة المدرسة، فتحقق بذلك أرباحاً طائلة خاصة إذا تعاقدت مع أكثر من مدرسة في الوقت عينه. الامر الذي يلحق ضرراً مباشراً بأصحاب المكتبات، الذين يصبحون قاصرين عن لعب دور الوسيط بين دور النشر والمدارس.
ويكشف مكوك عن أن «الكتب المستوردة يجب أن تباع بالأسعار نفسها التي تباع فيها في بلاد المنشأ، شرط أن تكون متوافقة مع المنهج التربوي المعتمد في لبنان». وهنا يكمن بيت القصيد: فمن يراقب مدى تتطابق الكتب مع المنهاج اللبناني؟ ومن يراقب أسعارها، لاسيما أنها تعتبر منافساً أساسياً للكتاب المحلي؟
من هنا تبرز أهمية إيجاد جهة رقابة فاعلة تمارس رقابة تربوية على المطبوعات من الكتب المدرسية والقصص.

تعليقات

By Kawsar dababo (not verified) on
يبدو انها قصه رائعه .. لقد قرأت مقطع الغلاف وادمعت عيناي .. فالشوق للوطن لا يماثله اي شيء .. وهو الهويه لكل فرد رتع في احضانه .. صعب ان نعيش بلا هويه ..

إضافة تعليق

3 + 13 =
Solve this simple math problem and enter the result. E.g. for 1+3, enter 4.